شعبٌ من الغبار

من أعمال المصور أسامة محمد

يحُلُّ الليلُ إذا كانت الأرض تحت ظلّ ملاك يخترق السديم، أستطيع أن أتجوّل بهدوء في الأزقة والباحات التي تضيئها مصابيح خافتة. النهارُ للأضاليل التي أدرؤها بالشعر والحكايات والرسم. هذا يوم مكروب، انتقلتُ إلى جنوب صبراتة وهي تتلاشى في فضاء مفتوح على مدى البصر يسكنه الناجون من الفتن التي كَثُفتْ واسودَّت عبر العصور، وهم يرقدون في شعاب الأودية وفُرُجاتها ينتظرون أن يستيقظ الرماد الحائل. هذا ما كان يحدث مرة واحدة كلّ بضع سنين، ولكنه تسارع بمرور الوقت، صار يتكرّر ثلاث أو أربع مرات في السنة الواحدة. لقد تركتُ المدينة خلفي هرباً من فنون الضّلال، ويبدو أنني ارتكبتُ بذلك خطيئة كنت في غنى عنها، لأنني واجهت مفارقة بائسة، دون أن أقدر على اختيار الجانب الذي أريد، ودون أن أحتفظ بفضيلة الصمت؛ لقد فقدت فضيلة عدم التحديق أيضاً، والأسوأ من كل ذلك أن هذه الخسارات لا تتوقف.

لا أدفع بشيء ضد ما ارتكبتُ ممّا لا أعرف من أفعال، وأتشبّث بحقّ التطهّر بعد أن تُهتُ في محنة الرماد هذه. إنها مضنية.

عندما عصفت الريح رافقها قرْعُ طبولٍ مُرعِد.

كانت رياحاً مجنونة. رعيلُ خيولٍ من تراب وحصى. لا شيء أكثر انهياراً من هذا المكان تحت شواظ السّنابك. المصائرُ تَستَغلِق، لم يعد ممكناً تحويلُ اليومِ إلى حالة أخرى، كأن يكون نسياناً، أو يكون انفجاراً عابراً في خيالٍ شرّده الأرق، أو مجرّد ذكرى، أو ظِلَّ جبلٍ، أو غمامةً، أو كرّاساً منذ الطفولة أجده محشوراً بين رفوف المكتبة، أو موسيقى لا أعرف مصدرها، أو صدًى، أو حانةً نائية، أو متجر عاديات، أو اصطرلاباً سحرياً، أو معبداً فينيقياً يحيط به حقل من الشّيح والخشخاش، أو أيّ تلميح آخر يمكن أن أستنجد به، أو باباً يعبره السّادرون.

لم أقرع باب الطبيب النفساني، دلفتُ واتخذت مكاني على الكرسي الوثير دون أن أحييه، هي ليست الزيارة الأولى، استندت وصالبتُ ذراعيّ. بادرني مبتسماً بصوت الحكيم الذي يعرف نضارة العقل البشري ويُمسك بعِضادات الروح.

– “لدي قناعة غامضة بأنك تتحرّر دون الحاجة إلى أي دواء”.

– “حتى أواخر هذه السنة سوف أخصّص الوقت لتصنيف ما أرى كلما التفتّ يميناً بزاوية 90 درجة”.

– “ما الذي تراه الآن؟”. وأشار إلى النافذة.

كانت النافذة تطلّ على ميدان الشهداء. رأيتُ حيطاناً تقشَّرَ ملاطها الطيني، رأيت أزقةً ببلاط حجري، رأيت وحلاً يتلبّد منذ عقود، رأيت صوراً، رأيتُ مزولةً شمسيّة. نظرتُ إلى الطبيب وهو يتفتّت:

– “أرى شعباً من الغبار”.

عن عبدالمنعم المحجوب

عبد المنعم المحجوب (1963) باحث ولغوي ومفكر من ليبيا بدأ النشر مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وتتنوّع إسهاماته بين الفلسفة والتاريخ واللغة والنقد الأدبي والترجمة، وله مجموعات شعرية ونصوص أدبية أخرى. إصدارات: الدراسات: الراهنية والتأويل (2): سؤال الكيان، كتاب المستقل، القاهرة، ط1، أبريل 2015. قراءات في السلم والحرب، كتاب المستقل، القاهرة، ط1، يناير 2015. أصوات بابل، قراءة جديدة في اللغات العاربة، دار تانيت (المغرب العربي)، ط1، 2014. كتاب التبو.. الهوية، اللغة، والتاريخ المجهول، دار تانيت (المغرب العربي)، ط1، 2013. فتنة الورّاق.. من تراث نقد الفكر الديني في القرن الثالث الهجري، مركز ليبيا الوطن، طرابلس، 2013. معجم تانيت، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2013. ما قبل اللغة.. الجذور السومرية للغة العربية واللغات الأفروآسيوية، دار الكتب العلمية – بيروت، ط2، 2013. ودار تانيت (المغرب العربي)، ط1، 2008. رحلة حنّون .. والطواف حول الأرجاء الليبية وراء أعمدة هرقل، دار تانيت (المغرب العربي)، ط1، 2012. الكتاب الأرجواني .. تأملات في تاريخ قرطاج الثقافي، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2010. ممكنات الديمقراطية في ظل التنوع الإثني والثقافي في إفريقيا، دار الأصالة والمعاصرة، طرابلس، ط1، 2010. كانط.. من أجل سلام أبدي.. مسودة فلسفية، ترجمة صدرت عن دار الأصالة والمعاصرة، طرابلس، ط1، 2010. القصور الديمقراطي، سلسلة كتاب فضاءات، طرابلس، 2005. راهنيّة التأويل (1): ورثة اللوغوس، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس، ط1، 2004. ما وراء الغرب .. بصدد الذات والآخر والثقافة، سلسلة كتاب فضاءات، طرابلس، 2003. مجتمع لا دولة، المنشأة العامة للنشر والتوزيع، طرابلس، ط1، 1987. كما يعمل منذ 2010 على إعداد كتاب التجريد، وهو معجم لغوي تأثيلي شامل، ويعدّ تطبيقاً لنظريته اللغوية التي ضمّنها كتابه "ما قبل اللغة". باللغة الإنجليزية: Uncharted Ethnicities - Tebu People: Their Identity, Language, and Lost History. Tebu Studies Centre, Tripoli, 2014. إصدارات مشتركة: التحركات البشرية والهجرات اليمانية إلى الشام وشرق وشمال إفريقيا قبل الإسلام وبعد ظهوره. مع د. علي فهمي خشيم، د. محمد علي مسعود، وآخرين، المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، طرابلس. جامعة محمد الخامس، الرباط، المغرب. مركز الدراسات الاستراتيجية، دمشق، ط1، 2001. شعرية النظر، (مع الفنان التشكيلي علي الزويك) مركز ليبيا الوطن، طرابلس، 2013.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى