الخيول البِيض

من أعمال التشكيلي جمال دعوب.

( خ )
… في الليالي الأربعين تتجمَّد أطرافك.. تبتعد أصابع يديك عن بعضها.. تصطكُّ أسنانك.. ترتعش شفتاك.. يَزرقُّ لونك.. ويتقلَّص جسدك! نعم.. يتقلَّص جسدك.. حتى أنك تُحسُّ بأنَّ ملابسك غدت فضفاضة بعض الشيء!

في الليالي الأربعين ـــ إذا كنتَ من الذين يستيقظون في الصباحات الباكرة ـــ تجد أنَّ سطوح البِرَك قد تجمَّدت.. إلى درجة أنه يُمكنك أن ترفع ذلك الغطاء الزجاجي بين يديك.

كِبار السنّ في قريتنا يتدثَّرون بعباءاتهم بالقرب من المواقد.. يمتهنون التثاؤب.. إذا أراد أحدهم الإشارة إلى شيءٍ ما.. أشار إليه بالشفة السُفلَى.. حتى لا يُضطرَّ إلى إخراج يده من العباءة! وبين الحين والحين يبحثون بأقدامهم في ذاكرة الرماد عن بقايا جذوة.

( ي )
… الليالي الأربعون موسم من مواسم الحكايات..
ـــ يقولون إنَّ الراعي مسعود قد ذهب بقطيعه إلى الأودية.. فهذا أوان ظهور الخيول البِيض.
ـــ مسكين هذا المسعود.. منذ سنوات وهو يفعل ذلك في عِزّ الشتاء دون جدوى.
ـــ كم أتمنَّى أن أرى تلك الخيول.
ـــ أنا أكثر قناعةً منكِ.. أنا لا أحلم سوى بجوادٍ أبيضَ واحد.
ـــ يقولون إنها خيول كثيرة.. يسوقها سائس بلباسٍ أبيض.. بيده سوط طويل تُسمَع له فرقعة.
ـــ يقولون أيضاً إنَّ مَن يرى الخيول البِيض يُحقِّق كل أمانيه.
ـــ ويتزوَّج بمَن يشاء.
ـــ الخيول البِيض لا يُمكن للنساء أن تراها.
شهقت الأخريات شهقةً جَماعية:
ـــ لماذا؟
ـــ لأنها لا تظهر إلاّ في ليلةٍ واحدةٍ من السنة.. وهي ليلة غير معروفة.. كما أنها لا تظهر إلاّ في الأودية البعيدة.. وقد تمرُّ سنوات دون أن يراها أحد.. فكيف يُمكن للنساء أن تراها؟
ـــ هذا يعني أنَّ رؤيتها تكاد تكون حِكراً على الرجال.. والرُّعاة بالذات.. فهم وحدهم الذين يبيتون في الأودية.
تنهدت إحداهن:
ـــ كم أتمنَّى أن يتزوَّجني أحد الرُّعاة.
ـــ إذا تزوَّجكِ الراعي فلن تكوني في حاجةٍ إلى رؤية الخيول البِيض!

( و )
… إحدى الأماسي الأربعينية.. كانت تُمطِر بلا صوت.. في الحنايا والسفوح تُسمَع شهقات الأرض الخافتة وهي ترتشف دفقات المطر.. في الأحشاء النديَّة كان الربيع ينمو خِلسة.

مسعود يُشعِل النار وهو يُطلِق صيحاتٍ غريبة.. زاجراً القطيع.. أو مُنادياً الكلاب.. حاثّاً إياها على النُباح.. دخان الحطب المبتلّ يتصاعد كثيفاً.. مُقاوماً زخّات المطر.. السيول تُخرخِر مُتجهةً نحو الشمال.. تغيب في المنعطفات.. حيث الأودية تصبُّ في أودية.. غِربان المساء تتشاكس.. تتقلَّب في الهواء.. فرِحةً بالمطر.. وبالعودة إلى أوكارها.. في الأُفق الشرقي ترتسم النَّدْوَى قوساً زاهياً.. يتلاشَى أسفله خلف ذوائب الأشجار.

تكوَّم الراعي بالقرب من النار.. مُصغياً.. كان يُخيَّل إليه أحياناً أنه يسمع صهيلاً أو وقْعَ حوافر.. أحياناً أخرى يُخيَّل إليه أنَّ حصاناً قد نَخَر خلف الشجرة المجاورة.. فيقوم ليستطلع الأمر.. ويُصيخ إلى سكون الليل.

( ل )
… في آخر الليل غلَبه النعاس.. فاستسلم للنوم بالقرب من الجمرات الخابية تحت الرماد الأبيض.. وقُبَيل الفجر.. حينما كان مسعود لا يزال مُستغرِقاً في النوم.. كانت الخيول البِيض تنحدِر مع الوادي.. وقد أخفت السفوح النَّديَّة وَقْعَ سنابكها.

(1996)

عن أحمد يوسف عقيلة

الاسم: أحمد يوسف عقيلة تاريخ الميلاد: 11/8/1958 مكان الميلاد: الجبل الأخضر/ليبيا مجالات الكتابة: القصة القصيرة تعريف قصير: ولد بالجبل الخضر وتلقه تعليمه فيه حتى حصوله على الثانوية العامة، ومن ثم انتقل للعمل. وهو من كتاب القصة المميزين في الساحة الليبية. ترجمت قصصه للفرنسية والانجليزية. إصدارات: 1ـ الخيول البيض.. قصص. 2 ـ غناء الصراصير.. قصص. 3 ـ الْجِراب (حكاية النجع). 4 ـ عناكب الزوايا العُليا.. قصص. 5 ـ حكايات ضِفْدَزاد - قصص. 6 ـ الحرباء.. قصص. 7 ـ غنَّاوة العلم (قصيدة البيت الواحد). 8 ـ قاموس الأمثال الليبية. 9 ـ خراريف ليبية.. حكايات شعبية. 10 ـ درب الحلازين.. قصص. 11 ـ غُراب الصَّباح.. قصص.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى