في وداع الأستاذ عبد الله شرف الدين

المحامي عبدالله شرف الدين عن موقع ليبيا المستقبل.

المحامي عبدالله شرف الدين
عن موقع ليبيا المستقبل.

أدركت المنية في المهجر المصري المحامي الكبير و القومي الشهير الأستاذ عبد الله شرف الدين، عن أربعة و تسعين سنةً من العمر، أنفق أكثر من ثلثيها في العمل العام، إذ بدأ مشواره العملي في منتصف خمسينيات القرن الماضي، عقب رحلة دراسية لم تدم كثيراً عندما يمم وجهه عقب قيام دولة الإستقلال شطر أراضي مصر جامعاً بين التحصيل العلمي و تلمّس النشاط السياسي، بوصفه أحد شباب تلك الأيام الذين لم تُرض طموحهم الدولة الوليدة التي حتّمت إحتياجاتها القبول ببعض التنازلات مما رآى فيه أمثال شرف الدين ضرباً من التفريط و ربما بالغ فوصَفَ الموقف بما يدخل في دائرة الخيانة، الأمر الذي دفع سلطات ولاية طرابلس إلى التلكؤ في التصريح لذلك الشاب العائد بمؤهله الجامعي من كلية الحقوق المصرية كي يمارس المهنة التي حددها في المحاماة، لولا أن توفرت الثغرة في النظام الإتحادي الذي وفّرَ لسلطات ولاية فزان الإختصاص الذي استثمره رئيس مجلسها التنفيذي سيف النصر عبد الجليل في الحدب عل عدد من تِلْكم الشباب وهم يعودون إلى الوطن فأوجد لمعظمهم الفرص التي تتلاءم مع مؤهلاتهم و هواياتهم و من بينهم عبد الله شرف الدين الذي رُخِّصَ له بمزاولة مهنة المحاماة، و يومئذ ارتفعت في أشهر شوارع مدينة طرابلس لافتة كُتِبَ عليها اسم المحامي عبد الله شرف الدين، فضلاً عن إعلان بارز في صحيفة فزان التي كانت أبرز المنابر الثقافية الجديدة يحمل اسم عبد الله شرف الدين، و تتحدث أخبار جلسات المدينة و مقاهيها الشهيرة أن عبد الله شرف الدين المحامي الجديد يرفض الترافع عن الشركات التي تُخاصم العمِّال المطالبين بحقوقهم من ظلم تلك الشركات و التي طالما اصطدمت مع الاتحاد العام لنقابات العمَّال المُناوئ للسلطة و المدعوم من أمثال شرف الدين، و لمَّا كانت الهيئة التشريعية الثانية لولاية طرابلس قد أكملت مدتها، و تقرر إجراء الانتخابات الرامية إلى انبعاث الهيئة الثالثة، و لوجود مجلس تنفيذي للولاية المذكورة اِتّسَمَ بالحياد أقدم عبد الله شرف الدين ضمن من أقدم على خوض المعركة الانتخابية فكان ضمن الفائزين بالعضوية ضمن كوكبة من الاسماء شملت بين الانتخاب و التعيين من كانوا مثالاً للنشاط و الحرص على إثارة عديد القضايا و مشاريع القوانين و طلبات النقاش و الأسئلة و الاستجوابات، منها ما كان ضمن اختصاص الولاية و صدر بشأنها ما أمكن من القرارات و منها ما أُحِيل إلى سلطات الاتحاد، أذكر من ضمن الاسماء الهاشمي بوخلال، عبد الله الإدريسي و عبد الله الزوَّام و محمد مصطفى عراب و الميساوي علي و رمضان ميزران إلى جانب إعادة انتخاب أمثال الطاهر العقبي و علي الديب و مخزوم حموده و عبد الله بوسنينة و محمد بوراوي و قد كان إسهامه ملحوظاً في لجنة التشريع و العدل و كذا التي تُشكَّل لبعض القضايا المحددة كرأس المال الأجنبي و غير ذلك كثير، و كان شرف الدين إلى جانب الحاج رمضان ميزران يتصفان بالعزوف عن أي إنحياز للكتل المتصارعة و التي كثيراً ما تكون لها امتداداتها نحو مراكز القوى، و قد تقدم في تلك الأيام بطلب إصدار صحيفة خاصة شهدت له المطبوعات باستيفاء شروطه فلجأ لقضاء الذي حكم له بإصدار صحيفة الأيام، حُكم نفذته حكومة الدكتور فكيني و وزير الأنباء فيها الأستاذ عبد اللطيف الشويرف، و قد تمثّلت في صحيفة الأيام التي لم يدم عمرها طويلاً لعدم وجود الوقت الكافي لدى شرف الدين. و قد شمله في تلك الفترة الإعتقال الذي طال ناشطي حزب البعث العربي الاشتراكي الذين تمّت محاكمتهم في طرابلس في أوائل الستينات، أما في زمن الفاتح من سبتمبر عندما ترأس الرجل نقابة المحامين و دخل بحكم صفته مؤتمر الشعب العام، فقد دعى من موقعه إلى إصدار دستور للبلاد، مما جعله يُقتاد عِنوة و يُشبَع ضرباً على أقدامه كأي شقي من الأشقياء، و يُدعَى في وقتٍ لاحق و يُسْمَع استهجان مثل هذا التصرّف، ليبدأ اقتناعه بوجوب مغادرة البلد،و هو ما تم في الأسبوع الأخير من فبراير 1980، في تسلل أتقن إحكامه و أفسد خطط المتربصين به، حيث اتخذ من القاهرة مقرّاً له، حتى السنوات الأخيرة من عمر النظام السابق، عندما اضطرته ضغوط الغربة و أحكام السن إلى العودة، ضمن سياسة شملت الكثير من نظرائه، ممن اكتفوا في معارضة العهد بهجر البلاد و حصر نشاطهم في بعض الهيئات التي ارتادوها بحكم المهنة في المقام الأول و دخلت معهم السلطات في التفاوض حول ما خسروا من أملاكهم بالتعويض أو الترجيع، و على الرغم من أنني قد تعرفت على الرجل بالمجلس التشريعي لولاية طرابلس الذي بدأتُ رحلتي العملية به في منتصف خمسينيات القرن الماضي، و بالتحديد في قسميّْ اللجان ثم المحاضر بما يدخل في مشمولتيها من إعداد التقارير و صوغ الأسئلة و الإستجوابات للأعضاء، إلا أن صلتي الوثيقة به و بالأحرى تعمقها و جمعها بين الرسمي و الحميمي هي تلك التي كان زمنها في أوائل و منتصف السبعينيات، و كان مكانها منزل الصديق المشترك الأستاذ عبد الحميد البكوش، و يغشاها الكثير من أعيان المدينة و كبار مختصيها من أمثال يوسف الشريف و محمد أحمد الزوي و البشير بن كورة و المستشرق الأسباني الجار الأدنى لعبد الحميد و عبد المجيد الميِّت و محمود كاره و جمعة عتيقة و الشيخ الزروق و معمر شوبار و محمد المسلاتي و محمود المقهور و مصطفى العالم و المنير الطاهر و الرمَّاح الجرد و ناصر عبد السميع و حلمي الشويخ و آخرين ممن لا تحضرني أسماؤهم. عندما بدأ النشاط السياسي المعادي بالخارج إثر فرار السيد عمر المحيشي، ففي تلك الأيام تبادلنا الكثير من الآراء و راجعنا عديد الأمور و تأكدتُ من رفضه القيام بمهمة المُدّعي العام التي عُرِضَت عليه من نظام الفاتح و أنه لم يُخف استهجانه لأن يُقدِم العهد على المحاكمات الشبيهة لمحاكمات المهداوي كما عبّر. هي لقاءات خففت الكثير مما بدأنا نستشعره من مخاطر ما لبثت أن تأكدت بتفرّق ذلك الشمل، و الحق أنني لم أفرح كثيراً بعودته قبل سقوط النظام إذ كنت أتمنى لو استطاع أن يصمد، بيد أنني لم أُظهر ذلك أو لكل ظروفه، و قد ضمنا بعد هذا التاريخ عدد من اللقاءات التي انتظمت عقب فبراير في أكثر من تجمّع بالمدينة في معرض تدبُّر ما حدث و التشاور حول إمكانية المشاركة، و ذلك قبل أن ينعقد إجماعنا على استحالة ذلك، و قد تزامن هذا الوضع الأخير مع تقدّم الأستاذ في السن و إحساسه بالمرض و الذي طال ضمن من طال زوجه فكان أن رجع من حيث أتى و اتخذ من القاهرة مقرّاً له، و كان لكل من بقى بيته، إلى أن تلقينا نعيه رحمه الله، فتعين أن نحاول استعادة كل هذه الذكريات لتجاوزها الخاص إلى العام، و لكونها تدخل في عداد ما اتسع له تاريخ البلد و مواقف رجاله الذين يتصدر قوائم اسمائهم هذاالرجل بكل اطئمنان و قديماً قال شاعرنا شوقي:

“خلد لنفسك قبل موتك ذكرها*** فالذكر للإنسان عمر ثان”.

 
عبدالله شرف الدين، ولد في طرابلس 1924، وتوفى في القاهرة في 26 مارس الجاري.

عن أمين مازن

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى