الرقص في دروب وعرة

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

 

ثمة حرب، حرب خفية بين” نصيف “وقرية “سحانة”. ! نابزه أهلها بكل الألقاب وسخروا من قصر قامته المفرط وتضاحكوا من حبه وتفننه في لبس “الجرد” حتى أنهم أسموه السلطان!.
كانوا يتسابقون في نحت ألقابه لكن أشهرها أصبح “نصيف السلطان” تذكيرا بأسطورة نصيف الذي هزم الغولة ونجا من مكائد الساحرات.
نحتوا من أساطيرهم لقب حتى لذاك البيت الوحيد فوق ظهرة الجبل قبالة القرية حيث يطل على الوادي وينظر في تجهم من عل لأسطح المنازل ومداخل بيوتها الخلفية، ويرقب إيقاع القرية الخفي وهمسها الخافت . اسقطوا حكاية “حصين الحبشي بو سبع تراكين يمشي ” على منزل نصيف وأصبح “حصن السلطان”.
كأنما صارت سحانة نقيضه في كل شي مذ صار بيته يحتل تلك الضفة القبلية وحده وهي تقف قبالته بوجه عابس .كأنما أعلن في تحد انه ثقلها الموازن في كفة الميزان الأخرى بينهما يمر الوادي حدا أو حكما بين خصمين نقيضين.

هي حرب صامتة تبدو بلا نهاية لكنه كان يرى سحانة من فوق ويرونه هم أيضا من فوق قزما بالكاد يبلغ طوله ركبة الواقف جنبه.لكنه كان يسبقهم بخطوة لأنهم إنما كانوا يرونه في النهار ويراهم من وراء دثار الليل .ربما لهذا كان يفضل الصمت ويتجاوز عن تلك السخرية المريرة وكثيرا ما يحذر احدهم ان تمادى في الأذى بقوله:
– لا تجرني أكثر فاني استطيع إيلامك.
– من يدري ما كان يقصد وما كان يعرفه من إسرار ؟. ومع هذا لم تتوقف سحانة عن السخرية وظلت تلسعه دوما بسياط الهزء. وباتت زيجاته منهلا لا ينضب للأقاويل . لكنه لا يأبه بأحد حتى بالغولة نفسها هكذا كان يقول دائما لنفسه ويمضي .
تزوج فليوة التي طلقت ليلة زفافها في حكاية مليئة بالأسرار ظلت حديت القرية كلها طوال الصيف .لكن خيوط الحكاية ظلت مفقودة بل حتى فليوة نفسها لا تعرف حكايتها كلها مما جعل للقصة روايات بأوجه مختلفة . تلك الليلة تتذكر ان زوجها قذف بها من الباب وهو في ملابس النوم ويركلها صارخا كالمجنون : هذه لا تصلح لبيتي لا تصلح…

لم تستفق من الإغماء الا فجرا في بيت خالتها التي كانت سارعت اليها قبل ان يتحول العرس الى مجزرة، سارعت ونقلتها الى بيتها وأشاعت بان العرسان قد وقعوا ضحية سحر اسود فتاك. عند غروب مساء اليوم التالي كان أنصيف يقف خاطبا فليوة من خالتها وقبل ان يتم حديثه وتستفيق خالتها من الدهشة قالت فليوة من وراء الباب : موافقة يا خالتي!

هكذا تزوجت بنصيف تلك الأنثى التي أسالت لعاب القرية كلها وتغنى بها الشعراء في قصائد الغزل ومجاريد الأفراح .هكذا كان الأمر ببساطة. قال لها همسا في الليلة الأولى :
– انت كنز ذهب.
فأجابت في حزن:
– الذهب المكسر بلا قيمة ولا ينال من الذهب إلا اسمه.
قال:
– نصيف يخطب بنت السلطان ! هكذا قالت الأسطورة اما اليوم فقد تزوجها فعلا وضحكا معا.
يقال ان عرافة قالت لامه ذات يوم انك ستنجبين ولد طوله شبر.
فقالت ضاحكة: هذا غومة اذن!
لكن العرافة لم تشاركها الضحك بل اضافت:
– طوله شبر وتخافه العفاريت .

حين تحققت نبوءة العرافة أسمته نصيف تيمنا بأسطورة تروى للأطفال عن رجل قصير هزم الغولة وطمع في بنت السلطان. أورثته أمه أيضا ذلك البيت الأسطوري المليء بالغرف والأشبه بقلعة كان على حافة الجبل القبلي يطل في مواجه القرية.

اكثر من عقدين كان يعمل في شركة طليانية تنقل معها عبر مدن الساحل. كانت رفيقته تلك الطليانية الممشوقة الانيقة “انجيلا” التي تحمست بعد قدومها لتتعلم العربية فصارت تجد في رفقة نصيف حافزا آخر علاوة على الفضول وورقته الطفولية التي لا تقاومها النساء. تعلمت العربية بشكل فريد وتقول عن ذلك ضاحكة:
-“انا كلم ثلاث لغات : لغة مدرسة، لغة شارع ولغة نصيف.!”
كل من عرف انجيلا ونصيف ظن انهما سيكونان حتما زوجين رائعين يجوبان معا شوارع روما ويتعانقان في قارب صغير يراقصان الأضواء في مرايا قنوات فنيسيا الساحرة خاصة بعد ان صار نصيف وحيدا مقطوعا من شجرة حين ماتت امه .
لكنه عاد للقرية وشرع في ترميم البيت القديم حتى قبل ان ترحل تلك الشركة الطليانية وتعود انجيلا لديارها.
قال لها في آخر رسائله كنت أظن اني سرعان ما استسلم والحق بك لكني دخلت في معركة طويلة وها أنا ذا ابني بيتي من جديد . أين؟ في سحانة قرية الماء المر والعفاريت!.
لم يضف للحصن القديم سوى غرفة واحدة. وقف حيث كان يبول صغيرا فوق تلك التبة المواجهة لأسطح منازل القرية ،كان يرسم نصف قوس ويغرق كل الاتجاهات تفريغا لشحنة دفينة او تعبيرا عن علاقة مشوشة مع تلك القرية.
ابتسم وأدار ظهره للقرية وخاطب العمال :
– سأ كتفي بغرفة ذات شرفة تطل على القرية يمكنني ان أشير بأصبعي فقط لبيوتها ولا يتأذي احد! هنا اريد الشرفة . هنا اريد “اللعابة”!.ثم أضاف بعد ان قرأ الدهشة في عيون العمال ليبدد حيرتهم:
– طالما اسموا منزلي حصنا فلكل حصن لعابة! وضحك ساخرا فسايره العمال وضحكوا أيضا مع انهم لم يفهموا شيئا! *

بعد ثلاثة أعوام ظنت فليوة انها باتت تحفظه وتقرأ أفكاره حتى من أنفاسه ومشيته لكنه فاجأها أمس حين جلس قبالتها صامتا في الشرفة .استرقت النظر اليه مرارا لتقرأ افكاره لكنها فشلت الى ان قال :
– سأعود لتجارة “المكسر”.
لم يجدي الترميز في تخفيف وطأة الخبر.قالت بعد صمت طويل :
أظنك جئت لتبلغني وحسب لا لتستشيرني. وهل يحق لي؟
لم تتلقى جوابا. فقالت:
متى ستحضرها؟
قال : غدا ، فاختاري لها غرفة.
أحست ان عينها اليمنى قد أدمعت فتحسست بحذر مجرى الدمع فوجدته جافا.
صرخ بداخلها صوت يعنفها :
– لا يحق لي فنحن منذ اليوم الأول في رفقة ومن يتعب يسترح.

في مساء اليوم التالي جاء بذهيبة بلا موكب ولا ضجة ولا زغاريد ،كانت زفة اشبه بالجنازة!. جأت بخطى مكسورة تأرجح كيس بلاستك محشو بالملابس.حقيبة صغيرة من طراز قديم مليئة بالكتابات والعلامات والأسماء بألوان مختلفة ظل اكثرها وضوحا واكتمالا اسم لمطوف الحجيج . رافقتها عجوز وحيدة دون ان تكشف عن وجهها وغادرت دون ان تتخطى العتبة ودون ان تودعها ايضا.
كانت ذهيبة ضحية لعشق زائف وشهوة آثمة وكانت ستتزوج كأي فتاة لولا انها مضت بعيدا وسلمت نفسها ل “نويصر لعويب” الذي ظنت ان أشعاره التي ارسلها لها والتي باتت أغنيات في الإعراس انما كانت لها دون سواها ولم تكن تدري انه كان يغير الأسماء بسهولة أكثر من خلعه لنعاله.
واجهته في اللقاء الأخير بينهما باكية واستجدته طويلا وقبلت يديه كي يتزوجها لكنه ظل متصلبا كالتمثال وخلى وجهه من أي تعبير ، واختفى من البلدة في اليوم التالي دون اثر.

كانت للقرية آذان والسنة ولا احد يعرف كيف افتضح سر العاشقين. صارت قطعة ذهب”مكسر” بلا قيمة واطل شبح الموت بوجهه الحاقد ليغسل العار.
حينها امتدت يد نصيف تاجر الذهب المكسر الذي كان يظن انه لن يعود من جديد لتلك التجار ة. لكنه عاد وها هي اليوم تملأ الحصن برنة ضحكاتها المليئة بضمأ الشهوة.قالت دون خوف يوما لنصيف .ما كان لمثلك ان يحلم بمثلي.
فاجابها بكلمة واحدة اخرستها:
– لولا ان….

كان نصيف سيمضي وراء شهيته النهمة لولا سوء الحظ. وكان سيتزوج مرة أخرى تلك الفتاة الحنطية المكتنزة التي سمع عنها كثيرا و تقول القرية ان جمالها قد فتن الجن ايضا . ولم يكن يدري حقا انه سيعشقها سمعا كل هذا العشق!. و يعود لاهثا لتجارة المكسر بعد ان ظن انه اكتفى و تأكد انه لن ينجب ابدا وظن ا ن آخر ذهبه المكسر هو ذهيبة. لكنه نصيف الذي يفاجأ حتى نفسه ! كان على ابواب صفقة جديدة ويتزوج “الساكتة” التي قيل ان جنيها العاشق قد أمرها ان تدلي نفسها من سلالم غرفة الغسيل، لكنها أنقذت في الرمق الأخير.

ورغم ان الجني لم يأتيها قط بعد ذلك فأن عالم الجن ظل يحمل وزر تلك الحادثة الغريبة والتي كان لها تفسير آخر تتناقله النسوة همسا فيما بينهن. الحظ عاكسه هذه المرة وحال بينه وبين “الساكتة” وخذله بقسوة بسبب تلك الليلة المشئومة.
لا احد يدري كم من الزمن كان سيمضي والحصن في سكينة. لولا تلك الليلة الحالكة ربما كان نصيف اضاف زوجة اخرى ! صفقة اخرى من الذهب المكسر! .
من يدري كم من الوقت كانت ستبقى ظهرة الجبل مضاءة والحصن ينظر شاخصا دون كلل نحو الوادي، لكنهن النساء ،وحواء سرعان ما تنسى هكذا يقولون.
والا ما كانت الرفقة ستفسد لو ان نساء الحصن تذكرن ما كان يقوله نصيف في آذانهن في الليلة الأولى.
– لا تعضي يدي وان أتعبتك الرفقة فا سترحي.
– لكنه كان ينفخ في قربة مثقوبة ،وما كان يخافه قد وقع . أوجزها نصيف في مقولة قديمة كررها في تلك الليلة المشئومة وهو في حالة جنون.
– الماء لا يروب والفاجر لا تثوب.
تلك الليلة اعتذرت ذهيبة وغادرت اللعابة وتظاهرت بالمرض لكن ذلك لم يكن كافيا لخداع فليوة التي تقول عن نفسها دائما انها تعرف الشيطان اين يبيت.
كانت ذهيبة قد أعدت كل شي خبأت بعض العظام وقطع اللحم لتضلل الكلاب. وحين قذفت بها من النافذة كانت الكلاب قد أصبحت مشغولة في الطرف البعيد من البيت منهمكة بمطاردة الطعم.

تسلق نويصر حتى وصل النافذة . وحين التقط انفاسه كان قد صار في احضان ذهيبة عشيقة الأمس.
كانت فليوة ما تزال في اللعابة تراقب تراقص أضواء القرية ثم تسللت اليها فجأة اصوات الكلاب وهي تتناهش وتتصارع طمعا في حصة من طعم مجهول.
تفطنت فليوة للخدعة ففكرت قليلا ثم سارعت للمطبخ أفرغت في كيس صغير قطع اللحم من الثلاجة قطعتها الى قطع صغيرة وخرجت تستدرج الكلاب.
انقسمت كلابها الى فريقين بعضها ظل منهمكا في تناهش الطعم وأخرى مشت تتشمم يدها وتتبعاها الى ان صارت خارج سياج الزريبة.
ثم عادت مسرعة تنادي بلهفة أفزعت الجميع نادت ذهيبة من وراء باب غرفتها محكمة الإغلاق. فتلكأت في الاستجابة. لم ترد الا حين صار نويصر يتدلى خارجا من النافدة. كم كان مخطئا حين ظن ان الكلاب مازالت منشغلة في الطعم ولم يكن يدري انه قد صار طعمها الجديد. نادت فليوة بالحاح :
– هيا سارعي هاتي البخور، البخور.!
أي بخور في منتصف الليل قال نصيف من وراءها وحين فتح الباب كانت جلبة من نباح لحوح تملا الأفاق.
ما ان وصل نويصر لركن البيت متجها نحو حافة الجبل حتى حاصرته الكلاب. حاول الركض نحو شرفة الجبل محتميا بالجدار لكن أحداها غرز انيابه في بطة رجله، ابتلع صرخته وسارع نحو المنحدر لكنه فقد توازنه وتدحرج.

نهض وسقط مرارا ثم خطرت بباله حكاية قديمة وهي ان الكلاب يستفزها الركض و لا تفترس رجل طائح فاستمر يزحف حتى وصل حافة الوادي. حين تركته الكلاب أحس بالألم ينخر جسده. ظل يزحف حتى وصل بيته بعد الفجر واستجار باحد رفاقه في الصباح واختفى دون اثر.
انكشفت الحكاية إذن واصابت نصيف نوبة جنون وبدا واضحا انه كان يصارع عفريتا بداخله ولو افلت منه لكان ذبح ذهيبة في لحظة. لكنه تراجع في نصف المسافة. قذف بكل ما صادفه من اغراضها وملابسها صارخا :
– اخرجي يا…. اخرجي.
شتمها بكل الكلمات النابية التي يحفظها وركل الفراغ بقدمه مرارا حتى اختفت ترافقها جلبة من نباح الكلاب.
هكذا أصبح الحصن في يوم وليلة خاليا من الضجة ،يغرق في انكسار وصمت. وحيدين من جديد جلسا متقابلين ذاك الصباح . لم يعلق ابدآ على ما حدث الا بعبارة مقتضبة ثم سكت . قال يومها بمرارة:
– كل هذا الوقت وانا أراهن على التوبة لكن صحيح الماء لا يروب .
وبعدها صمت. لكن يبدوان الحكاية لم تتركه برهة .
قالت له فليوة لائمة:
– كان الحق عليك لأنك تعاملت بطيبة ، وانت تربي الافعى في كمك. كانت جدتي تقول دائما لا ينجو مروض الثعابين من فتك الافاعي مالم يفكر بعقل افعى.
ساد صمت طويل ثم تحدثا بالإلغاز.
قالت : – رغم انه بدى يتراجع بصري لكني بت ارى القرية بوضوح اكثر.
قال:القرية التي في النهار ام تلك التي في الليل؟
قالت: ارى تلك.اراها حين تخلع ثيابها.
قال : الابواب مغلقة.
قالت: النوافذ مشرعة طوال الليل والستائر تتراقص في الظلام .
قال: بما تنصحيني لو اردت ان اتاجر في القرية؟
قالت:السلالم..وسم الفئران؟
فقال: بضاعتي ستبور بعد ان تموت الكلاب.

مثلما عاد نصيف يوما الى القرية فجأة ونفخ روحا في ذلك القصر المنسي فوق ظهرة الجبل و أحاله لكتلة من الضوء تراقص الأفق ها قد رحل فجأة.ذهب مشيا على قدميه نحو المستوصف الوحيد في القرية يشكو من ضيق في التنفس فسقط ميتا قبل ان يتجاوز العتبة. لم تنتبه القرية الا بعد ايام حين غادرت فليوة واطلقت سراح الكلاب وتركت الحصن يغرق في الظلمة والصمت.
انشغلت سحانة بأمر الكلاب التي باتت تحتل ضفة الوادي القبلية وتحوم حول الحصن المهجور. لم يأبه احد لموت نصيف وحيدا في مستوصف القرية البائس .ولم يذهب في جنازته احد . واضطر الحاج رحومة الذي غسله والبسه الكفن ان ينادي على بعض الرجال ليقيم الصلاة . دفن نصيف في الطرف القصي من المقبرة وكانما تلفظه القرية ميتا وحيا بلا رحمة. وسرعان ما اختفت الشاهدة تحت كومة من رمال السافي. سرعان مانسته البلدة . حتى بعد ان ظهرت تلك الطليانية الغريبة تتفقد الحصن المهجور من جديد تعمدت القرية ان تقاوم الفضول ولا تنبش مجددا في سيرة نصيف التي تجاهد لتتناساها .
لا يكاد يذكره احدهم الا قرينا للاستصغار ومثلا للسخرية لكن لا احد يحب سرد حكايته مع النساء. كانما كان عارا تواطأت الأقدار والقرية على تناسيه.
لكن الطليانية لم تنظر ابدا اليه يوما بعين قريته والا ماكانت تكبدت كل هذا العناء لتنشر سيرته في كتاب. مشدودة لحضور الأسطورة في سيرته مسكونة بذلك الايقاع الخفي من عالم الغيب والخرافة الذي ينساب في تفاصيل الحكاية. ذاك اكثر مايشدها بالذات فلا تغفل اصغر التفاصيل وتقف لتزن مرارا الكلمات بحثا عن رمزية خفية وفك طلاسم العبارات.

فليوة ايضا اختفت هي الأخرى ، ذات مساء أغلقت الأبواب وأطلقت سراح الكلاب فعاد الظلام والصمت يبتلع ضفة الجبل القبلية . خمسة اعوام جعلت القرية تنسى نصيف وحصنه الأثير وحكاياته مع النساء وامتلاء الحصن المهجور بالنفايات والعلب الفارغة وعظام لحيونات ميتة.
لكن الطليانية التي جأت فجأة أعادت الروح للجبل ونفخت في الحكايات القديمة والاساطير نفسا جديد فعاد الفضول والاقاويل والتكهن.
قضت الطليانية نصف يوم تبحث عن فليوة ثم ادركتها أخيرا في طرف الوادي. تبادلتا النظرات طويلا تأملت كل منهما الأخرى بعين نصيف وميزانه ثم تعانقتا طويلا. كانت انجيلا تحكي بلغة مكسرة لكنها مفهومة ولذيذة.
بادرت بلا مقدمات:
– هل كنت تحبينه؟
تنهدت فليوة واجابت بمرارة :
– لست ادري ربما لايحق لي ذلك.لكن يوم اسقطت العاصفة تلك النخلة الطويلة وسط الوادي وقطعت العاصفة رأسها من نفس المكان الذي ذبحت منه يوما من اجل اللاقبي، يومها رايته بقلبي. وحين وصل انصيف الى النخلة الجاثية على الرمل وجد بعض الأعشاش المخربة والطيور الميتة واحضر حمامة مكسورة الجناح بين راحتيه. قضى اليوم كله مثل طفل منهمكا في محاولة علاجها .وضع بعض الزيت على الجرح وحاول إطعامها . لكنها ماتت بين راحتيه. فبكى كالطفل، وكان يقول في صوت خافت هذا انا، هذا انا مكسور الجناح.
قلت له انها مجرد حمامة . فلم ينبس بكلمة، كأنه لم يسمعني وحملها بعيدا بين راحتيه وردمها ، دفنها .
وقال لو كانت انجيلا هنا لعالجتها انها تعرف لغة الطير.
لم يستفق من تلك الغمة لعدة ايام الا على حادثة الكلاب وهي تنهش احد المتسللين للحصن، تعرفين الحكاية بالتأكيد. أومأت برأسها موافقة ثم ساد صمت لبرهة قبل ان تغير انجيلا الحديث.
وقالت:
– انصيف الملعون نجح في جلبي الى هنا قال لي في رسالة لقد باتت الغولة تظهر في النهار ، تعالي وشاهدي.
وذكرني بكلمة يحبها قال” اندياموا انديامو” كررها مرار.. كانت تلك الكلمة تجعله كالطفل يضحك من أعماقه . يعشق تلك الكلمة ويقول انديامو ليست كلمة بل قصيدة قالتها الالهة.
كان يقول اندياموا حتى وهو يشرب الشاي او يداعب الزهور.
ثم سكتت فجأة وقالت :
– طيب. توا وين ممكن اشوف غولة؟
فقالت فليوة ضاحكة:
اطلي من اللعابة..من الشرفة، من فوق!
عادت الطليانية الى الحصن المهجور واللعابة تفقدته من جديد واطلت من اللعابة جلست هناك طويلا تتأمل المشهد ثم غادرت قبل الغروب.
قالت: – هاأنذا أعود محملة بالألغاز وقد جئت يوما لأفك طلاسم لغز واحد.
قيل انها ارسلت بعد عدة شهور قطعة من رخام منقوش عليها عبارة مبهمة لقبر نصيف.
“قيل قديما انه في القرون الغابرة كانت الالهة في هيئة البشر تمشي مثلنا وتحارب، واحيانا يحدث ان لا تنتصر”.
كانما ارادت تلك الطليانية ان ترد على اللغز بلغز. كانما كانت في الشرفة اللعابة منذ البدء تحادث هي الأخرى نصيف بلغة الألغاز.
________________________________________________________

* اللعابة : وصف في بعض المناطق الليبية يطلق عادة على المتسع الذي يكون قريب من جحور بعض الحيوانات والطرائد أو جزءا منها وتتخذه عادة تلك الحيوانات للتمويه واللعب والمراقبة.

3 فبراير 2018

عن إبراهيم بيوض

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى