جليس القاهرة

أعتقدُ جازمةً أنه ما من عاصمة عربية كالقاهرة يُطلُ فيها الكتابُ مزينا أرضية شوارعها ومدخل جامعاتها مُرافقا لما يُصف من جرائد ومجلات محلية وعربية وعالمية بالأكشاك، كما والمكتبات العامة والخاصة، ولنا أن نضع مكانا لا مثيل له أيضا هو سوق دائم للكتب (الأزبكية)، القاهرة بجليسها اليومى! الخيّر المُحتفى به «خير جليس فى الزمان كتاب» ينتبهُ لذلك العابر كما المُتفحص مُقيما أم مُغتربا.

تذكرتُ ذلك أثناء جولتى بالمعرض فى دورته التاسعة والأربعين لهذا العام، هو المعرض الجامع وإضافتهُ تمثلُ طقس الاجتماع العربى والدولى فى المكان والزمان المرسوم منذ عقود لأجل الكتاب: عرضا وبيعا، وتوقيعا، ونقاشا وحوارا، إذ أمتلأت الخيم الحاملة لعناوين أنشطة متنوعة الاهتمامات: كاتب وكتاب، أنشطة الطفولة، الشعر الفصيح والعامي، المقهى الثقافى، المائدة المستديرة، وقد حضرتُ حلقة نقاش بقاعة «محمد أبو المجد» دُعيت لها من الأستاذ بقسم الأدب الشعبى بجامعة القاهرة خالد أبوالليل تُعنى بطرح سؤال ما بعد الجمع والتوثيق للثقافة الشعبية بمختلف صنوفها شفاهية ومادية، وكيفية إتاحتها للمطلعين والباحثين، وكان حديث د. مصطفى جاد صاحب مشروع المكنز مستعرضًا لجهود بذلت منذ التأسيس لعلم الفلوكلور، ونجحت فى توفير آلاف مؤلفة من المواد التى جرى جمع أغلبها من مواقعها، لكن كل ذلك الجهد بحاجة إلى توظيف التقنية المتاحة لحفظه صوتا وصورة، وقد تأخر ذلك.

حين غادرتُ القاعة الرئيسة عقب انتهاء ندوة «قضايا تنمية وتوثيق التراث الشعبى» رفقة د. أحلام أبوزيد، دعتنا الشاعرة الباحثة ميرفت يوسف إلى خيمة حملت اسم الشاعر «فؤاد حداد» جلسنا عند مدخلها ظهرًا وقبل موعد الأمسية المقررة مساء مع شعراء العامية، وكنا محظوظات بقعدة تجلت فيها قريحة الشعراء: محمد مطر، بهى الدين عبداللطيف، محمود عودة، حمدى عبدالرزاق، أيهاب البشبيشى، قرابة الساعة ونصفها أمضيتُها مستمعة إلى نصوص باحت بهواجسها وهمومها وأسئلتها، وتواليا كان نص «نهار عجوز» يقدم رؤية جيل يتقاعد ويجلس متأملا بفصاحة ساخرة محيطه، بيته وأهله «زوجة وأبناء» ينشغل بهم فى كل سكنة ولفتة وينشغلون هم بتفاصيل يومهم بعيدًا عنه!، ويجيء نص «النساء» بمفردات حميمة، برجاء أن تقبلها الأمهات والزوجات والأخوات والحبيبات، فلهن كما عليهن، ولكن الشاعر يوجد مبررات لكل ما يصدر عنهن، بل ويقدم دُفعاته بأن سندها وندها يُقاسمها كل ذلك، فلما لا نقبلهن!، نص «بالتقسيط» يراجع العلاقات العائلية إرباكاتها وما يُشيع القلق والملل فيها، وأين المفر؟ شاعرها لا يغفر أن نستسلم لعدائها لكل فعل محبة وقرب وإيناس هو احتفاء بالحياة، ورغم إشباع النص بمشاهد مخيبة وموجعة، إلا أنه يجعلنا ننتبه قبل فوات الأوان.

ما لفتنى مع مشهد العابرين قربنا، والجالسين كعائلة يأكلون ويفترشون الحديقة التى بمواجهتنا ونحن بتلك الجلسة الشعرية، اقتراب شابين ،ظننت أنهما يبحثان عن ظل يجلسان عنده كرفيقين، لكن أحدهما طلب الاستئذان بالاستماع، وقدم نفسه كشاعر فصحى وعامية قادم من «المنيا» وتابع طالبا التعليق نصحا وإرشادا، وقد قدم نصين «عامى وفصيح»، ما رأهُ الشعراء الثلاثة «مطر، وبهي، وعودة»، سلوكا جميلا ينُم عن تواضع، إذ يتقدم شاعر فى مستهل طريقه مستمعا وطالبًا النصح والتعليق على نصه، بل هل لهُ أن يستمر فى طريقه أم يتوقف، وجاءت التعليقات: أن للموهبة والانحياز لما نحب دورا مهما، القراءة الدائمة بما له علاقة بالشعر كما والعلوم الأخرى، والاستماع لغيره إذ يتاح ذلك بأنشطة مراكز الثقافة بالمحافظات، إغناء المخيلة بالفرجة أينما أتيح له ذلك طبيعة وفنا سينما مسرح تشكيل.. وشددوا على خلق خصوصية وشخصية نصية، فلا ينسج على المنوال فيما يثار تكرارا من موضوعات، ولا تغره النجومية البراقة التى يصنعها المدح والإعجاب المجانى، فمصيرها الى انطفاء، وكانت قائمة مُقترحة لكتب تُؤسس لشاعر عامية وفصحى مستقبلى ختام جلستنا الثرية المفيدة.

عن فاطمة غندور

كاتبة وباحثة ليبية أصدرت ثلاثة كتب منها إصدار عن الحكاية الشعبية في ليبيا، تعمل في المجال الصحفي كمدير عام لجريدة "ميادين" المستقلة التي صدرت من بنغازي في مايو 2011

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى