المصراتي .. مأزق (الدخول من الباب الخلفي)

قد نجد رواسب ما يترجم مفهوم السخرية في الادب ساكنا عند المسافة الواقعة بين الجد والهزل , قارا في عمق دراما الموقف ومفارقاته المضحكة المبكية , اوفي طرافة الحدث ودلالته القوية في الايحاء , وبصورة عامة يستخدم الكاتب أدواته الرامزه للوصول الى اللب عبر سلم من الدلالات يبني عليها وجهة نظره من خلالها , ويقترب من ذلك كله بلغة لها نكهتها ومذاقها الخاص , وتخلق بما يوائم تطورات الحدث نسقا سرديا يستمد دفقه وحيويته من تفاعلات الشخوص مع محيطها دونما نزوع أوتفلت من الاطار العام للفكرة والصورة الفنية ,واذا كان سطوع الومضة الساخرة مرهونة بماهية الحدث وكيفية تقديمه , فذلك يستلزم أيضا استكشاف اللحظة التي يتم من خلالها خلق المشهد الحاضن للفكرة دون الوقوع في فخ السخرية المصطنعة .ولعل فن القصة القصيرة المعتمد على كثافة الجمل ومحدودية المشاهد يسمح بظهور الاشارات الساخرة فيه بشكل واضح , لذلك يبقى أكثر الالوان الادبية احتضانا واجتذابا لهذا الاسلوب.

علي مصطفى المصراتي والدخول من الباب الخلفي.

الكاتب والاديب علي مصطفى المصراتي تمكن الى حد ما خلال سيرته الادبية من نحت بطاقة له على جدار فن القصة , وكون أسلوبه الساخر الذي عرف به وشكل لأدب المصراتي هويته الخاصة , والقالب العام لأعماله يتبنى لعبة الاستدراج والمشاكسة لشخوصه بغية كشف ما يختفي في اعماقها من فضول , وفي المقابل نرى أن ما يشوب تماسك الشكل الفني لقصصه هوالاستطراد الغير مبرر والخوض في تفاصيل تدفع في اتجاه نهايات لاتتوافق ومقدمات البناء السردي , وبقدر ما تبقى شخوص المصراتي متحفزة ومنتبهة , الا أن حشرها في مواضع لا تتوائم وطبيعة مزاجها و سلوكها النفسي لايمنح المجال لادراك مدى قدرتها على التصرف و المناورة , أوكيف يجب ان تمارس دورها بصورة صحيحة كما في مؤلفاته (القرد في المطار ) و(عبد الكريم تحت الجسر) وغيرها ,فهي مشتتة بوقوعها تحت مطرقة الاغلاق وسندان السرد المفتوح ,مايجعل من جسد القصة أشبه بالثوب المهلهل , وهو مايقودنا الى ما قاله الكاتب الروسي تشيكوف (أن الاعمال ذات التفاصيل الطويلة لها أهدافها الخاصة بها التي تتطلب اجراءات أكثر حرصا على الرغم من التعبير الكامل , اما في القصة القصيرة فأضل لك أن تقول مالا يكفي من أن تقول مايزيد عن الحد).
اشكالية الاغلاق اوعقدة النهاية لذى المصراتي نرى نموذج لها في قصة (قداش ها المعلاق) ضمن مجموعته القصصية “صندوق التفاح ” الصادرة سنة 2003, فعبد الصبور بطل القصة يرغب في( شراء “معلاق” من جزار الحومة لأن زوجته الحامل توحمت على طلبت منه ذلك )…( وفي كل مرة يأتي الجزار يتحجج الاخير بأن أحد أعيان الحي اخذ منه المعلاق ),غير أن السرد لا ينحو الى النمط المكثف المختزل , اذ تتكرر الوقفات عند شخصية عبد الصبور في تبيان مزاياها وعيوبها والغوص في تفاصيل حياته اليومية والذي جاء على حساب التركيز في صورة المفارقة الساخرة في الموقف , والقصة تكشف طغيان الانانية وحب الذات والجشع وهو ما تترجمه جل نماذج المصراتي في نصوصه , وهي وان بدت على بساطتها مستكينة للظغوط يبقى الرفض كامنا في اعماقها ونتائجه تضاف الى مكاسب الكوميدياء السوداء كما في قصة ,”مسمار لموسليني” فالصانع الذي تورط في عمل سرج كهدية لموسليني لم يكن له الا خيار الاذعان للطلب , ولأنه يعيش صراعا داخليا مع نفسه المتمردة ,وجد نافذة الهروب من الكابوس في مسمار يضعه في السرج مهمته اسقاط الديكتاتور من الجواد , وفي صورة اخرى يكون للرفض ضريبتة المؤلمة احيانا , ففي قصة (عمك في باريس ) ينتهي الطموح بالبطل الشاب الى عامل بزريبة للخنازير بباريس , قد يكون البطل من النوع الرومانتيكي الذي رسم في خياله عن مدينة الاضواء صورة الفردوس المفقود , ولكنه ينشد وجها اخر للحياة , فهل كانت محاولته مشروطة بالسخرية القاسية والانتقاذ العنيف , وربما تكون الرغبة في تصحيح الخطا تيمة جامعة لنصوص الكاتب الا ان الشخوص لايتاح لها دوما التحكم في مصائرها الدافعة لهذه النتيجة ,فهي مشوشة بالانعطافات المفاجئة , ومعاقبة أحيانا في رحلة البحث عن ذاتها بعوارض الاسمنت.

في أقصوصة بعنوان ( الدخول من الباب الخلفي ) نقف عند اقصر قصة قصيرة كتبها المصراتي في ظني وعنون بها مجموعته الصادرة 2008, حتى انه تخلى عن اسلوبه المطول في السرد , والقصة مباشرة وتكشف شكلا من أ شكال الفساد المؤسساتي في اتباع الطرق الخلفية لأتمام المعاملات الادارية , وهو مافعله بطل القصة عندما وجد نفسه يقف في صف طويل من البشر كل ينتظر دوره في الدخول , ثم ينتبه فجأة لورقة كتب عليها ” الدخول من الباب الخلفي , حيث اتجه للباب الخلفي وحلت المشكلة ” , ولكن مايجعل هناك خللا في بنية الحدث , السؤال الذي سينطبع في ذهن القارئ , وهواذا كان الدخول من الباب الخلفي مرهون بقراءة الورقة فلماذا لم يفعل من سبقوه ذلك . هنا نصل الى هفوات الحبكة التي تتسرب من الكاتب دائما , يشير هنري كابني بالقول ( ان كاتب القصة القصيرة لايبحث الا عن احدوثة هي مثل فقاعة على مجرى النهر , جزء مميز من ذلك عن التيار الرئيس ) , ربما استطاع المصراتي رؤية الفقاعة , ولكن باي زاوية ووفق أي منظور؟ , صحيح أن هناك نشاط ذهني للمتلقي في كتابة النص المفقود للمؤلف ولكن ليس على طريق الدخول من الباب الخلفي.

نمادج الدخول من الباب الخلفي ظلية بامتياز , اذ لاترغب في خوض مغامرات غير محسوبة العواقب , ربما لكونها هامشية ,ولأن قناعاتها لم تتاذى بتشوهات بنية مجتمعية تسربت اليها أعراض الفوارق الطبقية, فجلال عاكف الموظف في السلك الدبلوماسي في قصة ( هل يؤثر ذلك على المعاش ) يرى نهايته متعلقا بمعاش تقاعدي بعد ان قدم نمودجا للاداري النزيه دون مقابل , فيرفض مثلا معاملة مشبوهة لمواطن في مشهد يسوقه النص (اما عجيبة مرة تقول حارس ومرة تقول قلم مرور ,أنت حتى السيارة التي تستعملها للحكومة ), ويرد جلال (هذا موضوع اخر استعملها في المهمات , أنا لا اسافر بها الى قريتي , ولا أتفسح واتسكع بها كما يفعل غيري .. ثم انا قلم مرور )ص105, بالاضافة الى ذلك فهي مقهورة وعاجزة لايساعدها الواقع اوقالبها الذي صمم لها على اظهار كل مالديها فمن الطبيعي ان يسكن القلق عبد القوي سلامة في قصة “مطلوب للمركز غدوة” , قائلا متوجسا في رعب بمجرد استلامه طلب استدعاء (انا راجل ماشي في حالي …. الظل الظل)ص40 , وهو كما يصفه جاره (انت لاتخبش ولاتنبش ) ص39 , ويكتشف لاحقا ان استدعاؤه جاء بطريق الخطأ , والحاج عصفور في قصة (طار العصفور) يرتجف بعد طلب محدثه سليم حليم اخفاض صوته بقوله ( هل هناك وشواش للحكومة .. هل تكلمنا على غلاء الاسعار وتأخر الرواتب ..أنا عمري في حياتي ما تكلمت على وزير .. نشبح فيهم في الصورة من بعيد , هم في حالهم وأنا في حالي )ص137 . .

واذا كان الحدث يأخذ سياقه وتطوره بحسب بنية الشخصية وفهمها لطبيعة مهمتها , وادركنا في الضفة الاخرى ان شخوص المصراتي ليست مستعدة كفاية للامساك بخيوطها وجاء الحدث كنتيجة لهذه الصيرورة , فالابطال مشدودون عن مجال الحتمية المنطقية لواقعهم , مقتادون الى خانة مربكة يتقررفيها مصيرهم وفق رؤية لاهية بالبعيدة ولابالقريبة من ردود افعالها الحقيقية , كما في قصتي ذات المجموعة (البحث عن اسم للوليدة ) ,(خوذة الاسكندر ) , ففي الاولى يتحول مجرد اختيارالاب اسما لوليدته الى غرق في مستنقع لانهاية له في مرادفات ومعاني الالقاب , وفي الثانية يتحصل الهام توفيق زكي على سبق علمي باكتشافه لخوذة اثرية , وتتحول الالماحة الخفيفة الساخرة عن الخوذة الى سجال عقيم يتمطط الى اللحظة التي يكتشف فيها الهام زكي أن خوذته هي لشركة صناعة الخوذات وليست كشفا اثريا ,مرجع الارباك قد يكون الرغبة الملحة في الامساك بخيوط النهاية وفشل الحصول عليها تراجع لصالح وهم الاكتمال , ويبقى السؤال هوكيف يمكن تقييم الاحداث والشخوص تحت سقف النهايات المضطربة.

وبتأمل جل النماذج القصصية للمصراتي لانلحظ لوهم الاكتمال وجودا طارئا اوملمحا عرضيا تقتضيه الضرورة الفنية بصورة معينة , بل كان مسيطرا على روح النصوص منذ بواكير أعمال الكاتب اذ بقيت التقنيات السردية على ثباتها ولم تواكب ملامح فضاء الانماط الحديثة في الكتابة , وظل أبطالها تائقون لهوة في جدار التصورات القسرية , ولا نتوقع اذا أي تحول في ديناميكية الشخصية نفسها كارتباطها بحدث ما سلبا اوايجابا , فقد كانت مرهونة بذكر سيرتها الذاتية فقط .
ويبقى مع ذلك علي المصراتي في كل ما كتب عقاد ليبيا كما وصفه الدكتور مصطفى محمود في كتاب “حكايات مسافر “.. ( اذا اردت أن تعرف شخصية المجتمع الليبي اقرا للأديب علي مصطفى المصراتي ) , وهويحيل بنماذجه ظرفية الزمن الاني الى دوائر مفتوحة من الاحالات الزمنية فعبد السميع الاكتع او”الشاشيد ” كما يصفه في قصة (الميت الذي شتم الحكومة ) يجسد نموذج المخبر الانتهازي الذي (تغيرت الوان واشكال الاعلام والرايات وهو لم يتغير) ص199,ولن يغادر وظيفته (مادام هناك اناس يلعنون السلطة ولو بالهمس) , وتصل سخرية المصراتي من الاكتع مدمن التقارير بأن(أكل الزميتة مع زملائه ووقف معهم على جبل عرفات ثم كتب تقريرا )ص199, فالاكتع هو زكريا بن راضي كبير البصاصين في رواية (الزيني بركات) لجمال الغيطاني , و هومباحث أمن الدولة الذي توسل للروائي نجيب محفوظ ان يكتب له التقارير لانه رجل أمي . وهو الذي يصفه الشاعر احمد مطر ,(فحيثُ سِـرتُ مخبرٌ/يُلقـي عليَّ ظلّـهْ/يلْصِـقُ بي كالنّمْلـةْ/يبحثُ في حَقيبـتي/يسبـحُ في مِحـبرَتي/يطْلِـعُ لي في الحُلْـمِ كُلَّ ليلهْ!.

عن عبدالسلام الفقهي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى