أنا والدجاجة

مراد بلال

خلفية شعرية للقصة، مع الاعتذار للمرواني:
ماااتت، بمحراب عينيها، اختياراتي
واستسلمت، لرياح الطبخ دجاجاتي

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

بعد نجاحي الباهر في شراء الخبز، وكتمان الأسرار، كان لا بد أن تتواصل رحلة إعدادي لأكون رجلا في المستقبل، هذه المرة، مهمة من نوع مختلف: شراء دجاجة.

كان يمكن أن تنتهي القصة بعد كلمتين فقط: شريت دجاجة “وخلاص”، مثلما يحدث مع معظمكم.
ولكن دجاجاتي من نوع مختلف للأسف.

– تمشي تشريلنا دجاجة؟
هكذا يبدو الأمر في ظاهره، مجرد سؤال بريء، لتكتشف أن الرفض أو الامتعاض أو التردد يزيح الستار فورا عن صيغة “أمر” كان ينتحل ظاهر السؤال، سؤال يعني أن تدوير المهام بين أشقائك قد انتهى بي في رحى المسؤولية هذه المرة.
“أعكرش” المال بيدي، وأنتعل حذاء المسؤوليات الجسام، ذات الحذاء الذي أتممت به مهمة شراء الخبز، نعم، ذلك الذي يجعلني أشبه بأخي الأكبر “أشرف” بأصابع تحاول القبض على “الشبشب” حتى لا تنفصل عنه، متحدة معه كما يتحد جرندايزر مع سبيزر المزدوج.
ليس هناك غيره، سوق “الظهرة”، حيث تنتظر دجاجتي المصون في مكان ما.
– قوله يوازيهالك كويسة.

بشمم وأنا أمسح أنفي خاطبت البائع:
– عندك دجاج يا عمي؟
رمق البائع الدجاج الذي يملأ أرجاء دكانه متسائلا بينه وبين نفسه حتما حول سلامة فهمي:
– تفضل يا ولدي، عندي.
– بقداش؟
– قداش تبي كيلو؟
– ………..”لا اجابة، الهرش ينتقل لشعري مترجما جهلي”.
قطعا فكر بأنني نسيت “البرمجة المسبقة”، وفكر بمنطق “الهندسة العكسية” لينقذني، أو ينقذ نفسه مني.
– قداش عطوك؟
فتحت راحة يدي لأسقط المال في يده، ابتسم، وضع المال جانبا بعد أن خمن بأن المال مناسب لسعر دجاجة ميسورة الحال من أجلي.
– أمي قالتلي قوله يوازيهالك كويسة.
– حاضر يا ولدي.
هنا وقعت عيناي عليها لأول مرة، دجاجة بيضاء جميلة ترقد في سبات سرمدي، جديرة بلعب دور قلب الهجوم في “الكسكسي” أو “الرز” أو “المبكبكة” حسب خطة لعب أمي في ملعب مطبخها اليوم.

– تفضلي “يام”.
بقليل من الجهد علمت أنني اشتريت لاعبا لا يليق حتى بدكة الاحتياط، حتى كدت أعتقد بأنني اشتريت حذاء الطنبوري عوضا عن دجاجة.
– توا تكبر وتتعلم ترد بالك مرة ثانية.

وجاءت المرة الثانية السعيدة، أنا أتعلم دائما من أخطائي، مثلما لم أشتري خبزا لطرابلس كلها مجددا، ولم أشي بمغامرتي مع “خالد” التي توقفت لسبب مجهول، سأشتري دجاجة مختارة لا تقل روعة عن مارادونا ذاته “مبطبطة” و”قلب هجوم” السفرة، هذه المرة محل جديد، وبائع جديد، ودخول من نوع مختلف، حتى الحذاء استبدلته “بسبيدرو”.
– يا عمي عندك دجاج؟ “حرصت بشدة على تغيير ترتيب العبارة، هذا من أساسيات التغيير قطعا”.
– لا.
– مش هذا كله دجاج؟
– مادامك عارفه دجاج علاش تسأل فيا يا ولدي؟
أسقط في يدي، كدت أخرج خجلا قبل أن ينتشلني بقوله:
– تفضل يا ولدي؟
– نبيك توازيلي دجاجة كويسة، زمان شريت دجاجة طلعت مش كويسة.
– حاضر يا ولدي، هاذي كويسة إن شاء الله.
كأنها هي ذات الدجاجة السابقة في حسنها وجمالها، دجاجة كفيلة بمنحي وسام النجاح هذه المرة.

– تفضلي “يام”.
واكتشفت مجددا أنني اشتريت دجاجة جديرة بالرقص والتمثيل لا الأكل، لا تقوليها من فضلك.
– توا تكبر وتتعلم تجيب دجاجة كويسة.

وكبرت، وذهبت للسوق، واشتريت أجمل دجاجة لأكتشف أنها الأسوأ، وكبرت، وذهبت للسوق، واشتريت الأجمل والأسوأ من جديد، لأقرر الاعتزال المبكر وتجيزه أمي حفاظا على الذوق العام للمنزل.

إلى أن تزوجت، صارحت زوجتي بالحقيقة، وعن جاذبيتي السحرية في جذب شيئين رائعين: أسوأ دجاجة في السوق، وأي عظام في الطعام، يمكنك رمي قطعة وحيدة في قدر هائل، وتراهن على ظهوره في صحني لتفوز بسهولة.

ومازالت محاولاتي في شراء الدجاج بعد الاعتزال، تنتهي بذات الدجاجة الجميلة السرمدية، دجاجة سبقت النعجة دوللي في استنساخ ظهورها الحصري لي، ذات مذاق دواليب الدراجة التي تنفع للسير والتباهي، لا الأكل.

من يبيني نشريله دجاجة؟

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى