المحامي علي الديب… سيرة رجل 

بقلم الاستاذ .فاضل المسعودي

الأستاذ المحامي علي الديب.

الأستاذ المحامي علي الديب.
الصورة: وجوه طرابلسية.


ولد علي الديب بقرية (الحرشا) بالزاوية في منتصف نيسان-ابريل 1922، وبدأ صباه بمساعدة والده، في فلاحة الأرض التي يملكها، وقد ظل الشيخ علي، يفاخر علي الدوام بهذه البداية الكادحة ويردد بصوته الجهوري: ان آثار المنجل ما تزال في كفي! ولكنه اتجه منذ طفولته، كعادة كل الأطفال الليبيين، في ذلك العصر، الي حفظ القرآن في واحد من كتاتيب القرية، ونجح الطفل في حفظه عن ظهر قلب قبل أن يتجاوزالعاشرة من عمره ! وبعدها التحق بـ (معهد زاوية بن شعيب) لتلقي مفاتيح التعليم في ذلك الزمن وهي حفظ الأجرومية ليتعلم النحو وقواعد اللغة العربية، ومدونة ابن عاشر ليحفظ قواعد الدين وشعائر التدين، ثم يواصل دراساته فيهما.. في الفقه واللغة العربية، في زاوية الأبشات وهي احدي منابر التعليم والتثقيف والتنوير، في ماضي ليبيا المجيد، منذ العهد التركي ومرورا بعهد الطليان وحتي بدايات عصرالاستقلال، وفي هذه الزاوية أخذ الشيخ علي، حظه الوافر من علوم الفقه وأصول الدين وقواعد اللغة العربية والبلاغة وفنون الأدب والتاريخ والشعر، حتي أجيز من طرف شيوخها الكبار آنذاك، واعتبروه، أنجب من تخرج من طلابها واعترفوا بقدرته علي التحصيل العالي وموقعه كعالم في الفقه ومتكلم في تفاسيره ومتمكن من أصوله ومذاهبه، وراوية للشعر، وأديب وناقد وخطيب جهوري الصوت يهز المنابر.. وككاتب تؤكد بداياته أن شأنا عظيما ينتظره.

وقد عرف علي الديب بين زملاء دراسته بانكبابه الطويل علي قراءة كل ما يقع تحت يده من الكتب أو المجلات الأدبية، وبالاطلاع الواسع علي العلوم العصرية : التاريخ والجغرافيا وعلوم الأحياء والرياضيات.. واشتهر بالذكاء الحاد والحافظة القوية التي منحه الله اياها، اذ كان الشيخ علي يحفظ قصيدة من ستين بيتا أو أكثر، في جلسة واحدة!! وانه يستطيع عرض ما قرأه بالنص في كتب المراجع اللغوية كـ الشذور والأشموني واستيعاب ما جري حول المسائل اللغوية من خلافات بين النحويين وفقهاء اللغة في مدينتي البصرة والكوفة ! وأنه ظل حتي بعد أن تقدمت به السن قادرا علي الاستشهاد بما مر به من أقوال أو نصوص قرآنية أو فقهية أو أحكام واستحضارالاشعارالمناسبة والأقوال المأثورة في كل ما يشترك فيه من حوارات ويخوضه من جدل.

علي الديب، كان عبقرية فذة وكفاءة نادرة وشخصية متميزة، تجلي كل ذلك في اعتماده علي مجهوده الشخصي في التحصيل العلمي والثقافي دون أن ينتظم في مدراس تعليميه رسمية، وظهر في استعداده الفطري وقدراته الذهنية في تعلمه اللغة الايطالية، خارج المدرسة والمعاهد المتخصصة حتي أصبح قادرا علي التحدث بها بطلاقة، بل والمرافعة بها وجدال زملائه من المحامين الايطاليين الليبيين الكبار من أمثال المرحوم الأفوكاتو فرراه وتمكنه وهو في سن متقدمة من تعلم قدر وافر من اللغة الانكليزية يقضي به حاجاته عند اللزوم!!

وقد مكنه مستواه العلمي وثقافته العامة الواسعة من الفوز في مسابقة ادارة المعارف، في عهد الادارة البريطانية ليعين مدرسا ابتدائيا، وبعد ذلك بسنة واحدة، كان علي الديب نفسه، الفائز الأول في امتحان آخر خاص بالقضاة الشرعيين، فعين قاضيا بمحكمة (بئر الغنم) الشرعية، وبعد ثلاث سنوات عين قاضيا بمحكمة سوق الجمعة ونائبا ـ في الوقت نفسه ـ لقاضي القضاة في المحكمة الشرعية العليا بطرابلس!

أبو جرد صاحب القلم الجريء

عند تصاعد النضال الوطني من أجل الحصول علي الاستقلال وسماح الادارة البريطانية بظهور عدد من الصحف الوطنية المستقلة، ظهر (أبوجرد) صاحب هذا القلم الجريء والحصيف الذي شد اهتمام الناس وانبهارهم بدفاعه القوي علي ثوابث الحركة الوطنية و تصوراتها في شأن تحقيق الاستقلال وقيام الحكم الوطني التحرري والمتقدم، من خلال المقالات التي نشرها (أبو جرد) تباعا علي صفحات جريدة المرصاد التي كان يصدرها المرحوم محمد قنابة، وسرعان ما اخذ قلم (أبو جرد) الجريء يصطدم بالتيار التقليدي والمتردد الذي يحظي ـ بتشجيع الادارة البريطانية ـ وأخذ يستولي علي الشارع في طرابلس الغرب؟ ويتصدي للحد من الحصار الذي يفرضه الانكليز علي (حزب الكتلة الوطنية الحرة) بزعامة الزعيم الوطني الراحل علي الفقيه حسن ! وكانت الكتلة الوطنية قد نجحت قبيل وصول لجنة التحقيق الدولية الرباعية في تعبئة الرأي العام وتكتيله حول خطها المتشدد في المطالبة بتحقيق الوحدة الوطنية الكاملة وفي أن يقرر شكل الحكم ونظامه (جمعية وطنية منتخبة) من طرف السكان علي أساس النسبة العددية لسكان أقاليم ليبيا الثلاثة، طرابلس وبرقة وفزان! ولهذه الجمعية المنتخبة انتخابا حرا مباشرا، وحدها ـ كما تطالب الكتلة ـ حق وضع الدستور الذي يحدد شكل الحكم وتقوم علي أسسه هياكل الدولة الجديدة المستقلة.

لم يكن (أبو جرد) صاحب هذا القلم الذي شد الانتباه وأخذ يثير الساحة ويؤثر في تياراتها السياسية سوي القاضي، الشيخ علي الديب ! الذي اضطرت جريدة (المرصاد) بعد ذلك الي التدخل للحد مما في قلمه من جرأة وصراحة وحدة، وما تعتبره الأوساط السياسية المحافظة في طرابلس، شططا وتطرفا، فاضطر (أبو جرد) للتوقف أولا، عن الكتابة في (المرصاد) ثم اضطر ـ ثانية ـ للاستقالة من عمله في القضاء والتوجه الي اصدار جريدته (الليبي) التي دشنت سنة 1952عهد الصحافة الوطنية الجريئة والمقاتلة وعصر الاقلام الصحافية الجيدة والأفكار الجديدة.

ولكن (الليبي) توقفت بعد سنتين فقط، عن الصدور المنتظم لأسباب مادية بحتة، وخسر الرجل موقعه في ساحة الصحافة ولكنه كسبه في ساحة أخري هي الساحة التشريعية حيث فاز علي الديب بالتزكية في دائرته (الحرشا) في أول انتخابات للمجلس التشريعي لولاية طرابلس، وفاز أيضا بانتخابه بعد ذلك لرئاسة هذا المجلس، ليقود من منبره معركته الحامية من أجل ترسيخ المشروعية الدستورية وقواعد الحكم الديمقراطي السليم.. دفاعا عن الدستور وسيادة القانون وحق الشعب في الرقابة القضائية علي حكامه وذلك من خلال موقفه وبعض من زملائه عند نقاش المجلس التشريعي لنصوص (القانون الأساسي للولاية) وهو بمثابة (الدستور) الذي ينظم السلطات التنفيذية ويحدد الاختصاصات ويضع الحدود ويؤمن في النهاية حقوق المواطنين ويؤمن لهم الاستقرار والعدالة.

وكان المجلس التشريعي قد توقف طويلا أمام الفصل الثالث، وبالتحديد تجاه (المادة 54) التي تحدد مركز الوالي ممثل الملك في الولاية والذي يباشر كافة السلطات والامتيازات الملكية التي يخولها له الملك، ويترأس في نفس الوقت المجلس التنفيذي أي (حكومة الولاية)!!
وكانت تلك المادة وكذلك المواد التي تليها في هذا الفصل تنص علي أن الوالي بكل تلك السلطات ليس مسؤولا أمام المجلس التشريعي ولا أمام أية جهة أخري! وهو ما رأي فيه الشيخ علي الديب وبعض من زملائه مخالفة صريحة لأسس أي نظام ديمقراطي حقيقي وسليم.

عند احتدام النقاش وانقسام أعضاء المجلس في الموقف من هذه القضية، تخلي علي الديب عن موقعه كرئيس للمجلس واتخذ مكانه بين الأعضاء ووقف يجادل زملاءه ويشرح القضية بصفته نائبا للشعب، ومن فهمه للدستور الذي قامت عليه المملكة، ولا يستقيم قيام الديمقراطية والشرعية الا علي أسسه.
قال علي الديب: ان الوالي لا يمثل الملك التمثيل الشخصي، وانما يمثله في تنفيذ الدستور والقوانين، شأنه في ذلك شأن رئيس الحكومة والوزراء، واذا كان رئيس الحكومة مسؤولا أمام مجلس الأمة وهو يحكم باسم الملك، فكيف لا يكون الوالي مسؤولا أمام المجلس التشريعي، وهو يمثل الملك في التنفيذ أيضا دون التمثيل الشخصي للذات الملكية .

واستشهد علي الديب برأي الفقيه الدستوري المصري، الأستاذ عبد الرزاق السنهوري الذي يقول : ان تمثيل الوالي للملك يتعلق بتنفيذ القوانين فقط ولا يرقي هذا التمثيل الي تمثيله شخصيا ! لأن التمثيل الشخصي للملك لا يقوم به الا نائبه عند غيابه عن ليبيا .

ويختم علي الديب خطابه الشهير أمام المجلس التشريعي والمطالبين بتجريد الوالي من سلطاته، بتساؤله الكبير قائلا : اننا ان جردنا الوالي من السلطات وأعفيناه من المسؤولية فما هي القيمة لمركزه اذن؟! وناشد الأعضاء أن يقرروا مسؤولية الوالي أمام المجلس التشريعي ليؤيد اذا أحسن.. ويحاسب.. اذا أساء؟ .
وعندما جري طرح الموضوع علي التصويت، كانت النتيجة هي الموافقة علي المادة الخاصة باقرار مسؤولية الوالي بالأغلبية.

الا أن رد السلطة المتمثلة بالطبع في الوالي وهو المرحوم الصديق المنتصر سرعان ما جاء علي لسان ناظر العدل الدكتور محيي الدين فكيني، من داخل المجلس، محذرا أعضاء المجلس من عواقب هذا الموقف ، ثم سعي الوالي من جهته الي استصدار (أمر ملكي) بحل المجلس !!

ولكن رئيس المجلس، علي الديب بادر علي الفور، الي اتخاذ الخطوة الثانية في موقفه العتيد من أجل استقامة الشرعية والانتصار للدستور وسيادة القانون وهي اللجوء للمحكمة العليا الاتحادية التي لم يكن قد مر علي تدشينها وافتتاحها رسميا من طرف الملك نفسه الا ثلاثة أشهر، ليرفع أمامها في الحادي والثلاثين من كانون الثاني (يناير) 1954، القضية رقم 1 الخاصة بالطعن في صحة ودستورية الأمر االملكي بحل المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب !

وفي نيسان (ابريل) من السنة ذاتها، كانت (المحكمة العليا) قد فرغت من النظر في القضية وأصدرت في اليوم الخامس منه، حكمها القاضي ببطلان الأمر الملكي الصادر في 19 ايار (مايو) 1954 بحل المجلس التشريعي لولاية طرابلس الغرب وبطلان ما ترتب عليه من آثار، مع الزام المدعي عليه بالمصروفات .

الا أن الوالي ورجالا في حاشية القصر، ورئيس الحكومة الاتحادية السيد مصطفي بن حليم، تمكنوا بعد سلسلة من المناورات والتآمر علي أسس الديمقراطية وحرمة الدستور.. تمكنوا من تعطيل تنفيذ هذا الحكم، ونجحوا في الالتفاف عليه ووضعوا بذلك السابقة الأولي في انتهاك الدستور، التي أحدثت ـ للأسف الشديد ـ أول شرخ في كيان الدولة الوطنية الجديدة.. في كيان المملكة الدستورية التي قامت في ليبـــيا المستقلة بقرار وجهد من الأمم المتحدة.. وقد أدي ذلك الشرخ الي بقية شروخ السلبيات التي نخرت كالسوس في كيان الدولة فيما بعد وسهلت لـ المتآمرين النفطيين الدوليين تنفيذ مؤامرة الاطاحة بالدستور والمملكة بعد ثمانية عشر عاما من قيامها، رغم كل ما تحقق في تلك المرحلة القصيرة للحكم الوطني، من منجزات عظمي علي مختلف المستويات وعلي رأسها الرخاء والاستقرار والتحضر والأمن وسيادة القانون.

ولتمرير جريمة انتهاك الدستور هذه أمام الرأي العام المحلي والخارجي فقد ترسمت السلطة الغبية في ولاية طرابلس، بتوجيهات وتشجيع حكومة الاتحاد، وقائع (مسلسل ما حدث في مصر اثراندلاع ازمة آذار ـ مارس 54) وصراع العسكر من حركة تموز (يوليو) ضد المنادين بالديمقراطية والمطالبين بعودة الدستور وعودة العساكر الي ثكناتهم وكان علي رأسهم رجال القانون و القضاة في مجلس الدولة الذي هو يساوي المحكمة العليا في ليبيا، وقد انتهت وقائع مسلسل الدكتاتورية باقدام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بتسيير مظاهرات الرعاع في شوارع القاهرة، لتأييد الثورة والانتقام من رجال القانون والقضاء بمهاجمة مجلس الدولة وقيام المتظاهرين بتحطيم المقر والاعتداء بالضرب علي رئيسه الدكتور عبد الرزاق السنهوري !.. وقد استلهمت السلطة التنفيذية في طرابلس ما حدث تماما في مصر وبادرت ـ هي الأخري ـ بحشد الآلاف من الرعاع وعمال الميناء ومصنع التبغ وعمال مصلحة الكهرباء، وغمرتهم بدراهم معدودة.. وسيرتهم في مظاهرات صاخبة تستنكر حكم المحكمة العليا وتندد بالقضاة وتهتف بغباء وجهالة بـسقوط العدالة !!

العودة للقضاء

بعد استتباب الأمر ونجاح الوالي في تعطيل حكم المحكمة العليا وتجميد تنفيذه، سكن هياج السلطة.. وعاد علي الديب الي ساحة القضاء ليعمل هذه المرة كمحام يصول ويجول في ساحات المحاكم، ذودا عن حياض العدالة التي طالب جماهيرالغوغاء بسقوطها.. ودفاعا عن قضايا الناس، وليثبت من خلال مرافعاته ومداخلاته أمام القضاة أن محاكم طرابلس لم تكن قد شهدت قبله، محاميا علي هذا القدر من الكفاءة وقوة المنطق ونصاعة الحجة وغزارة الاطلاع والتمكن من القانون والحرص علي اظهار حقوق موكليه واثبات براءتهم.

بعد مضي سنتين اثنتين.. تقدم علي الديب لترشيح نفسه في الانتخابات البرلمانية الثانية التي جرت في عهد حكومة السيد مصطفي بن حليم، سنة 1956، فبادر والي طرابلس، صديق رئيس الحكومة، السيد جمال باشاغا، بتوجيه الطعنة الأخري الي كيان المملكة الدستورية وصرح دولة الديمقراطية والمؤسسات التشريعية، وذلك بالاقدام علي اعتقال كل انصار علي الديب وأفراد أسرته في قرية (الحرشا) ومدينة الزاوية، فاضطر الرجل اشفاقا علي الشيوخ والعجائز والبسطاء من الذين شملهم الاعتقال التعسفي الذي نفذ بدون أمر من النيابة وحشدوا المعنيين به في مركز البوليس.. اضطر علي الديب، الي الانسحاب من الترشيح، كما طلبوا منه صراحة، وقال داخل مكتب رئيس الحكومة وأمام سكرتير مجلس الوزراء وواحد من أصدقاء السيد بن حليم وهو السيد محمد عبد الكافي السمين.. قال بصوته الجهوري المعروف بيتا من شعر عنترة ابن شداد، الذي خاطب به النعمان بن المنذر !
ان كنت تحسب يا نعمان أن يدي
قصيرة عنك، فالايام .. تنقلب

وبالفعل فقد انقلبت الايام بعد ذلك بسنتين، اذ عاد الشيخ علي الديب الي ترشيح نفسه ولكن هذه المرة، في عهد حكومة الرجل الطيب المرحوم عبد المجيد كعبار، وولاية الشيخ الفقيه، والعالم الجليل، عفيف اليد ونقي السريرة وطاهر القلب، الأستاذ الطاهر باكير. عندها فاز علي الديب، في دائرته للمرة الثانية بالتزكية، وبأغلبية الأصوات في انتخاب رئاسة المجلس التشريعي.

وفي عهد عبد المجيد كعبار والوالي، الشيخ الطاهر باكير ورفاقه من تلك المجموعة الطيبة: احمد عون سوف والأستاذ سلطان حلمي الخطابي والكاتب الأستاذ عبد السلام باش إمام، تمكن علي الديب المحامي من استئناف اصدار جريدته (الليبي) الذي عين مديرا لتحريرها الصحافي الشاب، المحسوب يومها علي اليسار والمفصول من عمله في ولاية فزان بقرار ولائي، والمدان بالسجن سنة بتهمة رأي.. الصحافي فاضل المسعودي، لتعود الصحيفة الي عنفوانها الوطني ولتقود بجرأة المرحلة الثانية من النضال الوطني التي تركـــــزت في المطالبة بالتخلص من المعاهدات الأجنبية، البريطانية والأمريكية ومجابهة النفوذ الأمريكـــي في ليبيا وبقية المنطقة والانتصار لحركة التحررالوطني والتصدي للدكتاتورية والدفاع عن الديمقراطية وتبني الحركة العمالية الليبية الجديدة والدعوة للسلم والتقدم.
الا أن المرحوم أبوبكر بو نعامة الذي خلف الأستاذ الطاهر باكير في ولاية طرابلس سرعان ما تضايق من قلم علي الديب ومما تكتبه وتنشره الليبي بشأن القضايا التي تثيرها، فانتهز افتتاحية الليبي عن ثورة العراق بعنوان (14 تموز ـ يوليو) وأوعز الي ادارة المطبوعات بوقف (الليبي) عن الصدور، وذلك في السابع من آب (أغسطس) 1960 بتهمة أن افتتاحية الليبي كانت تمجيدا صريحا للثورة ودعوة للاطاحة بالنظام الملكي !

في السجن

في تشرين الاول (اكتوبر) من نفس السنة (1960) أقال الملك ادريس المرحوم الشيخ أبو بكر نعامة، بسبب تجاوزات ارتكبها في ممارسة السلطة وعين بدلا منه، الوجيه الفاضل، المرحوم فاضل بن زكري، واليا علي طرابلس، فاقترح بن زكري علي الملك أن يتولي علي الديب، صاحب الليبي المعطلة رئاسة المجلس التنفيذي، أي رئاسة الحكومة الولائية! فقبل الملك ذلك.. وشغل علي الديب هذا المنصب ولكنه ما لبث أن استقال منه بعد فترة قصيرة ! وعاد الي ساحته في المجلس التشريعي لينتخبه الأعضاء من جديد رئيسا له وليكون ـ كما شاءت أقدار الوطن ـ أول وآخر رئيس لهذا المجلس بعد الغاء النظام الاتحادي في اذار (مارس) 1963 وحل المجالس التنفيذية والتشـــــريعية التي كانت للولايات، فعاد الرجل الي موقعه الثاني في مكتب المحاماة من جديد.
في صيف 1969 توجه علي الديب الي ايطاليا لتلقي قدر من العلاج، عندما بلغه نبأ الانقلاب العسكري الذي وقع في ليبيا! فأســــرع بالعودة الي طرابلس، وتوجه بعد الــــوصول وسماعه لحملة الاعتقالات التي نفذها الانقلابيون ضد كافة كبار البلاد ومسؤوليها.. توجه علي الـــفور الي مكتب قيادة الانقلابيين في معسكر باب العزيزية وقدم نفسه لمن تصادف وجوده ساعتها هناك، قائلا : أنا هو علي الديب.. هل تبحثون عنه وتريدون اعتقاله؟!
ودخل السجن ليلبث فيه بضع سنين، الي جانب بقية زملائه القدامي من أصدقائه وخصومه، من رجال ليبيا الكبار ومسؤوليها السابقين، كان الشيخ علي يؤمهم في الصلاة ويحدثهم بروح معنوية عالية داخل العنابر، عن الماضي الذي مضي، وعن الحاضرالذي يحل.. وعن المستقبل.. الذي لا بد أن يكون أياما أخر.. وعن الأيام التي يتداولها الزمن بين الناس.. كيف تسير، وكيف تنقلب ! وعن السنين الحبالي المثقلات، التي تلد كل عجيب.. وعن وقائع التاريخ الزاخرة بالعبر وحكايات الزمن، الحافلة بالحكمة، التي هي ضالة المؤمن والتي لا ينبغي أن يفوت عاقل ادراكها. وعندما يلاحظ الشيخ علي، أن عيونهم شاخصة والدهشة الغبية تتمدد علي قسمات وجودهم، يبتسم الرجل بسخرية ويردد أمامهم مقولة رهين المحبسين، أبو العلاء المعري:
وهكذا كان كل الناس مذ فطروا
فلا يظن جهول أنهم حادوا؟
وخرج علي الديب من السجن.. ومثل أمام محكمة بشير هوادي دون أن تجد المحكمة ما توجهه اليه من تهم، واكتفت ببعض ما ورد علي لسانه في شهاداته من أقوال !

العودة للبيت

خرج علي الديب ليجد أن داره قد سطا عليها العسكر فلجأ للاقامة سنوات في منزل صهره، والبقاء أحيانا في (مكتبه) حيث يدرس القضايا الجديدة، أو يقرأ الكتب ويتغني باشعار أحمد شوقي.. عاد ليشغل نفسه بقضايا الناس الصغيرة ويمارس المحاماة ويستعين في حضور جلساتها بتلاميذه من المحامين الشبان الجدد.
وتشاء الصدف أن ينتبه الرجل الصالح القديم الذي أبقوا عليه بعد الانقــــلاب، مدير المباحث، الحاج محمد الغزالي !! ويعلم أن آخر مغتصبي منزل الأستاذ علي الديب وهو مفتاح الزاضمة (شقيق عبد السلام الزاضمة) يعرض المنزل المغتصب للبيع، فيسرع الحاج محمد الغزالي اليه ويرجوه أن يبيع المنزل بالثمن الذي يريد ولكن لمالكه الأصلي ! فقبل المغتصب ذلك مشكورا، وباعه الي صاحبه.. بل الي مالكه الأصلي بمئة وعشرين الف جنيه ! وعاد الرجل مرة أخري الي داره ولزمها حتي أواخر أيام حياته.

وفي هذه الدار، حاول الرجل أن يشغل نفسه بتقليب ما عثر عليه من أوراقه القديمة وما وجده لدي بعض الأصدقاء من رسائل ومقالات أدبية كان قد نشرها في الصحف والمجلات الليبية !
كان علي الديب يعيش معظم أيامه في مكتبه بطرابلس حيث خصص غرفة منه لنومه وقراءاته الخاصة، وفي هذه الغرفة كان يختلي بنفسه ويفكر ويقرأ ويعد أيضا ما يحتاج اليه من طعام وهو عبارة عن صحن من الزميتة الذي يحرص علي احضارها من داره بالحرشا، والحفاظ بها مع قنينة من زيت الزيتون النقي ! وكان يضع في الغرفة كل ما يتجمع لديه من أوراق.. ووثائق وأصول لمقالات سبق نشرها أو مشاريع مقالات لم تنشر.. ورسائل شخصية ومذكرات وقصائد شعرية كان ينظمها كلما اشتدت به أحواله النفسية الي قول الشعر.. وله مجموعة من روائع النصوص الأدبية التي نشرت في زاويته التي كان ينشرها في الليبي بعنوان (المرآة) ومقالات سياسية قيمة نشرت تباعا في المرصاد وفي الليبي وجريدة طرابلس، ولعلي الديب الشاعر، قصائد من عيون الشعر، نشر بعضها في بداياته وألقي بعضها الآخر في مناسبات سابقة، وظل الكثير منها حبيس الادراج، الا أن معظم ما كان بالمكتب قد أتلف، ولم يعثر له الرجل علي أثر بعد خروجه من السجن! وقد دوهم المكتب بعد ذلك واستولوا عليه ! كان المكتب في العمارة التي بها مقر بنك روما (مصرف الأمة حاليا ) يطل علي ميدان الشهداء من جانب ويشرف من جانب آخر علي جادة عمر المختار! وكان المداهمون قد عبثوا بمحتوياته من ملفات قضايا الناس ووثائقهم، الي غير ذلك مما وجدوه فيه من كتب قانونية ومجلدات علمية ومخطوطات قيمة ورسائل ومذكرات وأوراق خاصة وصور!!

لقاء مع الشيخ

عندما التقيت بالشيخ علي، بعد سنين من وقوع الكارثة، ذكرته بمقالاته القيمة وقصائده الشعرية وما بقي في الذاكرة من أقواله، التي نشرت والتي لم تنشر، وبالخطب التي كان قد ارتجلها في مناسبات وطنية ليبية وفي المؤتمرات الدولية التي شارك فيها ومنها خطبته التي أبهرت المحامين العرب ومثقفيهم في مؤتمر المحامين الذي التأم في بغداد بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958.. وحدثته عن أهمية جمع ما صدر من (الليبي) في مجلدات باعتبارها وثائق تسجل وقائع تلك المرحلة التي شهدت اعلان الاستقلال، وعاصرت المرحلة اللاحقة من بناء الدولة الليبية وقيام الحكم الوطني، وهي أيضا (نصوص قيمة ) بمثابة شهادات وثائقية لكتابها، علي ذلك العصر. واقترحت عليه أن يجمع في كتاب، كل ما دبجه قلمه المبدع في زاويته الاسبوعية الشهيرة (المرآة) ، وسيكتشف أنها نصوص أدبية رائعة تستحق البقاء وعمل صحافي ناجح ووثائقي مهم.

ولكن الرجل الذي أخذ الزمن في النيل من معنوياته ومن صحته، كان يسمعني باهتمام، ويتأملني بنظرات فاحصة فيها حزن عميق وسخرية مرة، وكأنه يريد أن يقول لي من خلالها : أية قيمة يا هذا، وأي أهمية لكل ما كتب وما قيل.

وتذكرت، قبل أن يكتسحني طوفان أحزانه، أن للرجل خمسة عشر من البنين والبنات، كلهم علي مستوي عال من العلم والثقافة والكفاءة، بينهم القاضي والمستشارالقانوني والمحامي اللامع والمهندس الكفؤ والطبيب المبرز والمذيع الناجح، وجميعهم ذوو اهتمامات بالشؤون العامة والثقافة وقضايا الانسان، وواحد من أصهاره هو الأديب الكبير يوسف الشريف.. وأتساءل بيني وبين نفسي: ألا يوجد من بين هؤلاء الرجال والنساء، من يبر بهذا الشيخ الجليل، ويبادر بالعمل علي حفظ تراثه ووثائق تاريخه، وهو تاريخ مشرف وعظيم، حافل بالنضال والابداع والمواقف الشجاعة.. وقراع الخطوب والعمل من اجل الوطن؟؟
علي الديب الذي عرفته جيدا، لم يفته وقت صلاة واحدة لم يؤدها في حينه، وهو مؤمن صالح عميق الايمان شديد التدين، حامل لكتاب الله، فقيه في أصول الدين ولكنه عالم مستنير ومثقف تقدمي، لم يقبل بالتزمت ولا بالجمود ولا التعصب، ولم يعاد الفكر أو يتردد في استعمال العقل أو يخشي الحوار.. وفي (الصالون الأدبي) الذي كان يقيمه الوجيه المرحوم فاضل بن زكري، طوال حياته، في غرفة متواضعة بفندق حسان، بسوق الموشير.. في تلك الغرفة التي كانت تجمع رغم محدودية مساحتها وبساطة أثاثها، نخبة أهل المدينة من الأساتدة والعلماء والأعيان والتجار، بينهم مفتي ليبيا الشيخ عبد الرحمن القلهود، والأستاذ العالم، الشيخ الطاهر باكير والشيخ عبد السلام خليل ونوري فرحات وغيرهم ممن يتجمعون للهدرزة ومتابعة أخبار الدنيا والوطن، والنقاش العلمي.. ولعب (الكارطة) أيضا.. في هذه الغرفة، حضرت ذات مرة جدالا حادا وطويلا امتد حتي منتصف الليل بين مفتي ليبيا الشيخ عبد الرحمن القلهود وبين الشيخ علي الديب حول زي المرأة واشكالية الحجاب! وفيه سمعت الشيخ علي يثبت بالنص القرآني وأحاديث الرسول وروايات الفقهاء، أن هذا الحجاب المعني لدي الكثير من فقهاء العمائم والذي ينادون بفرضه علي النساء المسلمات ويدافعون علي صحته من خلال تفاسيرهم المسطحة للنصوص، انما هو باطل وغير صحيح !!
واستشهد الأستاذ علي الديب بمقولة شيخ الأزهر، الامام المصلح المجدد، محمد عبده قبل وفاته (1905) عندما دعا إلي تحرير المرأة من غياهب الحريم، ومنحها موقعاً مكافئاً في الحياة الاجتماعية يتناسب مع حقوقها الإنسانية وقدراتها في بناء الحياة، وهو ما تبناه تلميذه قاسم أمين، رائد حركة تحرر المرأة في مصر والبلاد الاسلامية. ثم ختم علي الديب نقاشه بـ بيت الشعر المشهور للامام محمد عبده الذي يقول:
علي أن دينًا قد أردت صلاحه
أحاذر أن تقضي عليه العمائم!

رجل شجاع وكريم

علي الديب قبل ذلك وبعده رجل شجاع وكريم ووفي وذو مروءة، وبقدر ما بلغه الرجل من مراكز في السلطة وما حققه من صيت واحترام فهو شديد التواضع عظيم الثقة في نفسه معتز بأصوله الليبية.. صادق الانتماء للأرض التي سقط رأسه عليها عند الولادة، والتي احتضنت طفولته وصباه، وبدأ مشوار عمره من ترابها، يغرس الأشجار ويسقي الزرع ويعتني بالازهار ويمشي بين ظلال نخيلها الباسق، مرفوع الهامة برأس لا تعرف الانحناء ولا التراجع كلما دعاه ولاؤه العميق لهذه الأرض الي اتخاد الموقف ومجابهة الأخطار والانحياز للوطن.. انه لم يكن أبدا ولن يكون علي شاكلة أولئك الوافدين .. الذين تسببت ظروف نشأتهم خارج الوطن في شرخ الانتماء وضعف الولاء، فلم يكن لديهم ولاء الا لمن في يده سلطة أو في جيبه مال!؟
كان الشيخ علي الديب، أكثر فطنة وأوفر شعورا بالكرامة والشجاعة من أولئك الشخوص الذين يدعون العلم وينتحلون الثقافة ويحسبون أنفسهم أدباء وشعراء وقصاصين وروائيين ومبدعين ثم يتساقطون كالذباب علي موائد السلطان.
وعندما أسائل المعلم، والصديق، والأستاذ الذي اغترفت من ينابيع علمه وحكمته الكثير، وأنزف الآن حزنا علي فراقه: يجيبني الطود الشامخ بنبراته الحزينة : اسمع يا ولدي، لقد قالها حكيم في وجه طاغية ذات يوم: كثيرا ما يكون الصمت أكثر شجاعة. ثم يعود الشيخ، الي الكتاب الذي ظل يحمله ويحفظه في صدره، طول حياته، ويردد : أجل، يا ولدي… لقد وقعت الواقعة وليس لها من دون الله كاشفة .
تلك هي باقتضاب لمحات قصيرة من حياة هذا الرجل العظيم، وهي حياة حافلة بالأحداث الجسام، مثقلة بالتجارب الواسعة مثيرة للاعجاب والأسي والتأمل.. زاخرة بالمواعظ والعبر.. والأمل.
رحم الله علي الديب، وأكرم مثواه.. ورحم الاله الرحيم بقية رفاقه وزملائه من رجال ليبيا الافذاد ورموزها الكبار، الفرسان والنبلاء، الذين داهمتهم المؤامرة النفطية وانتقم منهم تخلف العصور واجتاحتهم عاصفة جراد الصحراء..
رحم الله ليبيا وقيض لها من يعيد لها بهاءها، ومجدها ودولتها، ويحفظ لها مقامها الرفيع في التاريخ.

____________________________________-

من ارشيف صفحة “وجوه طرابلسية”.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى