“الشلطامي”… الشاعرُ القُربان

حسام الدين الثني

الشاعر محمد الشلطامي

الشاعر محمد الشلطامي

“لن أستجدي العفوَ الـمُخْجِلَ من أجلكما
فاليُتمُ جميلٌ
كنتُ يتيمًا قَبْلَــكما”
…….
(محمد الشلطامي(1).. رسالة إلى الأطفال(2)) 1976.

في هذا الموقف يرتضي “الشلطامي” دورَ الأب القربان الذي يضحي بنفسه من أجل كرامة أطفاله الـمُفتَرضين، وهو الضدّ لموقف الحطيئة اللاجئ إلى حيلة: “ماذا تقولُ لأفْراخٍ بذي مَرَخٍ”.. يدفع الشلطامي رأسَه للجلّاد ليمتدّ الظلّ. يَصلُبُ فيه (الإنسانَ/ الإلهَ) ليعبق الزيتون والقَرنفل لمن هم بعده: “حتى إذا امتدّت أغصاني فوق القبرِ… وجدتم ظلًّا”. خاطب أطفاله وهو يعلم أن “لا ماء” لديهم ولا “شجر”، مبررًا نظرته الشخصية إلى التضحية:
“لا أعلمُ،
لو لم أقبل موتي
في أي مكانٍ أو دهر
سوف أُخبئُ وجهي منكم”(3)

يفتَرِضُ الشلطامي أنه إن لم يُقتل سيغدو قاتلا.. إن لم يصبح الضحية لا بد أن يصير الجلادَ:
“أين أخبئ وجهي منكم
ساعة تكتشفون بأنّي كنتُ الجاني
كنت القاتل والمقتول”

يرتبط هذا المبدأ السامي بموقفٍ آخر في نصِّه (أحزان ديوجين(4)) 1968 يصوِّر فيه مشهدَ الإله الطيّب الذي يدخل الحانة. ذاك المتسامحِ مع أشد أنواع الآخر كُفرا به يبدو – لسببٍ ما – حزينًا. لكنّه حين يسلّم على الروّاد يمدُّ ذراعيه حتى لمن هم على خلافٍ معه:
“هو الله لما أتى يا مدينهْ
إليك من الكوكب المعتم
حزينًا يمد إلينا يمينه
يمد ذراعيه للملحدين
على كل بار، وفي كل حانه”
….
ويمتد الموقف الأول ليشمل لاحقًا محاولةَ فهم دوافع الآخر والتماس العذر له. وبين موقف الـمُضحّي من أجل أطفاله، وموقف المتسامح مع الآخر المختلف إلى درجة الإلغاء؛ يظهر الشلطامي منسجمًا مع فكرة الحياد رافضًا الانزياح عن موقعه الإنسانيِّ الطَّبَعيّ المنتصر للضحيّة على الجلّاد. إنه لا يتوجه إلى موضوع (الآخر) مباشرة ليسجّل موقفه منه، إنما يعمِد إلى تعطيلٍ مؤقت لهذا الفعل ليرجع الشاعرُ إلى معاييره القيمية ويضعها هي أيضا موضع سؤال، فصورة الإله الطيب مثلًا، يمكن أيضا قبولها في سياق إله السلطة المتسامح مع مُعارضِهِ رغم تعقيد العَلاقة بينهما. ويمكن ربط هذا بما يشاع أن أحد سجاني الشلطامي كان مُعجبًا به إلى حد كبير وينظر إلى شخص الشلطامي باحترام وإجلال في أوقات الفراغ بين حصص التعذيب. إن تجسيد هذا التعقيد إن صَحَّ يفيد بأن الشاعر على ما يبدو قد شكّكَ في نظرته إلى شيطانية خصمه، ما جعله يتفادى الوقوع في فخّ شخصنة قضية الـجَلْد، وهو المشكل الذي يطارد عموم الشعراء المناضلين ويجعلهم عُرضةً لتسجيل مواقفهم من موقع الضحية المتحاملة على الجلاد. إن الشلطامي من جهة يحاول فهم طبيعةِ تفكير الجلاد ودوافعِهِ مرتكزًا على (منهج الحق(5)). لكنه من جهة أخرى لا يقف على مسافة واحدة من الضحية والجلاد. ينكشفُ ذا عند موقفه من عدالة السيَّاف ونزاهته الذي كان سببا آخر في رفض طلب العفو: “وأعلمُ أنْ لا عمر بن الخطَّاب أقابلُ… في السِّجن الحربيِّ”. وذا الموقف قديم يظهر في قصيدته (أبيات حزينة(6)) 1964: “العدل عاش، وظلَّ تحت الشمس… تأكله الإهانة”. ونجده أيضًا في (يوميات تجربة شخصية(7)) 1967: “فالتقرير قد أوحى به الرحمان للمُخْبِر”.
أما في قوله:
“وسيّدي مسرور يحمل
في يديه عصا،
من (الزيتون) تستحق أرجل السجناء،”
فنرى من الفعل (تستحق) أن الشاعرَ الشامتَ بنفسِهِ يتحدثُ من وجهة نظر هارون الرشيد الخليفةِ المفترض أنه يحمل في يديه (رمزَ السلام) بعد أن يجيء بالسياف و”النطع الملطخ بالفضيحة والدماء”. ثم يلتمس له شيئًا من العذر الساخر “لأن من قتلته كفَّاه الرهيبة خائنٌ، ولأنّ كلَّ مواطنٍ مشبوه” هذا دون أن ينسى تعاطفه مع المجنيّ عليه الذي “…يحمل نعشَه المتواضعَ الأخشاب”. اللافتُ أنه وسَمَ هذه القصيدة باسم (الإخوة الأعداء(8)) 1968، وأهدى النص إلى صاحب “زوربا اليوناني” (نيكوس كازانتزاكيس) مؤلف رواية “الإخوة الأعداء”. فيما يبدو استحضارًا للغة كازانتزاكيس المتسامحة مع الآخر وموقفِهِ العادل المناهض للظلم.

لطالما كان شعر الشلطامي متّسقًا بحياته المتمردة الخارجة عن طاعة السجن والتعذيب. إنه الشاعر الذي قابل الموت بصدر رحب. وهو ذاته الشاعر الذي أضرب عن الموت حين فهم أنّ الموت المعنوي في الانكسار: “لكنّما أنا لن أموت”(9). أما الموت البيولوجي فلم يكن يرهبه، بل عدَّهُ طقسًا نبيلًا حين يُقرن بالتضحية:
“إنما الروعة أن
تركض نحو الموت مرفوع الجبين”
….
(حوار(10)) 1970.

“أتحكي العنادلُ والقبَّرات
حكايا تقول بأن المدينهْ
على بابها انتحر الله مرَّهْ؟
فلوَّن من دمه كل دار، وكل خميلهْ”
…..
(كتابة على باب الزنزانة رقم 6 (11)) 1968.
.
ولا يفوتنا الانتباه إلى الدلالة الروحية للرقم 6 التي تشير إلى الجسدِ حسبَ ترتيب إخوان الصفاء لمراتب الوجود. ولا بد أن تكون فكرة تحرير الروح من سجن الجسد نحو المطلق بمجابهة الموت مطروحة للنقاش بشجاعة، بوظيفتها اللُّغوية الصريحة، حينما يتعلق الأمر بشاعر ليس لديه ما يخسر، شاعر ولد على الرصيف ويتكئ على آخر جدران الزنزانة المظلمة يغمس حروفه في الوجع وخريف الحزن: “الليل فجري… والظلام رفيق ميلادي، وفكري،”. (دعاء(12)). 1. 1. 1963. لقد انتهى الأمر بالشلطامي – بعد عقود – بأن أضرب عن الحياة (صِدقًا) في شِعرية مخيفة قلّما تتكرّر. حين وضع يده على قلبه العليل: “هذا القلب ما عاد يحتمل.. انتهى الأمر!” ورفض الذهاب إلى الطبيب على خطورة وضعه الصحي لأنّه “لم يعد يرغب في الحياة” كما صرّح شخصيّا للأديبين “زياد علي” و”رشاد أبو شاور” اللذين عجزا عن إقناعه بالعدول عن فكرته المرعبة(13)..

لقد وضع الشلطامي أطفاله أمام واقع أليم حين قبل موته.. لكنه في المقابل سلّحهم بنظرة مغايرة إلى حقيقة اليتم. رسالته إلى أطفاله تصل أوجَ الخطابِ الحميم حين يقول:
“ربَّاني اليُـتْــمُ
علَّمني كيف أُقاوم حزني الأسود
أكبر كالشَّجر البرِّيِّ
أمُدُّ جذوري تحت الأرض لكي،
أمتصّ حياتي،
أعرف طعمَ العسلِ الذائب، في ثمر الحنظلْ
فاليُــتْمُ أبي
علَّمني كيف أقول لضوءِ الشمس الرَّائعِ
يا أبتاهْ
وأكبر كالشَّجرِ البريِّ بدونِ أناهْ”

…………………………………………
هوامش:
1. محمد فرحات الشلطامي: شاعر ليبي 1944 – 2010.
2. ديوان (نص مسرحي من طرف واحد.)
3. رسالة إلى الأطفال 1976. ديوان (نص مسرحي من طرف واحد).
4. ديوان (أنشودة الحزن العميق).
5. ينظر: مقال “صعود”.. للصادق النيهوم 1971، طرق مغطاة بالثلج. تحقيق سالم الكبتي.
6. ديوان (يوميات تجربة شخصية).
7. ديوان (منشورات ضد السلطة).
8. ديوان (أناشيد عن الموت والحب والحرية).
9. بطاقة 1967. ديوان (تذاكر إلى الجحيم).
10. ديوان (تذاكر إلى الجحيم).
11. ديوان (أنشودة الحزن العميق).
12. ديوان (يوميات تجربة شخصية).
13. يُنْظر مقال “الشاعر الليبي الذي أضرب عن الحياة احتجاجًا”.. لرشاد أبو شاور. القدس العربي، العدد6762 . مارس 2011.

نشر بموقع 218

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى