محاولات في تفسير الكتابة

فواز حداد

من أعمال الخزافة ميسون عبدالحفيظ.

من أعمال الخزافة ميسون عبدالحفيظ.

يحيل الكثير من الأدباء تغيير مجرى حياتهم من بشر طبيعيين، إلى بشر تركبهم هموم الكتابة، إلى المصادفة. أما الشكوى من أمراض الكتابة، فعدا الجلوس الطويل وراء الطاولة، والقلق المستمر؛ الخلط أحياناً بين الواقع وشيء يشبه الواقع، يلتبس به، يمكن دعوته بالخيال، وهو ما أدى بهم إلى التورّط في أن يصبحوا روائيين وقاصين وشعراء.

المصادفة التي غالباً، ما كانت السبب في التعرّف إلى الكتب والقراءة، قادتهم إلى الكتابة، هل هذا ما يدعى بعدوى الكلمات المكتوبة؟ اكتشفوا تحت تأثيرها، قدرة الخيال الجامح على السفر بواسطة الكلمات إلى عوالم أخرى لم يعيشوها، ربّما عاشها غيرهم، أو لم يعشها أحد. بعضهم اعتقدوا أن الروايات كانت موجودة داخلهم، مجرّد أنها خرجت، بعدما هيأوا السبل لها، لتتحرّر من ذواتهم. يبدو هذا الزعم أقرب إلى الهذر، أو من قبيل التبجّح، والشطط في تحويل الكتابة إلى لعبة أسرار. لكن من قال إن اختلاق عالم تكاد أن تلمسه وتضيع فيه، سواء كان مناراً أو معتماً، لا تنقصه الفصول ولا الرياح، أو المطر والسنونو، والبشر بأنواعهم الطيبين والأشرار، والمطاردات، والنساء الجميلات… لا يحتاج إلى التلاعب بالأشياء والأشخاص، قد أصبح من الأمور العادية؟

أو كما يدّعي غيرهم، يكتبون أحلامهم، يدفعون ثمنها أرق ساعات، ريثما يعثرون على نهاية سعيدة، ولو كانت تسلية مرهقة، مع أن كوابيسهم أجدى، تكلّفهم قشعريرة مرعبة وسيلاً من العرق. أما المحظوظون فيستدعون قصصهم من الذاكرة، وهي ذاكرة عريضة، عميقة الغور، تشطح كثيراً، وتسطو على ذاكرات الآخرين.هناك من كان أقلّ غروراً، اعترف بأن الروايات مبذولة في الحياة، ومهمّة الكاتب اختيار ما يروقه منها، إن عمله لا يزيد عن الرغبة في تحديد مقدار تعديل مقاساتها، تحت زعم إدخال تعديلات عليها، أو نسفها من أساسها، ما الحياة إلا محرّض فقط. وثمة آخرون مهووسون بالبناء، يشيّدون رواياتهم بدقّة وحرص، على مهل، كأنهم يقرؤونها في كتاب من طلاسم، يفكّكون أحجياته، وأحياناً لا تكون الطلاسم سوى لغة أخرى، غير منطوقة، ولا قاموس لها، تقوم الكتابة بترجمتها من سلسلة مشاهد إلى سلاسل كلمات، ولا ضرورة أن تكون الترجمة أمينة، إذ تتدخّل الذائقة الشخصية، وإضفاء بعض التحسينات أو التشويهات، ما يمنحها لمسة من الغرابة غير المألوفة.

في الحقيقة تتنوّع السبل إلى الكتابة، وفي هذا نعمة، لو كان الطريق واحداً، والحظوظ متساوية، والمصادفات على وتيرة واحدة، لكتب الروائيون الرواية نفسها، والشعراء القصيدة ذاتها. ولما كان هناك رواية ولا شعر، ستبدو الأنواع غير متنوّعة، أشبه بطريق محدّد لمتعة لا تتكرّر إلا مرّة واحدة، قد يحظون بها.

وربما هناك أساليب بقدر ما هناك روائيون، يجمعهم شيء واحد، العجز أمام حياة، يحاولون تفسيرها بشتى الوسائل، منه تأتي الروايات، الواقعية والرومانسية والطبيعية والخيالية والبوليسية والسحرية….

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى