بلاد الكوميكون

إلى أم محمود….

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

تقع بلاد “الكوميكون” على شريط بحري طويل، كثير من سكانها لا يسبحون، تتزاحم فيها المساجد وتختفي مآوي اليتامى والفقراء والمشردين والمعنفات، يتبادل حكامها ألقاب الفخامة والمعالي والسعادة ولا يتبادلون التحايا، يقفزون إلى كراسي الحكم مصادفة، تنتظم فيها الطوابير بالسلاح، يتربى الذكر في حضن المرأة ويعاديها، تنطفئ فيها أعمار شبابها وتتقد سنين كهولها، القاتل فيها ثائرا والقتيل شهيد، تخرّج جامعاتها العاطلين، يشحن منها العسل الأسود ويشح فيها الوقود، يدفيء غازها بلاد الشمال ويصطك سكانها بردا، تبيع ثرواتها وخزائنها مفتوحة وخاوية، تتكاثر فيها المقاهي وتحتضر المكتبات، يصمت فيها الفن ويخجل فيها الرقص، يقيم السفراء إليها خارجها ويلتقي زعمائها على أرض غيرها، مشمسة على مدار العام وبلا كهرباء، قليلة السكان ومدنها مزدحمة، يتضاعف معلموها وتضعف فيها الإملاء، إذا أصاب سكانها سقم غادروها وعادوا اليها في كفن، يجالس رجالها المقاهي، وتدب نساؤها في الأرض باكرا باحثات عن الرزق وحاملات لوزر الأبناء.

في تلك البلاد رجال يعلقون على أكتافهم الأشرطة والنجوم ويحشرون أقدامهم في خفاف بلاستيكية، يختطفون ويقتلون ويبيعون الأنفس ويعذبون ويعتدون بعصي المكانس وأخمص السلاح، لا يستغفرون إلا إذا خسروا، ولا يضحكون إلا إذا أذوا، ولا يكبّرون إلا إذا قتلوا. تأخذهم العزة بالإثم، يستقوون ويزهون بالسلاح، ويتبجحون بالمسروقات والغنائم.

عالم سريالي، أقرب إلى “الكوميك”، حزين في قاعه، يغطيه الماء المالح وحبيبات الحصى، سكانه صبورين حد العجز، صامتين حد الألم، يائسين حد الضحك، منهكين حد الغيبوبة، مكتئبين حد النوم.

في بلاد، الحلم فيها جريمة، وتفاصيل العيش تهمة، والحب ذنب، يعيش شاكر ورفاقه ككل البشر يحلمون ويعيشون يومهم ويحبون.. ولكن….

حاتم

تقاطعت دراسة حاتم مع الثورة، فحملته في طريقها كورقة التوت وألقت به في إحدى المعسكرات. كان في البداية فرحا بالوقوف عند البوابات يستمع إلى دعاء النساء وتشجيع الرجال ويرى من خلال الزجاج ابتسامات الفتيات المحتشمة، لكن شيئا فشيئا انقلب الدعاء إليه عليه، وانكسرت نظرات الرجال أمام بندقيته، ورأى الرعب في عيون الصبايا. نظف حاتم بندقيته، لفها في قطعة قماش وسلمها إلى أمه.

“دسيها ما عاش نبي نشوفها ولا نبي نعرفها وين”.

عاد حاتم إلى ملابسه، ارتداها على عجل وكأنه يعيد نفسه إليه، نزل إلى الميادين والشوارع، يحمل اللافتات، وينقر الادراجات على صفحته، وينتقد كل مسلح تجبر وتكبر في كهوف رطبة حيث يتأوه البشر.

زار المخيمات، وشاهد كيف انتزع الجريد من نخيله، كيف أصبحت التُميرات حشيفا، وكيف بترت أطراف الطفولة وثبتت مكانها أطراف اصطناعية. كيف أن مدينة بكاملها غادرت الجغرافية، ولم يبق منها ذكرى إلا في كتب التاريخ. هرب السكان ذات ليلة.. تركوا كل شيء…أكواب الحليب المسكوب وابريق الشاي المحروق، والتلفاز يصدح دون متفرج، والنوافذ مشرعة دون أن يكون هناك من يغلقها ليلا، والأبواب مواربة دون أن يطل منها الجار ويتنحنح، و صفحات الكراسات البيضاء تجاورها الاقلام دون أن تخط فيها، والحقائب الدراسية خلف الباب دونما يد ترفعها، وأكداس القمصان إلى جوار طاولة الكي مجعدة، ومقص ومشط وقنينة زيت مفتوحة، وعلبة معدنية بها حبيبات “الوشق” وطنجرة خالية، وصحن على مفرش على الأرض تبعثرت حوله الملاعق، وسلة خبز خالية وقطع خبز مرمية.. غادروها في ساعات، وأصبحوا نازحين في مخيمات. يتحدثون مثل حاتم تماما ولا أحد يسمعهم، فصمتوا وبكوا، وكثيرون منهم رحلوا.. فَهَمَ حاتم أن المدن بشر، حين يهجرونها يُرمى بها إلى التاريخ!

سمع وقائع مهولة أثقلت قلبه، وبعثرت نفسه، وأغشت الصور بصيرته ، فازدادت نقراته على حاسوبه…

“نبوا جيش ونبوا شرطة، بلادنا راهي في ورطة”..

أحس الجميع بالورطة إلا هم الغارقون حتى ركبهم في الوحل، المهرجون الجدد في قاعات الحكم، ومصاصو دماء السكان الذين أحالوهم إلى أعواد قصب جافة صفراء تهسهس في الحقول ظمأى، تنتظر غوثا من السماء.

يجوب حاتم الشوارع، يرى البؤس يقترب ببطء كالخنافس لا تضل طريقها، يحذر من يوم تهمد فيه أصوات المدينة وتنطفئ أنوارها ويعطش سكانها ويمدون أياديهم إلى جيوبهم فتخرج هزيلة وخالية.

يحذر من يوم يغادرون فيه الجغرافيا كما غادرها قوم من أهله مجبرين.

لم يصدقوه، وصدقوهم…

حين زحفت الخنافس بهدوء وإصرار بأرجلها الضعيفة إلى المدينة، أدار حاتم صنبور المياه فسمع خدوشا جافة، أضحى زر الكهرباء ديكورا، ورأى قطع الخبز تنكمش، وحمام الميدان مذعورا وجائعا، وحفر المجاري بلا مغاليق، والأطفال يجمعون غطاءات قناني البلاستيك، والرجال يشتمون أنفسهم والنساء تستغيث. لم يفكر حاتم لحظة في العودة إلى بندقيته، انزوى وبكى كثيرا، رأى الأفق يضيق ويقترب والمدينة تختنق، ونفسه تتسارع وهو لا يتحرك، يأكل فلا يشبع، يشرب ولا يرتوي، يسير ولا يصل.

في ذلك اليوم، في بلاد الكوميكون حين ألقي القبض عليه، كان حاتم ينظم مظاهرة على حافة المدينة قريبا من البحر، غادر وهو يلتفت إليها كما غادر كثيرون قبله مدناً، رأى المدينة تحتضر وتشهق شهقاتها الأخيرة، تذكر حينها وصيته بندقيته المخبئة لدى أمه التي لم يعد إليها.

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

هالة

غيرت الحرب كل شيء.

الحرب ليست قذيفة أو رصاصة، هي حالة يتشبث فيها الإنسان بحده الأدنى، كنبتة خريف على حافة الموت، كلحاء شجرة متشقق، ومحجرعين ساكنة. يفقد فيها توازنه فيرتعش كإبرة بوصلة لا تستقر، ينتفخ بالهواء وينزح من الماء، إن نام لا يحلم وإن استفاق لا يتأمل. ليت الحرب مجرد سباب أو كلام قبيح، ليتها صفعة أو بصقة على الوجه، ليتها دهسة سيارة لا تقتل أو حتى عمود نور تتعرى اسلاكه في المطر فيصعق دون أن يردي، أو مرض يشتد ولا يصرع.

أن تموت في الحرب ليس كأن تموت في مكان آخر، جثة منتهكة، متفحمة، مجهولة، معفرة في الوحل، معذبة، مجتزءة الأطراف، محزوزة الرأس، بقايا أشلاء مختلطة تلملم لشخص، أو توزع بين أشخاص .

الحرب هي فقدان الإحساس بالزمن فيخر المستقبل أمامك، أن تُقنع نفسك بإنتظار معجزة فتتوقف عن الحراك، والأسوأ أن تستسلم للماضي وتجتره فتعيش فيه، الحرب بإختصار أن تعيش وسط الأهوال وتعتادها لا تشهق ولا تحزن ولا تطرق نومك الكوابيس، أن يكون أنينك داخلي كجرس الدواب، وأن تتوقف عن الحلم.

غيرت الحرب كل شيء في ما تبقى من حياتها، حتى لحظات الحرية التي فلتت من تلصص الفضوليين. لأول مرة تشهد هالة كيف تتبخر الآمال كالكحول، وتجف الأحلام وتنكسر كأعواد الشتاء، كيف تشيخ روحها وتثقل كظهر جدتها الذي أعياها حمله.

لم تعد هالة تشعر برعشات أشعة الشمس تدغدغ جفنيها كل صباح، تفتح عينيها وتديرهما كمحرك سيارتها في الشتاء وتنهض ببطء تقاوم السرير وتبدأ يومها وهي تنتظر أفوله.

تخطت هالة الأربعين بسنوات، إبتسامتها عذبة وسط تقاطيع متوسطة الجمال، مظهرها محافظ لكن أفكارها حرة كطائر يكتشف السماء، و تقدم سنها دون زواج لايعنيها.

قبل الحرب كان زمن آخر، عشقت هالة عملها، تلقي ببالطوها الأبيض على كتف الكرسي المجاور كي يراه المارة أو شرطي المرور أمام مدخل المستشفى “تفضلي دكتورة” وتستمع لأغاني “محمد حسن”. تقفز درجات وتسرع في الممرات، وتنهمك في غرف العمليات، وتسحب بيدين خبيرتين المواليد من رحم الأمهات… “مبروك المزيود..” وهي التي تجاوزت الأربعين دون أن يطأ جسدها رجل أو يمتص رحيقها طفل.

يصدح محمد حسن من مسجل سيارتها “مطلوق سراحك ياطوير.. وين ما تريد اتعدي عدي.. وين ما تريد تهدي هدي”.. تردد هالة كلمات الأغنية بصوت عال حتى ترتطم بزجاج السيارة وتقع على حجرها في كل مرة…لايهمها ما يدور خارج سيارتها وحجرتها وعيادتها.

في أيام الثورة، هرّبت هالة الأدوية وضمادات الجروح وأسلاك الخياطة إلى معاقل الثوار، وانتظرتهم وخرجت إلى الشارع تصفق وتقفز..شعرت أنها طبيبة الجميع في مستشفى واسع سيتعافى كل مرضاه، فإذا بالعدوى تطالها.

أطلقت هالة لأفكارها الحبيسة العنان، علا صوتها وضحكت وفتحت نوافذ سيارتها لتصدح منها أغاني الثورة.. لكنها ترددت ثم أحجمت عن سماع أغاني محمد حسن. حتى لحظات الحرية المكتومة في سيارتها قُمعت، لم يعد لكلمات محمد حسن أن تنساب حتى من فم المسجل وتصطدم بنوافذ السيارة.. شعرت بخلل ما.. شئ مقلق ترفض أن تراه.

“يسلم عليك العقل.. ويقولك نبيك…. ويقولك نبيك، أما خطاوي الرجل، صاعب عليها تجيك..صاعب عليها تجيك”.

حين اقتحم المسلحون غرفة الانعاش واردوا جريحا قتيلا.. تمددت بقع الدم على الشراشف حتى ماعادت قادرة على امتصاصها فتساقطت وتتابعت وتجمدت على البلاط ثم خطت مسارها عنوة تحت عجلات الأسرة المتنقلة. كانت ترى العجلات الصغيرة تسحق دماء القتلى بعد أن سحقت رؤوسهم رصاصة في الرأس. انقبض قلبها حتى ماعاد قادرا على ضخ الدماء التي تولى المسلحون سكبها في كل مكان كمجاري الصرف الصحي.

في ذلك اليوم، في بلاد الكوميكون، جلست هالة بمحاذاة شاطئ البحر، حين هاجمها رجلان بمسدس ودفعا بها عنوة إلى سيارة تويوتا عالية.

بعد يومين، عادت هالة إلى المستشفى، ببالطو رث، ونفس مكسورة، ورأس مدلى كعرف الشتاء اليابس، وعينان تنظران إلى البلاط تبحثان عن بقع الدم.

محي الدين

وسيم، وطويل، وانيق.. صفات ثلاثة تقتفي أثر محي الدين حيثما حل.

حين يمد محي الدين يده لتناول كتاب، يجذبه برفق من عنقه، يربت عليه بحنو، يمسح بيده على غلافه، يمعن النظر في عنوانه واسم كاتبه، ،يفتح دفتيه، يمرر أصابعه ما بين أوراقه، يبتسم وهو يقرأ حروفه حتى يرتخي جسده ويتمدد وينفصل بالكامل عمن حوله.

“هذا يركبه جن لما يفتح كتاب”.

لا يعير لتعليقاتهم اهتماما ولا يستغرب أن يكون جنيّ أو جنيّة تتقمصه.. أليس قرض الشعر نوعاً من الجنون؟

آمن محي الدين بالتغيير، تاق وسعى إليه.. لظم كلمات تصف الظلم، وتغازل الحرية، وتبجل العدالة.. نشر بعضها وخبأ أخرى. شعر بالخوف وسار على حافة الخطر كلاعب سيرك على حبل رفيع لكنه أبدا لم يقع. حذره بعض من أركان النظام بتهدئة كلماته بجعلها مثله جميلة وطويلة وأنيقة، اقترحوا عليه أن يكتب في الغزل والنساء وحتى الخمر واللهو.. أن يكتب كلمات اغانٍ تدر عليه دنانير وتؤمّن له أزقة نحو الشهرة والحياة المرفهة.

حين هتف الشباب بالتغيير، رمى محي الدين الكتاب، وارتجل شعرا ألهب الحماس، ونظم كلمات أدمعت العيون، وحمل على كتفيه صورا لتشي غيفارا.

بعدها اعتقد محي الدين أن طريقه سالكة ولم يعد بحاجة إلى الأزقة، لملم أوراقه، طرق أبواب دور النشر آملاً أن تتحول كلماته إلى أحرف مطبوعة بين يدي قارئ، كتاب يستلقي على رف مكتبة، أو صفحة بكتاب المطالعة. بات يمشي بظهر قائم وصدر مفتوح حتى نطقت وسامته شعرا، وأضيف إلى صفاته الثلاثة “الشاعر”. ألهب بكلماته المئات المتجمعة في الميادين، حمل ناقل الصوت بثقة وألقى شعره مباشرة إلى جمهور عطش لما يغذي فؤاده وعقله.. لكن الأفئدة تختلف ومن العقول ما هو مغلق أو نصف مغلق.

لذا، حين نشر نصوصه في كتاب، وقف أحدهم يتهمه بالإلحاد والكفر وازدراء الأديان وتبعه آخرون وكانوا كلهم ملثمون، يتحدثون بلغته لكنهم لا يفهمون كلماته، بل طوعوها إلى كلمات ليست له…

في ذلك اليوم، وقف محي الدين على شاطئ البحر، حاملا حقيبة ظهر بها نسختان من كتابه، مرتديا سترة بلاستيكية منتفخة، دخل وهو يتأرجح بساقٍ تلو الأخرى إلى مركب مطاطي، جلس بصعوبة ما بين الجالسين يتمتم بآيات قرآنية ضلت أذنه التي غلفها صوت المحرك، تنفس بعمق رائحة الديزل التي لوثت ملوحة البحر وتركت لوناً بنياً خلف المركب.

من يومها لم تطأ كلماته أرض بلاد الكوميكون، ولم تصل إلى أي أرض أخرى، لكنها انسكبت في البحر كما انسكب بشر عديدون.

عادل

عشق عادل كل ما هو “طلياني”، مهووس بفريق كرة “الميلان”، يحفظ أسماء لاعبيه حتى الجالسين على “البنكينة”، ويعلق صورهم على حائط غرفته، يتابع مباراياتهم ويحفظ حركاتهم الرياضية عن ظهر قرب ويتفنن في تقليدها.

تعلم اللغة الايطالية عبر البرامج الرياضية، وتفنن في إعداد أكلات السباجيتي والبيتزا والكنيلوني والرافيولي والريزوتو..

ترك مقاعد الدراسة، وكان حلمه أن يفتتح مطعما صغيرا في زاوية بأحد الشوارع القريبة…ولمبتغاه التحق بالعمل في أحد مقاهي المدينة ونبغ في إعداد اكواب “الكابتشينو” حتى أطلق عليه أولاد الشارع “عادل كابتشينو”.

يضرب عادل حبيبات القهوة النسكافيه في كوب بالملعقة جيدا، يضيف إليه شيئا من الماء الساخن ويعيد الضرب لدقائق ثم يسكب عليه الحليب الساخن، فينتفش وتتصاعد على وجهه رغوة بلون بني مخفف. بعد أشهر تعلم عادل إعداد الكابتشينو بآلة استوردها صاحب المقهى من إيطاليا. يتلذذ عادل بصوت زفير الآلة وهي تنفث البخار الساخن في “البكرج” بسرعة يدور معه الحليب حول نفسه بقوة حتى يفقد وعيه ويكون رغوة. يستمتع عادل بالصوت وبرؤية الحليب وما يؤول اليه.

“طلاينة وصنعتهم”… يردد عادل وهو يضرب مصفاة “الاسبريسو” .

لم يشارك عادل في الثورة، لم ينشد تغييرا ولا يهمه الأمر، كان همه وهدفه افتتاح مطعمه …”نبيه في الشوكة ياجماعة” يردد بتصميم وهو يقف في زاوية شارعين، موسعاً ما بين ذراعيه.

انتعش المقهى وتمكن عادل من جمع رأس المال، وحقق حلمه وافتتح المطعم في زاوية يتقاطع فيها شارعان لحيين مختلفين. جعل عادل من المطعم ايطاليا مصغرة وعلق على الحائط صور اللاعبين، وأعلام النادي وإحدى قمصانه، كما وضع شاشة تلفاز كبيرة لنقل المباريات.

حياة عادل مرتبة لكنها ليست رتيبة، فهي تعيش بين مكانين وزمانين وثقافتين، لا يرى في إيطاليا المستعمر ولا يرد الأمور إلى وقائع تاريخية ولا يستخدم السياسة أبدا لتفسير الأحداث، ما يهمه هو ما يطبخ وكيف “يتكتك” لاعبو الميلان الكرة، يصيح ويمسك برأسه وهو يتابع المستديرة تتجه نحو شباك فريقه، ويخبط على الطاولة ويرفع رأسه ويتضرع إلى الله وهو يقبض بيديه على “فانيليا” الميلان المخططة حين يراها تنزلق في اتجاه مرمى الفريق المقابل.

في ذلك اليوم، في مدينة الكوميكون، وبينما كان عادل يرفع الستار المعدني لمطعمه مصدرا صوتا مزمجرا، كانت قطعة مستديرة أخرى تتجه نحو رأسه على حين غرة، لكنها معدنية، صفرت تحت اذنه واستقرت في جمجمته.

“رصاصة طايشة” صرخ المارة… وإن كانت طائشة لكنها كانت قاتلة.

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

نهلة

عينا نهلة خضراوان كزرارين يشعان في العتمة، أما انفها فكان منمنما ومدببا كنصل سعف النخيل، وعلى وجهها حبيبات كالصنوبر. تدور حياة نهلة ذات الثامنة عشر ربيعا بين علب البسكويت والحلوى المليئة بعدة الخياطة. لعبت صغيرة بالأزرار وحبيبات العدس والخرز صنعت أشكالا من الأقمشة والأزرار. قبضت نهلة في سن صغيرة على المقص وتعلمت مسؤولية استخدامه وبرعت فيه، ثم في فترة لاحقة تعرفت على المجلات الأجنبية المعنية بالتفصيل والخياطة. وحين حل عليها جهاز الحاسوب وصندوق العجائب الأسود الصغير ذو الأضواء الخضراء كعينيها، انتقلت وهي على كرسي في غرفتها إلى كل دور الأزياء وتعلمت دروسا في الخياطة على اليوتيوب.

ومن ذلك الصندوق دخلت عوالم أخرى، الانستغرام والسناب تشات والفيس بوك والتويتر. طارت على ذبذبات ذلك الصندوق وفي يدها أكثر من مقص وفي حضنها آلة خياطة، وباليد الأخرى ورقة وقلم تخط بها نساء رشيقات بملابس أنيقة….

عندما قامت الثورة، كانت نهلة ما تزال تجلس إلى جوار أمها تلعب بالأزرار وتصنع عرائس قماشية، لكن الصندوق ذو الأضواء الخضراء، أشعل عينيها وفتح لها عوالم أخرى.

غامرت نهلة ودخلت عالم التصميم، رسمت وفصلت وخاطت، وتجاوزت هذا كله لتصبح عارضة أزياء، ترتدي صناعتها وتلتقط الصور أمام معالم المدينة.. سرت الصور في العالم الافتراضي سير الكهرباء في الأسلاك.. وكلها جسد بلا رأس، كانت كالنعامة التي تدفن رأسها خارج الصورة كي لا تفصح عن هويتها..

لكنهم عرفوها، تركوا التصاميم والتفصيل ومهارة اليدين، والوقفة الرشيقة والأقمشة الحريرية الناعمة، لم تهمهم أياما واصلت فيها النهار بالليل، تتحايل على المارة والعابرين، تختار التوقيت الذي تخلو فيه الشوارع، تستظل بالسرايا والكورنيش وقوس ماركوس، و”الجلاريات” وسط المدينة، تعدل آلة التصوير تضبط الزوايا، تقف.. تتألق.. تأخذ نفسا، تسمع “كليك” الكاميرا وهي تقتنصها.

في بلاد الكوميكون همهم الرأس المقطوع..كانوا كمن يلعب الكلمات المتقاطعة أو احجية الصور المقطوعة، لم يهدأوا حتى ركبوا الرأس على الجسد، عرفوا اسمها واسم أمها وأقاربها ثم عنوانها.

“تقلد في الأجانب”..”ناقصنا غير عرض الأزياء” “ثقافة دخيلة” “ظاهرة هدامة”..

في ذلك اليوم، أقفلت أمها على علبها المعدنية وتوقفت عن لظم الأبر واودعت المقصات درجا عاليا، أما أبوها فقرر لها أقصى عقاب بأن جردها من حق الوصول إلى ذبذبات الصندوق ذي الإضواء الصغيرة البارقة…

تقلص عالمها حتى انغلقت على نفسها أو أغلقوه عليها، أنطفأ الأخضر في عينيها حين أطفأوا الجهاز الصغير ليحول عالم الذبذبات البرح إلى حجرة في شقة في عمارة في زقاق في بلاد الكوميكون.

دعاء

فتح الفن أبوابه لدعاء ولم تفتحه هي. سليلة عائلة فنية، الأب تشكيلي والجد خطاط، لم تنبت نبتة لكنها منذ البداية كانت شجرة. ترسم في صحوها ونومها، ترى الجمال في البرتقالة، في لحاء الشجر، في قطع الزجاج المصقولة على الشواطئ، في الزلط وقطع “الجليز” المرمية في أزقة المدينة القديمة، في الصناديق الخشبية والمعدنية، في معدات الأعراس، في زخارف المباني والشرفات والأبواب والأقواس وأنواع الخط والكتابة، في خطوط الأردية وزخارف “القمجة” و”الفرامل”، و”الرقبة”، و”المريول”، في قطع الفضة وعقود الذهب واللؤلؤ والدبالج و”السوارات” و”الخلاخيل” و”الشناقيل”…في “خميسات” المولد ونقوش الحناء، في طرق النحاس ورائحة الجلود المصبوغة.. مدينة قديمة تعج بالفنون والزخارف التي لا يراها إلا القلة، وهي منهم.

لم تلمس التغيير الذي طرأ على البلاد ولكنها تنفست حرية ، ومع فقدان سنوات عمرها فقدت المدينة الكثير، لم تشعر بها وهي تتحول شيئا فشيئا إلى بلاد الكوميكون.

أقامت دعاء معرضها الأول صحبة شباب آخرين، تحولت حيطان القاعة الباهتة إلى أضواء وظلال، سرت همهمات واتسعت عيون وتقوست الحواجب إعجابا. كان على هذه اللوحات أن تبقى، شاهدة على الحرب ولبنة للسلام، كان على الخطوة أن تتبعها أخرى، فأستأجروا قاعة مهملة مكانا لصناعة الفن وتعليمه.

بإلتفاتة واحدة في تلك البلاد، ينطق الحجر فنا.. ومايزال رغم القاذورات التي تلطخ زخارف الجدران، رغم المباني الآيلة للسقوط، والشرفات التي ترهلت وفقدت قطع منها، والأشجار المقتلعة، والبحر الذي بات مكبا للصرف الصحي وجثث المهاجرين… رغم الغلاء الذي طال عدّة الأعراس وقلل من تفاصيلها، لتطلى حلي الفضة ذهبا…والمدينة التي فقدت بالتدريج الكثير من بريقها، إلا أن دعاء وآخرين مثلها شعروا بإنطفاء الوهج وأرادوا له أن يقاوم..أرادوا النفخ في الجذوة علها تشتعل.

ذات يوم، اقتحم القاعة مسلحون، منهم من كشف وجهه وأخرون ملثمون…

صرخ أحدهم..

” شني ولاد وبنات… معيز وضان”؟

“يا والله حاله؟ “

“وين اماليكم”؟

هرول الأهل، أبناؤهم وإن كانوا من جيل الحرب، لكنهم يقاومون الظلام بشمعة، والجهل بكلمة، والخوف بخطوة، والإهمال بريشة، والإزدراء بلوحة.

” ممنوع الإختلاط، احني مش أجانب، ما نسمحوش بالعلمانية والماسونية وعبدة الشيطان والتشبه بالغرب”.

أبت الكلمات الخروج، وخانت الأصوات التعبير، وتركزت النظرات على بنادق ومسدسات تتدلى من أعناق على شفى الإنتحار وتعيش سكرات الموت. كيف لوجوه معفرة، وشعور ملبدة، وأفكار صدئة، وأصابع لم تضغط على قلم ونظرات قلقة لا ترى حتى الزخارف على الجدران، ولا تميز ما بين الأشجار أن تتبادل حديثا أو أن تفهم. في ذلك اليوم كانت دعاء ورفاقها زهوراً موسمية تنبت على حواف الطرقات، تدهسها السيارات الف مرة في النهار، ويغطيها “القبلي” بالغبار، ويقتلعها الأطفال بلا سبب…

وحين همّ والدها بالكلام.. قاطعه المسلح..

“يا حاج، الفرخات بروحهم….والفروخ بروحهم.. هذا آخر كلام”

في اليوم التالي، فوجئت دعاء ورفاقها بقفل كبير يخنق سلسلة على الباب، منعهم المؤجر من الدخول واسترداد لوحاتهم.

“قاموهم أمس كلهم…بيحققوا معاكم راهو.. أنا ما خصنيش”

لم يكن يهمهم سوى استعادة لوحاتهم، وشعر كل منهم أن لوحته هي تهمته، ولأنها دليل فلا بد وأن يحافظوا عليها وهو ما أراحهم لوهلة.

مازالت دعاء تسبر أغوار الجمال لمدينة شاخت وفقدت الذاكرة…تلملم قطع الزجاج المصقول من الشواطئ والزلط وقطع البلاط المزخرفة، تمرر يدها على الأردية الحريرية الموشاة بالفضة وتلمس قطيفة الفرامل، وما تزال تنتظر استدعاءً بالتحقيق علها تستعيد لوحاتها.

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

شاكر

شاكر هو “نحول” رفيق النحلة “زينة”، هو “سندباد” المغترب، و”ريمي” الحزين، و”بشار” الباحث عن أمه بلا هوادة، هو خليط من كل تلك الشخصيات دفعة واحدة… لذا أحبه الجميع.

تشبه حياة شاكر الرسوم المتحركة … تلك التي يعتقد الكبار انها تضحك الصغار لكنها في الحقيقة تحزنهم حد الألم.. قصص اليتم، والفقر، والإغتراب، وسوء المعاملة، والخوف، والهاجس، و حتى الدموع.. شاكر هو “دامبو” الفيل صاحب الأذنين الواسعتين الذي قتلوا امه أمامه وأجبروه على الاستعراض في السيرك ودموعه تتساقط، والجمهور يصفق له بحرارة… ما أتعسها من لحظات.

شاكر مثلهم تماما.. لكن شاكر اليتيم الفقير الخائف الحالم المتوجس، كبر وهو يعيش مآسيه في بلاد “الكوميكون”. كل التغيرات في حياته سلبية إلا واحدة…الرقص على موسيقى الراب. أتقنها حتى لقب “شاكر الرابر” وأصبح له جمهور ينتظره كل خميس على كورنيش البحر… شتاءً وصيفاً ينسل بينهم وهو يغطي رأسه بطاقية الجاكيت القطني الرمادي ” أهو شاكر الرابر” .. يدور دورتين حول نفسه، ثم يترك لجسده العنان، يتحول إلى حية ترقص على نغمات الساحر الهندي، ينسى نفسه ويرمي بها إلى أحضان الإيقاعات العالية والكلمات المغتاظة الرافضة للظلم والذل والهوان والخوف والفقر والجهل واللامساواة… هو لا يرقص لكنه يبكي.. لا يعرف المشاهدون والمشجعون كيف تبكي الأجساد في بلاد الكوميكون، يعتقدون أن البكاء صوت.. أنين أو دموع فقط.. لكن شاكر يبكي بجسده بيديه الملتوية وقدميه المنفعلة المتشنجة وبكامل جسده في حركات كموجات التسونامي التي تلفظ بها الطبيعة في لحظات غضب عارم.

مات والد شاكر باكرا، طرد أعمامه أمه وأبناء أخيهم من بيت الجد بحجة انه للورثة.. انتقلت أمه بحقائب ثلاث وابناء أربعة إلى بيت أختها في مسكن حديدي متنقل لشركة هجرت المكان في بلاد الكوميكون. تتقاضى والدته الممرضة خمسون دولارا شهريا، تصرف ربعها في سيارات الأجرة.. تغيب ليلا في نوبات ليلية وتواصل نهارها تتزاحم واياهم في “التريللا”.

تغيرت كلمات أغاني شاكر بعد الثورة لكن صخبها وايقاعها ظل على حاله.. كل خميس على الكورنيش.. يطل شاكر هيكلا متحركا كأنه انسان آلي.. كثيرا ما يفكر شاكر في أن سكان بلاد الكوميكون ماهم إلا آلات تمشي بعقول معطلة… يبتسم، يخرج نقاله ويكتب في صفحة الملاحظات،

“حب للنهاية مع بعض ديما قراب/ وعدني هيكون معايا اليوم فص ملح وذاب

خلاني في العذاب كان في حبه كذاب/ عيشني قصة حب عنوانها سراب

في القلب خلا جروح خلا دموع خلا عبره/ إسمع مني القصة وخوذ منها عبره”

ثقلت هموم شاكر كحال كل شباب جيله.. ألقت الحرب بشباكها عليهم أعاقت حراكهم وسجنتهم في مربعات سوداء.. كل شيء بات صعبا.. حتى كلمات أغانيه، تخرج مثقلة مهمومة صدئة حارقة نازفة … تخرج بحروف ناقصة ونقاط هاربة ونهايات حزينة.. جيل متعب عليل منكسر في شبابه.. لا ريعان ولا ريحان.. شوك وسموم وموت واكتئاب.. فقر وأرق ومستقبل غمام. لا تنتهي بلاد الكوميكون كسائر البلدان بأفق.. لكنها تنتهي بدخان ورصاص وحرائق وتفجيرات… حدودها خط أسود يقترب بتمهل غريب يشي بنهايات مفزعة.

في ذلك اليوم، أنهى شاكر وصلته، حمل المسجل ومكبر الصوت، واتجه نحو الطريق باحثا عن “ايفكو” يحمله إلى كامبو الشركة التركية. على بعد خطوات كانت سيارة بيضاء عالية تنتظره كتب عليها ” جهاز مكافحة الظواهر الهدامة” ، انسل منها ثلاثة مقنعين بقناع أسود، اتجهوا نحوه، لم يرهم، كان مشغولا بترتيب كلمات جديدة لأغنية قادمة.. أمسك أحدهم ذراعه، اختطف الأخر مسجله ورماه أرضا، وصوب ثالثهم مسدسه نحو بطنه…

“أركب يا ملحد… صار رقص وراب…. أركب يا….”

تألم لركلة على مؤخرته.. لكن الألم خلف مرارة في كل كلمة وجهت إليه… عرف شاكر آلاماً كثيرة لكنها المرة الأولى التي تبع فيها الألم مرارة تجرعها حتى فاضت في نفسه وسدت حلقه وعطلت تفكيره… سمع من السباب والشتائم ما جعل آلي الراب ينحني وينكسر في مذلة بمذاق مر… مر.

حين كشفوا رأسه بعد أن نزعوا غطاءه وقهقهوا، عرّوه.. أصبح بلورا لا تغطيه بطاقة ولا جواز سفر ولا تاريخ ولا مكان ميلاد.. لا أب غَادَر ولا أم تكدح ليلا.. ولا خالة توصد كل ليلة باب “التريللا” بطاولة.

صرخ غضبا وليس ألماً وهم يجذبون شعره الملفوف في شكل دائرة…” يا بنية.. مطول شعرك… هههههههه” ” انت شني بالزبط… يا….”.

اعتنى شاكر بشعره وأطاله لسنوات، تفنن في مشطه ولفه، يرى فيه ملخصاً لحياته كل خصلة فيه قصة، كل التواءة لكمة، وكل شعرة شاردة قرار، وكل شعرة ساقطة كلمة.. شعره أغاني، يشهد على حركته ورقصه.. يتعلق به ولا يتركه في قفزه والتفاتاته وانزلاقه.. وفي الليل يتوسده وينام عليه.

تهدده أمه بشعره “والله نريشهولك” كان يضحك.. لكنه اليوم عرف معنى “نريشهولك”. لم يقصوه.. بل أتوا بآلة الحلاقة وغرسوها فيه..جزوه، قطعوه، نحروه، فصلوه عنه، والأسوأ أنهم عبثوا به… ثم ركلو شاكر داخل الزنزانة.

لم يبكِ شاكر هذه المرة بجسده، لكنه بكى كما يبكي الناس.. كما تبكي أخته الصغرى فيضحك عليها.. بكى بصوت.. ببحة… بأنين… بشهيق… بكى كما تبكي أمه وخالته وأولاد الشارع وأصحابه حين تتركهم صديقاتهم.. بكى مثلهم، ولم يبكِ كما كان.

تحسس رأسه ببطن أصابعه ببطء ورفق، فهاله ما شهدته يده… كان كقطعة خبز تلهى بها كلب ولاكها ثم لفظها… خدوش وجروح ودم، و أيضا فراغات وبعض الشعر الذي وقف وعاند وبقى.. وليته لم يبقى.

في اليوم التالي، فتحوا الباب وطردوه.. لم ينادوه باسمه، لم يسألوه عن أمه، عن “التريللا” عن حياته التي يرممها بالغناء، لم يربتوا على كتفيه ويستمعوا إلى كلماته…. لم يصفقوا لحركاته ورقصه.

منذ ذلك اليوم حرص شاكر على ربط غطاء رأسه حول رقبته بخيط يتدلى، ارتدى نظارات سوداء، وتوقف عن الرقص حتى يعود شعره إليه.

يتمتم شاكر…

“في بلاد الكوميكون..

خليها على ربي عايش مظلوم ومغبون

خليها على ربي

حياتي تكون حلوة متمني

خليها على ربي

وربي ما يخيب لي ظني

خليها على ربي

شفت الناس تتمنى في حياة جديدة

فيها العيشة تكون حلال

وما نشوفش فيها خناب

ولا سوم بنادم بخسارة

يرخص وما يسواش البارة

عيشة نبدا فيها بنادم

ليه قيمة ما بين الناس

مش مجرد واحد تايه

قاعد بالجزمة ينداس

بلادي راهي تعز عليا

نبوا نبنوها بيدينا

حرام ياخدنا البحر

والموجة تاخدنا بعيد نعانوا م الغربة والشر

في بلاد الكوميكون”

 

23-11-2017

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن عزة المقهور

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى