أسئلة القلق الشعري فـي «صمت البنفسج» لعائشة إدريس المغربي

أحمد الدمناتي

(شاعر وناقد من المغرب)

صمت البنفسج للشاعرة عائشة المغربي.

صمت البنفسج للشاعرة عائشة المغربي.

العنوان الملتبس بخطيئة المتعة:

للسفر في العنوان هيبة الرائي للنجاة من فخاخ المكائد المنصوبة بين الكلمات وفي المعنى أيضا.فالصمت إما ينتج عن تأمل أو هدوء وتفكير، أو قهر وظلم وعذاب. بين الغياب والألم تؤسس القصيدة سيرتها المبتهجة بنداء الذات. لكن حين يصمت البنفسج تغيب الحياة وتدخل الكائنات في فناء مبكر، وشيخوخة وموت وزوال. «صمت البنفسج» يحيل على غياب الولادة والخصوبة والنماء والتجدد. دخول في عالم مبهم، أسود، قاتم. ومن يمنحنا الورد إذا صمت البنفسج خلسة دون سابق إشعار؟
وللبنفسج بعد أسطوري في تاريخ الميثولوجيات القديمة حيث تروي أسطورة إنجليزية أن ملك الثلج شعر بالوحدة في قصره الجليدي، حيث كل شيء صامت وجامد، فبعث جنوده للبحث عن فتاة جميلة تدخل الدفء والسعادة إلى قلبه، وجد الجنود فتاة خجولة اسمها فيوليت (البنفسج)، أحضروها له، فوقع في حبها فورا وتحول بفعل تأثيرها من رجل قاس القلب وعبوس، إلى رجل دافئ ولطيف، وقد رجته فيوليت مرة للذهاب لزيارة أهلها، فسمح لها أن تقوم بهذه الزيارة في الربيع شرط أن تكون على شكل زهرة، ثم تعود إليه في الشتاء، وهكذا تحولت الصبية إلى زهرة حملت اسمها.

الإهداء، من قُوة الرّمز لشُرفة الآخر

كيف يحمل الإهداء عُمقا رمزيا قبل إنتاجه، وبعد وضعه في بداية العمل الشعري كنص مُواز له حمولته الدلالية التي تسكنها أسرار متعددة وغنية وقابلة للمساءلة والمصاحبة، إن نص الإهداء متشابك جدا مثل غابة ألغاز يجب اختراق عتمتها وصمتها أيضا.للإهداء حياة سرية خاصة تمنح للمُهدي إليه بعد تفكير ملي، أو في لحظة ذكرى تُروض الذكريات القديمة وتُشعل الحنين في برج المخيلة.

(إلى الذين يشبهون البنفسج في صمتهم وبوحهم)، إنه الإهداء الذي تصدّر المجموعة الشعرية وكأن الذات الشاعرة تهدي عملها الشعري للذين يشبهون البنفسج باعتباره رامزا للتحول والخصوبة والتجدد خصوصا في لحظات صمتهم وهدوئهم وتأملهم، أو في فترات بوحهم بالأسرار الدفينة الموجودة في أعماقهم. التقاء الصمت مع البوح يجعل الكائن الإنساني والشعري معا متصالحا مع ماضيه وزمنه الإبداعي وذكرياته وذاكراته وطفولته.

سؤال القصيدة، إذا اتسعت العزلة ضاقت الرؤيا

كيف تسكن الذات الشاعرة جسد القصيدة باللغة؟من يتغذى من الآخر؟ الكائن الشعري بحدسه المتجه نحو المستقبل والآتي والمجهول والملتبس والمُلغز والمحُير أيضا، أم القصيدة تستعير طفولة حياتها من لغة الشاعرة؟
الشاعرة عائشة إدريس المغربي تقوم بقلب المعادلة، وتصبح القصيدة التي كانت خيمة جميع الشعراء الكونيين منذ امرئ القيس إلى إليوت مرورا بنازك الملائكة ومحمود درويش، تضيق هذه القصيدة إذا اتسع القلق وداهمها البياض الذي يفتك بالنص والجسد وحرارة القصيدة معا.

تقول الشاعرة قي قصيدة (جسد القصيدة):
القصيدة ضيقة
ولا تتسع لنا
سرقوا دفاتري
قلمي
ونثروا علاماتهم فيما تبقى
من بياض السطور
ومساحة القصيدة
ولم يبقوا
حتى هامشي الصغير
سرقوا
الليل الذي يمنحني الحلم والوهم
والنجوم التي تهدهد غفوتي
في المساء
السحابات الحبلى بالمطر
الريح التي تعزف مجيئنا
العصافير وأغاني الصغار
جدائل الشمس
ألوان أمي
عطرها وحبات عقدها
التي انفرطت من بين أصابعي
وكل النهار

تضيق القصيدة في خريطتها الرمزية، ويصبح جسدها المفتوح على كل احتمالات الغبطة والمتعة والتطهير رافضا لحضور الذات الشاعرة في مغاراتها وعتباتها. فسرقة الدفاتر/ أرشيف الأحلام والذكريات يُعمِّق من قلقها- أي الشاعرة-، خصوصا وأن غياب القلم باعتباره وسيلة الكتابة يجعل الكائن الشعري تحديدا يعيش يُتما مزدوجا ومؤلما في النص والحياة. وفي ضيق المساحة في جغرافية القصيدة تحس الذات الشاعرة بسجنها الرمزي، وحريتها المصادرة، وأحلامها المعتقلة والمؤجلة.

(سرقة/الليل/النجوم/السحابات/الريح/جدائل الشمس/ألوان الأم/عطرها…) تُدخل الذات المبدعة في الكابوس والظلمة والجفاف والعتمة، ويتعمق الفقد عندما تغيب ألوان الأم والعطور أيضا. إنها مواجهة اليأس والإحباط بالكتابة الشعرية علّها تمنح الذات الشاعرة السعادة ولو مؤقتة. و(على القصيدة أن تنقل العالم، فهي تنقل علاقتنا بالعالم، وإلا لن تكون شعرا بل شعرنة. بتعبير آخر، القصيدة هي الوحدة العليا بين اللغة والحياة. كتابة قصيدة هي خلق الحياة. فنحن لا نكتب لإثارة الغيظ أو الإعجاب، بل من أجل الحياة، من أجل أن يكون الحاضر حاضرا وليس ماضيا مموها في الحاضر. وهذه العلاقة تبدأ عندما نبدع شكلا من أشكال الحياة، ونعيد إبداع، تغيير اللغة، وإبداع اللغة هذا يغير شكل الحياة).(1)

سؤال الحزن، قلق البعد الجنائزي

تقول الشاعرة عائشة إدريس المغربي في قصيدة (حداد):
غادروني الآن
لم يعد
لمراثي الذاكرة
مكان
صوركم على الجدار
منتظرة المآتم
جسدي
ثوب حداد
قلبي
غيمة داكنة
تمتلئ بالبكاء.

إن الذات المبدعة من خلال الكتابة الشعرية تمارس فعل التطهير للتخفيف من معاناتها، كل ما في النص يحيل على سواد قاتم إنها مغامرة مواجهة الحزن عن طريق اللغة. (المغادرة ، مراثي، مآتم، حداد، غيمة داكنة، بكاء…) حقل معجمي يرمز لتشظي النفس وانكسارها، إنها هويات معطوبة، متنوعة مفعمة بعشق التأويل وفرادة الرؤيا، لتُعبر عن الفقد والألم قبل أن تعبره بفتنة القصيدة. عائشة المغربي لا تقدم نصا، بقدر ما تقدم سيرة حياة، سفر للقلب والعين والذاكرة حيث يحار المتلقي في البحث عن مداخل النص إلا بالانخراط في حرارته وحركيته، إذا اتسع الحزن ضاقت العبارة بألمها أيضا.

لهذا (يمكن تحديد المسار التاريخي للتحديث الشعري كما تبنته ممارسات الشعر المعاصر في ليبيا عبر مجموعة من العناصر التاريخية والنصية:

-اقترب الشعر الليبي من تمثل إبدال الشعر العربي المعاصر قي ضوء اطلاع الشعراء الليبيين على النص الأثر، وتفاعلهم مع ممارسات المركز كما مثلها بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وصلاح عبدالصبور. كانت قصائد هؤلاء حاضرة في الممارسات الشعرية الأولى لعلي محمد الرقيعي وخالد زغبية وعلي صدقي عبد القادر.
– لقد كان المرور إلى الشعر المعاصر اختيارا فرديا بين الشعراء. تقاطع مع ما كان توجها رومانسيا يجسد الأحاسيس الفردية والموقف من قضايا التحرر والانتماء القومي إلى الوطن وإلى الذات الفردية.
– كان لغلبة الاتصال بالمركز وتمثل الممارسات الشعرية الوافدة من مصر والعراق- تقليدا أو اختيارا لطريقة شعرية-أن انتهى إلى الشعر المعاصر في ليبيا كممارسات فردية بحثت بطريقتها عن ممكن التحديث بنص لم يُكْمل تخلصه من قوة الأنموذج المتبع.)(2)
تأسيسا على ما سبق نصل بتجسس أنيق إلى أن قصيدة الشاعرة عائشة إدريس المغربي تختبر عمق القلق الشعري ونداء الذات وهي تغامر في اتجاه كينونة اللغة لتقيم في الكتابة الشعرية باعتبارها مسكنا وجوديا آمنا، واختيارا آمنت به الذات الشاعرة منذ البدء.

__________________________________________
الهوامش:
1- هنري ميشونيك، الحياة القصيدة، ترجمة محمود عبدالغني، الاتحاد الاشتراكي الثقافي، العدد 9951، 2 ديسمبر 2011.
2- يوسف ناوري، الشعر الحديث في المغرب العربي، (الجزء الثاني)، دار توبقال للنشر، ط1، 2006، ص 47.
– القصائد من ديوان صمت البنفسج، منشورات اللجنة الشعبية العامة للثقافة والإعلام، ليبيا.

نشر بمجلة نزوى

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى