ما بين الظهرة وبوستة (اللاي)

إلى شقيقي “نبيل”.. ذكريات اقتسمناها كقطعة الخبز…

من أعمال التشكيلي الليبي .. الطاهر المغربي (السيدة والحمامة)

(اللاي)

منذ أن تلمست الملامح، كانت ملامحها.. أنفها بارز وعينان واسعتان تتوسطهما حدقتان سوداوان وفم ينم عن جدية، لا تكثر حركة شفتيها كلاماً ولا تتمدد ابتساماً إلا احيانا.

هذه الشخصية ذات الملامح الجدية نسجت حولها شباكاً من الإحترام و الوجاهة تسللت من بين فتحاتها شعاع من الحنان موزعاً بالقسط مابين الأبناء والأحفاد.

ولدت في سواني أهلها بمنطقة “سكرة” في طرابلس، لكن منبتها الساحل أو ما يعرف بـ “بوستة” على أطراف سوق الجمعة، وأصولها البعيدة مصراتية.

ضاقت الحياة بوالدها فاضطر للتنازل عن أراضيه في سكرة وانتقل إلى “مقطع الحجر”، في الظهرة.. وهناك امتزج الساحل وبحره بالربوة العالية، وتزوج جدي باللاي التي سرعان ما تلقفتها سانية أخرى بمقطع الحجر مملوكة لأسرة زوجها.

تربعت في قلبه بل تمددت فيه فلم يفعل ما فعله أخواه بمن فيهما نصفه التوأم اللذان تزوج كل منهما بأخرى على زوجته.

بملامحها وعدالتها واقتصادها في مشاعرها تمكنت اللاي “صالحة” ابنة “علي بشر” من رسم ملامح شخصية جدية وفتل حبال اجتماعية قصيرة متينة.. لم تستخدم خيوط كثيرة ولا ملونة في علاقاتها، وكانت من بين هذه الخيوط غرز متينة وراسخة لكنها دائما ذات مسافات.

من بين سكان السانية بمقطع الحجر، كانت أول من انتقل إلى بيت في الجادة الرئيسية بالظهرة . أبقت علاقاتها مع سكان السانية لكنها فضلت بيتها في الجادة.

أما أهلها في “الساحل”، فقد كان حبها لهم عميقاً يتجلى في اهتمام واضح.. تمثل اللاي في علاقاتها بهم معنى ” تطفطف عليهم”، كانت كطائر الخطيفة الذي يميل أمام شرفة شقتها التي ورثتها عن جدي في شارع الشط، تراقبها وتبتسم فأفرح أنني ظفرت برؤية تمدد شفتيها وانفراجتها عن أسنانها الناصعة…

” ريتي الخطيفة”….

مقلة في كلماتها، تحمل سبحتها الخضراء الطويلة أينما حلت .. تتحرك في شقتها الواسعة، ولا تحب المطبخ كثيرا، لكنها لا تتوانى عن تنقية الحبوب أو الخضروات. تأكل بقدر وتنهي وجبتها بقطعة فاكهة، عشاؤها علبة زبادي طبيعي وقطعة خبز.

(حناي حواء)

ترتدي اللاي فراشيتها على عجالة، تقيس طولها وهي تمد قدمها اليمنى إلى الأمام، وتضبط ثناياها، لا تخرج إلا بحذاء خفيف وترفض انتعال الخف، تتناول يدي تضغط عليها وهي تقول ” بنمشوا الساحل نشوفو حناك حواء”.

وحناي حواء هي أم اللاي، شجرة سنديانة ذات نتوءات بارزة تحمل آثار العمر في كل أجزاء جسدها، ترفض ترك بيتها العربي المفتوح إلى طرابلس وشقة ابنتها الفاخرة.. تحمل قبة على ظهرها بعدد سنوات عمرها، تتكئ على عصاها بعد أن خرجت أصابع قدميها عن طورها وتعانقت فيما بينها، أسمعها تتأتئ بلسانها ممتعضة وتفقد صبرها حين ترفض قدماها الانصياع إلى الخف، تدفعه عن طريقها وتدور حافية في براح بيتها الذي تهدهد جنباته الريح وتسبح في صحنه المكشوف أشعة الشمس وحبيبات المطر.

أنظر إلى جدتي وإلى أمها متجاورتين فيستعصى عليّ ربط العلاقة بينهما.. لا تتحدثان رغم تجاورهما في الجلوس.. حناي حواء ترتدي حوليها  الباصمة بتخليلة واسعة، سنديانة من الساحل، وجدتي بقفطانها الحريري وخفها القطيفة و”اللاونطة” الباريسية التي يهديها إليها والدي في كل رحلة، هل هو الزمان يا ترى أم المكان؟

ما أن تدفع اللاي باب البيت السماوي، وتغرق قدميها في “لايدة” حناي حواء حيث ينهض البئر ويذكرني بالسقوط في حوش الغولة، وتتدلى الدالية العطشى، حتى ترمي جدتي فراشيتها البيضاء، وتشمر عن ساعديها وتبدأ بتنظيف بيت أمها، تأتي بالماء من البئر، تنظف السقيفة واللايدة وتنثر فيهما المياه، تخضب شعر أمها بالحناء وتجلسها في الشمس حتى تجف على شعرها ثم تغسل لها وتبدل ثوبها وتفرك غسيلها وتنشره في صحن البيت وهي تتنهد برضا بإنجاز يومها. لم أسمعها تناديها أو تتبادل معها حديثا، لقد تجاوزت حناي حواء المائة، تقاوم الدقائق بعد أن قاومت الدهر، لكنها لا تتكلم وبالتأكيد لا تسمع. أقترب منها تتدخل اللاي “هذه بنية كامل” تستمر حناي حواء في تيهها، لكن اللاي تربت على كتفي وكأنها تستبدل دور أمها.

(خالي محمد)

لم أعرفه، كنت ألمحه.. وأسمع بحة صوته، ونحنحته، وسعاله، وحديثه بصوت غاضب تنفثه جدران المربوعة. لم أعرف إلا في سن متأخرة أنه شقيق اللاي.

لم أره جيدا لكي أقارن الأنف والعينين والشفتين، لذا ظننته من سكان البيت، يبرق كطيف، يدفع الباب ويدخل بسرعة إلى المربوعة، ثم يغادرها عند الفجر.

اللاي حواء لا تتكلم إلا بعد أن تردد لها اللاي ما تقول ” تبي امية، عطشانة، جيعانة… ايه”؟  فتردد “ايه”.

وكلما زادت زياراتي وأنا أمسك بيد اللاي، تبدو لي قطع الصورة المفككة تتعاشق، أو الكلمات المتقاطعة التي بدأت أتعلمها تترابط.. شعرت أن خالي محمد رجل بدون امرأة تهدئ طباعه وتروضه، وتعتني به.. “وكان غير ربي يهديه وياخد مرا” سمعت اللاي تحكي ذات يوم بنبرة حزن..

تحبه اللاي عن بعد، “تطفطف” عليه، تدخل مربوعته عقب مغادرته وترتبها، ، ترسل له السلام بالكلام يرد عليها ولا يقترب…

ذات يوم فتحت باب شقة اللاي بعد أن سمعت جرس الباب، لم أجد أحدا، وقعت عيناي على حزمة مغلفة بورق مقوى رمادي، حملتها فارتعش حملها وتسرب من بين يدي سمكاً تساقط وهو ينتفض على رخام البيت… “هذا محمد… غير علاش ما يخشش بس” علمت حينها  أنه صياد، عاشق للحرية والبحر.

في زيارات الساحل أسمع سعاله طوال الليل وأنا أعد النجوم وأستلقي بقرب اللاي أشتّمُ رائحتها النقية، تتساقط في أذني إنه يعانق البحر ولا شريك له معه.

غادر خالي محمد الحياة، دون أن أعلم كيف ولا متى.. رحل كالبرق، ولم يعقب حتى ذكرى.

(خالي الحاج علي)

بلا منازع.. كانت اللاي قريبة جداً من شقيقها الأصغر، خالي الحاج علي. وحين تذوقت واستمتعت بهذه المشاعر الدفاقة مع شقيقي الأصغر معاوية.. تذكرت جدتي في علاقتها مع الحاج علي.

يشبه الحاج علي اللاي كثيراً حتى في قامته، كما يشبهها في الطباع وإن كان أكثر تحفظا. قليل الكلام والابتسام.

وعلى خلافها، يقطن خالي الحاج علي في بوستة على الشارع الرئيسي بالقرب من جامع بن طاهر و”قهوة لاندرو”، بيته واسع وكثير السلالم. تحرص اللاي على زيارته كلما زارت الساحل، بقدر حرصه على زيارتها في شقتها بشارع الشط.

خالي الحاج علي ربع القامة، له شارب نحيف، وحاجبان مقرونان، عيناه شديدتا السواد، يرتدي الطاقية السوداء التي تدفعني للتفكير فيما إذا كان أصلعا كأبي وأقنع نفسي بأنه لابد وأن يكون كذلك لأنها وراثة من الأخوال.

للحاج علي دكان صغير يخرج من مبنى بيته، منخفضاً قليلاً عن الرصيف، تنيره بقعة ضوء تفلت من الباب الصغير، تفصل بينه وبين زبائنه طاولة خشبية مستطيلة، ينفتح جزء منها لخروجه ودخوله.. أتذكر الدوارق الزجاجية المليئة بأنواع الحلوى والعلكة، تتوه نظراتي بينها واشعر أنني أريدها كلها وأن لي قدرة على التهامها. لكن خالي الحاج علي يحرص على المسافات كما جدتي، ولأنه رجل تزداد ملامحه صرامة.. أدخل إليه وأنا أقفز عتبة دكانه العالية، فيرحب بي بقطعة حلوى أو قطعتين تحية لي دون أن يتحدث إليّ.. أخرج فرحة، وأدخل بيته فأجد زوجته الحاجة زينب بنت خليل تفتح لي ذراعيها وتحتضنني وتتحدث إليّ وتسأل عن أمي وعن خديجة عمتي وبقية الأسرة فرداً فردا.. كان هذا التناقض بين خالي علي وزوجته مريحاً ومعوضا.

” وخيي الحاج علي ربي يحفظه حججني”، كان الحاج علي قد قرر الحج، فجاء إلى أخته (اللاي) يعرض عليها أن ترافقه “بنرفع زينب معاي.. تجي معانا؟”، لكن جدتي التي سبق لها الحج بالباخرة رفقة جدي قبل أن تعلن موافقتها وشكرها طلبت منه أن يأخذ ابنتها أيضاً.. كانت خديجة “هجالة” وبدون أطفال.. التفت خالي الحاج علي لخديجة التي كانت تجلس على “المندار” غير بعيدة عنه تخبئ رأسها بجزء من ردائها وتدير رأسها إلى الناحية الأخرى، بينما يجلس هو في وسط الدار على كرسي، ” باهي… تجي معانا”.. كنت أرقب  الموقف، ورأيت يد عمتي خديجة تهتز بردائها وسمعت تنهيدات من ورائها… بكت فرحا.

(خالتي مريم)

“الخالة أم”.

عرفتُ شقيقتّي اللاي، خالتي مريم وخالتي حليمة، وتمعنت في تفاصيل وجهيهما التي تشبهها. ولأول مرة ألحظ أن اللاي لم تكن عادلة بينهما.. كانت تحب مريم حباً جماً لا مسافات فيه، تتهلل ملامحها وتذوب مشاعرها وتتدفق إليها وإلى أولادها وبناتها.. لعل السبب أن مريم تمثل لها نصف حبة المشمش الصفراء الناضجة، تقطن في طرابلس بالقرب من البحر مثلها ومتزوجة من ابن مدينة كما زوجها… لا أدري؟

على عكس اللاي، كانت مريم ضاجة بالحياة، تستقبل يومها بضحكات، مفرطة في مشاعرها، تحتضن والدي بيد بينما تمسك يدي بالأخرى، وتلتفت نحو أمي تقبلها في آن واحد. كان بيتها واسعا، لكنها تفضل الجلوس في غرفة مجاورة للمدخل، تفتح نافذتها الواسعة المقابلة للبحر وهي تستنشق نسماته وتردد ” نسمة من قراجيم الحوت”، كان يتهيأ لي أن بيتها يلطمه الموج لقربه من البحر، وكلما تذكرته هاجمتني صورة الحوت وهو يفتح فيهِ ويرسل من “قراجيمه ” نسمات معبقة بالملح تهب إلينا من نافذتها المنفرجة. حرصت على تعليم بناتها، والدفع بهن إلى سلك التعليم.

بقدر إقبالها على الحياة، كانت رحلتها قصيرة.

ذات يوم كنت في بيت عمتي حين التقطت خبر وفاة خالتي مريم المفاجئ، كنت قد سمعت أنها بمستشفى قريب بعد أن ألمت بها وعكة خفيفة… تركت بيت عمتي المجاور لبيت اللاي مسرعة، قفزت السلالم وأنا ألهث أحمل الخبر السيئ دون أن اشعر أنني أقبض على جمرة سأحرق بها قلب اللاي… دخلت شقة اللاي ووجدتها أمام السفرة المستديرة تتغذى، قذفت إليها بالخبر” اللاي… خالتي مريم ماتت”، رمت جدتي الملعقة، وشهقت وقفزت واقفة وهي تصرخ ” وخيتي وخيتي”، كانت ماتزال مسيطرة على نفسها رغم الوجع، تذرف الدموع وتدور حول نفسها وتبحث عن فراشيتها… شعرت حينها فقط أنني تصرفت بحماقة طفلة في التاسعة، نزلت مسرعة إلى شارع فوجدت أحفادها بانتظارها لنقلها لتوديع شقيقتها مريم وداعاً أخيرا.

(خالتي حليمة)

أحببت خالتي حليمة، التي تشبه إلى حد كبير اللاي. هادئة ومبتسمة على الدوام، تجلس في سانيتها العامرة بأشجار الحمضيات والفواكه، وحدها من عاد من شقيقتيها إلى الساحل بعد أن تزوجت منه وعمرت سانيتها بيديها وأحبت تلك الأرض وأعادت تثبيت جذورها فيها. حديقة غناء، تطعمني من كرومها وتوتها وبرتقالها وبرقوقها بلونيه الأحمر والأبيض ومشمشها وخوخها ولوزها، وحين أعلن لها شبعي، تعبئ الكيس وتقول لي.. ” هذا لكامل يا بنت الغالي”، و لايصل منها إلى كامل سوى سلامها.

(مصطفى وشقيقاه)

وكما هي “تطفطف” عليهم جميعا… تجلى هذا في علاقتها بأولاد أخيها بوبكر بشر المتوفي. توفي شقيقها بوبكر وزوجته وتركا ثلاثة أولاد: مصطفى وعبد الرحمن وعمر. عاشوا ثلاثتهم في كنف جدتهم “حناي حواء”، في بيتها الذي وسع الجميع برضا.. كبر عمي مصطفى سريعاً وتولى شؤون أخويه.. كان عمي مصطفى الحلقة الأقوى في العلاقة ما بين أبناء الحاجة صالحة وبو ستة.. هو في حقيقة الأمر شقيق خامس لهم.. إبن للآي. لم أر في حياتي علاقة وطيدة بين العمة وابن أخيها كما رأيتها بين اللاي وعمي مصطفى.. وهذه العلاقة الوارفة ربطت بين بوستة والظهرة بل امتدت إلى فروع العائلة، فكانت عقدتها عمي مصطفى .. أغصان من أشجار مختلفة تشابكت لأن جذعها تشابك بقوة مع فرعه.. كان مصطفى بمثابة الإبن لجدتي.. يأتي لزيارتها ويصر على أن ترحل معه وتبيت في بيته. ولعل في واقعة ما بالتحديد من معين ذاكرتي ما يدل على هذه المحبة الراسخة.

في الأول من سبتمبر 1969، كنت عند اللاي في شقتها بشارع الشط. ولشارع الشط أهمية خاصة، لأنه شارع يضم مقرات للسفارات و بيوتا للسفراء، ومبنى الإذاعة، لذا انتشر أفراد الجيش بالمنطقة وأمروا بإغلاق النوافذ و”السرنتيات”.. كانت اللاي متابعة جيدة للأخبار، حريصة على الراديو وإذاعة ” الملاحة”، تحب المسلسلات الأميركية ومن بينها “بونانزا” الذي كنت أتابعه معها. لذا كانت واعية للتغيير السياسي الذي طرأ على البلاد، وشغوفة لمعرفة ما يحدث.. صعدت على الكرسي أجاورها، بعد أن فتحت جدتي “السرانتي” قليلاً ثم فتحت النافذة، كنا نتلصص معاً على ما يحدث في الخارج، فإذا بأحد الجنود قد رآنا فصرخ فينا “خشوا وسكروا الروشن والسرانتي”، ارتعبنا ونفذت اللاي ما طلب. كان يوماً صعبا، لم يستعد له أحد. اعتاد إبن أخيها عمي مصطفى إحضار الخبز الطازج بأرغفته الطويلة وقشرته المحمرة من “مخبزه”  إليها كل يومين.. لكن في تلك الأيام فرض حظر التجول، وبات من الصعب على عمي مصطفى الحضور.. لم يتردد عمي مصطفى رغم الأحوال، في المغامرة من أجل أرغفة خبز طازج لعمته، تجاوز البوابات وأخذ المخاطرة… ركب السلالم وفي يده الخبز وقد ناله العرق والاضطراب..”اهي خبزتك ياعمتي”.. تمالكت اللاي نفسها كعادتها وأصرت على دخوله لكنه رفض واستسمح منها عودة لأسرته.. أطلقت يده ورأيت دموعاً تنطلق من محجريها تمكنت بسرعة من مسحها وهي تكسر “قعمورة” الخبز وتقول ” من غير خبزة مصطفى بالله زايد”!

كان عمر وسيماً شعره يميل إلى الاحمرار، عمل بشركة نفط. اقترن بأميركية، أحضرها معه من شمس “كاليفورنيا” إلى حر الساحل، لقنوها العربية وعلمتهم الإنجليزية، وعاشت بينهم برضا، لكنها ذات يوم قررت الرحيل، فرحل معها عمر، ودفن في أرضها.

علاقة والدي عميقة بعمي مصطفى وعمي عبد الرحمن المدير الإداري لنادي الأهلي، الذي كان عند دخوله حجرة اللاعبين يقفون له احتراما.. هادئاً، مثقفاً، يتحدث الإنجليزية بطلاقة، نذر نفسه لأولاد أخيه مصطفى بعد رحيله كما نذر عمي مصطفى نفسه لشقيقيه واحتضنهما ورعاهما بحنان على نسق عمته.. حنان تجلى في العمل وليس القول.

ومايزال هذا الامتداد قائماً إلى حد اليوم.. بعد أن أعتنى عبد الرحمن بأبناء مصطفى، أصبح الأبناء يرتجفون انشغالا وحباً على عمهم.. “يطفطفون” عليه كما “تطفطف” أم بسيسي على فراخها.

(عمتي نفيسة)

لا منبت لعمتي نفيسة في “الساحل”، جاءت من زاوية الدهماني ذات يوم دون رأي، ولا معرفة بمن ستقترن وأين ستعيش، من حي يغفو على ملوحة البحر، ويستيقظ على رذاذه، من شرفات عين الزرزور، ومناداة البائعين، إلى بيوت مترامية بلا أسقف وهدوء توشوش فيه أسعف النخيل، من أصوات نساء تجادل البائعين وتقف على عتبات المباني البيضاء، إلى سكون الأزقة إلا من غبار الأتربة. ورغم كل هذا، أحبت نفيسة عمي مصطفى، ونذرت له حياتها، وجلبت معها نقوش المدينة وأنفاسها اللاهثة وأطعمتها وبهاراتها وحتى أزيائها.

كانت ربة البيت ومدبرته بلا منازع، تملك مفاتيح حجراته و خزائنه وقلوب ساكنيه. “نفيسة يدياتها دهب”..تقول اللاي. فصلت الملابس وأخاطت البدل، ونقشت الحرير وبدل الجلوة، وجففت التمور، وعصرت منها رباً صافيا، وطحنت القمح والشعير وصنعت دقيق الشعير والسحلب، ونقت الحبوب ورحتها وصنعت منها “البسيسة” وتوابل تتلصص من فتحات الأبواب وتغلف فتحات الأنوف. كانت نفيسة تمارس فنوناً دون أن تدري، تنحت خشبا، وتلون، وتزوق بيتها، وتصنع زخارف، وتعكف ساعات ترصع العدس وتفتل الخيوط الملونة وتمزج بينها، كنت أقف ساعات أمام بدلة الجلوة الباذخة بسروالها وقفطانها القطيفة المفتول بالخرز الملون، والياقة البيضاء كلباس أمراء البلاط السلطاني… وفي الأعراس، كان صوتها جميلاً ” اطلعي من حرمة بوك يا معمّرة حوش بوك…” وغناؤها من المدينة وليس الأرياف. حنتها مميزة، وعابقة… حديقتها غناء بأنواع الزهور والنباتات الفواحة، في حين تطغى نباتات الصفصفة وضلف الهندي وأشواكه على سواني الساحل. تتمازج في حديقة “مصطفى ونفيسة” العطور، حتى تكاد أن تشبه ” اللاونطة” التي يأتي بها أبي للاي خصيصاً من باريس، تتنامى نباتات العطر حتى تكاد أن تصبح شجيرات مخضرة في كل المواسم، وتنفش أغصان البرتقال زهورها قبل أن تمتلئ أثداؤها بالعصائر، ويتفتح ياسمينها وتطل على زوارها وكأنها تنادي قطافا.. تتساقط بين أصابع اللاي وهي تهزها وتقول ” آه ما أحلى صنتها”، وعند عودتها من عمي مصطفى، تعبئ يديها بزهور الياسمين والفل، تنثرها بين مخدتيها، تتنفس رئتاها وتحلم بمسقط رأسها الذي لم تعد تنتمي إليه.

لاتعود اللاي في كل زيارة إلا بزجاجات العطر أو الزهر أو الرب..

نفيسة فنانة طرابلسية جعلت من دارتها في الساحل، معرضاً فنياً دائماً وعلى مدار السنين دون أن تدري.. وفي هذا البيت، كانت دروس العطاء والأسرة النواة والصبر وقوة التحمل والتكيّف مع المحيط الجديد والزواج برجل أب لشقيقيه.

“نفيسة بنت ناس وتتحمل”.

شهدت كيف تحب اللاي إبن أخيها كإبنها، وتشتاق إليه، وتفرح بحضوره، وتسعد في إطلالته عليها بامتدادها الريفي الذي لم تعشه وإن اقتربت منه، وتحب زوجته نفيسة وبناتها ووحيدها، وكيف تقضي الليالي عند عمي مصطفى، وسط “الحوش” أمام سفرة باذخة، تمد يديها للغسل دون أن تبرح مكانها، ترشف الشاهي باللوز وتستمع للشكوى والنجوى وتشارك الضحكة واللقمة، وتتبوأ مكانتها الحقيقية وهن يتحلقن حولها ويفرحن لحضورها.

أراها مختلفة… أكثر مرحا، أغنى كلاما، أنشط حركة وأصغر سنا، تتحول من الجدة “اللاي” إلى “عمتي صالحة”.

اللاي

دون أن تعي أو تقصد، ربطت اللاي ما بين الظهرة وبوستة شباك خالي محمد، وعجين عمي مصطفى، ونقوش خالتي نفيسة، و”فازوات” حلوى خالي الحاج علي.. وبشاشة الحاجة زينب بنت خليل، كانت المسافة واسعة ما بين الظهرة وبوستة، لكن اللاي قربت ما بين النفوس.. ما بين جذورها وامتدادها.. ما بين حناي حواء وشعيراتها المحناة، و”اللاونطة” الباريسية على عنق جدتي.

في بوستة عشنا العراقة، ريف طرابلس، السواني والنخيل، البرنصي والهندي، بيض الدجاج العربي الدافئ ومناداة الديك التائه بين دجاجاته، الأزقة المتربة والطوابي، رائحة الصفصفة وحبيبات المطر المنزلقة في وسط الحوش، فطائر السفنز والخبز الساخن، أعواد النباتات الراقصة ورقاب النخيل العالي، أشواك الهندي وحصى الطرقات الضيقة، ضحكات النساء وأحضانهن، تحفظ الرجال وحنوهم عن بعد، مشاكسة الأطفال واختباء الفتيات. ودون أن تُعلمنا، تعلمنا منها أنه يمكن أن تكون مختلفاً وسط أهلك، أن لا تعيش بينهم لكن حنينك إليهم كذبذبات راديو جدتي، يأتي إليك بأخبارهم السارة وغيرها، أنه من الطبيعي أن تتغير وأن تختار أو تتلقفك بيئة أخرى لكن تؤدي فروضك بحب، أن ترتدي ثوباً آخر، وتعقص شعرك بشكل مختلف، تسدله أو تغطيه، أن تزركش المدينة أطرافك، أن تتغير مخارج حروفك، وتتشذب لكنتك وتتلحن نهايات جملك، أن لا تعود لماضٍ وتحب حاضرك، لكن القلب يحتفظ بدفء الأمكنة التي تغفو وتستنهض داخلك، تلك التي وإن تركتها لن تتركك.

ديسمبر 2017

عن عزة المقهور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى