انحسار الذات الشاعرة

كانت القصيدة العربية قبل الإسلام تبدأ بالتجربة العاطفية المباشرة للشاعر، كذات واقعية متميزة، يشير فيها إلى محبوبته باسمها الصريح، أحيانا، ويستعيد ذكريات حبه معها من خلال زيارة أطلال سكناها. ثم يفخر بسجاياه وأمجاده و فروسيته إلخ، ويصف فرسه أو ناقته. وهذا يعني أن العرف الشعري حينها كان يمنحه مساحة معتبرة للتعبير عن ذاتيته الخاصة. ثم يمدح أو يهجو ذاكرا، في الغالب، أسماء من يهجوهم أو يمدحهم، و حتى لو لم يذكرهم يكون من السهولة لسامعيه التعرف إليهم، وهذا قد يدخل في إطار التزامه بأن يعبر عن الصوت الجمعي لقبيلته.

وقد ظل هذا التقليد في ربط الشعر بحياة شاعره ملازما للشعر العربي بعد الإسلام، بفترة قصيرة. لكن مع النصف الأخير من القرن الثالث والقرن الرابع الهجريين دخل العنصر التركي كعامل جديد فاعل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الإمبراطورية الإسلامية إلى جانب العنصرين الفارسي والعربي وأصبح العنصر الأخير ضعيفا جدا. وبغض النظر عن الصراعات والاقتتالات بين هذه العناصر الثلاثة، فإن ما يهمنا هنا ازدهار حياة القصور والدور وما تميزت به من رخاء وتنافس في الترف اختص به ذوو السلطان والنفوذ، وانعكاس ذلك على الحياة العلمية والأدبية، وخصوصا الشعر.

يقول أحمد أمين*(ص: 130) وهو يؤرخ لتلك الفترة أنه نشأت طبقتان متميزتان تماما، الخليفة ومن تحته من مسؤولين في الدولة ومن ارتبط بهم من أسرهم وأتباعهم، وهؤلاء يمثلون طبقة الخاصة الرافلة في الترف، وعددهم قليل بالنسبة إلى مجموع الأمة، وطبقة العامة، وهي السواد الأعظم، من علماء وتجار ومزارعين، وأغلبهم فقراء “إلا من اتصل منهم بالخلفاء والأمراء”* (ن. ص).

كان بعض العلماء والأدباء ممن آثروا الاستقلال والتعفف والابتعاد عن استعطاء ذوي النفوذ والمال يعجزون أحيانا عن توفير قوت يومهم وسداد إيجار مساكنهم، وينقل لنا أحمد أمين أمثلة مؤسفة موجعة.
أما الفريق الآخر الذي تطلع إلى صحبة الخلفاء والسلاطين والأمراء والوزراء فقد حظي بعيش رغيد.

كان انعكاس هذا على قسم كبير من الشعر أن الشعراء لم يعودوا “يشعرون لأنفسهم ولا لعواطفهم وإنما يشعرون للمال”* (ص: 131) الذي يتفضل به عليهم المتفضلون “ولهذا كان أكثر شعرهم مديحا […] وكان أكثر مديح الخلفاء والأمراء بالكرم والسخاء، لا بالعدل والحزم وضبط الأمور”* (ن. ص). ويقول أيضا طفنوع الشعر الغالب على الأدب العربي – وهو شعر المديح- إنما يكثر ويزدهر على باب القصور السخية” (ص 223) وبالتالي أسهم هذا التطور في تضييق مساحة الذات الشاعرة في الشعر العربي في مجتمع يستهدف، أصلا، التضييق على الذات الفردية المستقلة ومحاصرتها.

_______________________________________________________________

* أحمد أمين. ظهر الإسلام ج1. تحقيق وتعليق: محمد فتحي أبو بكر. الدار المصرية اللبنانية. القاهرة. 2016.

نشر بموقع بوابة الوسط.

عن عمر الككلي

الاسم: عمر أبوالقاسم محمد شليق تاريخ الميلاد: 1953 مكان الميلاد: تونس مجالات الكتابة: القصة/ الترجمة. تعريف قصير: تربى وعاش بمدينة طرابلس وبها تلقى تعليمه الأول، ثم النقل إلى بنغازي للدراسة بكلية الآداب بجامعة قاريونس واستمر بها حتى السنة الرابعة بالفلسفة.. نشر نتاجه الأدبي مبكراً وذلك من خلال صحيفة الأسبوع الثقافي.. إصدارات: - صناعة محلية/ 1999 –الهيئة المصرية للكتاب - صناعة محلية/ 2000 – الدار الجماهيرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى