قراءة في ديوان.. جلال عثمان: يحي الشعر المحكي بحفلة موت

د. الطاهر خليفة القراضي*

الشاعر جلال عثمان ود.الطاهر القراضي.

قال النقادـ ويقولونـ إن الكاتب المبدع لا بُدّ له من أن يكتب بلغة بسيطة واضحة إذا أراد أن يقدّم للمتلقي أفكارا أو دلالات أو معانيَ جديدة ، وأما إذا أراد أن يقدّم له معاني معهودة ومعروفة ، فلا بُدّ أن يعرضها بلغة غير مباشرة ؛ ذلك أنه إذا كتب بلغة غير مباشرة حول موضوع غير معهود ، فإنه إنما يقدّم طلاسم ورموزًا لا يمكن فهمها أو فكّها ، وإذا كتب بلغة بسيطة واضحة ومباشرة حول موضوع لا جديد فيه، فإنه لم يُضِف إلى القارئ أو المتلقي شيئًا جديدا ، وإنما يعرض كلاما مكرورًا لا جدوى فيه ، ولا فائدة منه، ولا طائل من ورائه.

ولعل الأستاذ جلال محمد عثمان انطلق من هذا المبدأ ليكتب لنا قصائد بلغةٍ جميلة سهلة سلسةٍ لا رموز فيها ولا طلاسم ولا الْتواء لأنه أراد أن يضع بين أيدينا نصوصًا شعرية يمكن وصفها بالمصطلح الكلامي، ومصطلح المناطقة ” السهل الممتنع ” فهي قصائد تتمتع بوضوح المفردات، وعمق المعاني والدلالات. جاءت هذه القصائد في ديوان أنيق قشيب ، اختار له صاحبه من الأسماء:

” حفلة موت “

يقع الديوان في مئة وأربع وأربعين صفحة من القطع المتوسط ( 15 × 20 )

منشورات: مركز إينارو للخدمات الإعلامية ( الطبعة الأولى 2008 )

حظي هذا الديوان بمقدمة، أو قراءات أولية، أو استهلال: للشاعر والكاتب المعروف الأستاذ أحمد الحريري.

يتضح من مقدمة الشاعر جلال عثمان أنه كتب نصوصًا متفرقة خلال واحد وعشرين عاما (1986- 2007) ، ولم يكن ينوي نشرها في ديوان ، كما لم يكن راغبًا في أن يعرض نفسه شاعرا. ولكنّ صديقه الدكتور عبد الله مليطانـ مرجع المراجع في عالم الكتب والمؤلفين والشعراء والكُتّابـ طلب منه أن ينشر هذه القصائد في ديوان ، فها قد كان. (ص. 8).

وبالنظر إلى رهافة حس الشاعر جلال عثمان ، وحبه المفرط لوطنه ليبيا، فإنه أهدى ديوانه هذا بأسلوب لم يُسبق إليه، وبطريقة غير متداولة؛ فقد جاء الإهداء أكبر وأطول من كل الإهداءات، ولكنه في أقصر وأعمق الكلمات حيث كان نصُّ الإهداء كاملا (ص. 7): ” الإهداء..

لليبيا وبس “

فهذا لعمري إهداء طريف ورائع ومعبّر وجميل، ولا أعتقد أنه كان بالإمكان أن يكون أجملَ أو أحسن مما كان ومما هو عليه الآن لو جاء بأية صيغة أو عبارة أخرى.

ازدان ديوان حفلة موت باستهلال الأستاذ الشاعر، والكاتب الناثر أحمد الحريري، الذي أظهر تواضعًا جمًّا عندما طلب منه الأستاذ الدكتور مليطان أن يكتب مقدّمةً لهذا الديوان فقال: ” أحسستُ لأول وهلة بأن الدكتور مليطان يُلقي على كاهلي ثقلَ هرمِ خوفو ، ولأنني أعتبرُ دعوةَ عبد الله أمرًا.. فقد قَبِلْتُ الأمر لعيونه وعيون شاعرنا جلال. ” (ص. 11)

وختم الأستاذ الحريري استهلاله بعبارة لا تصدرُ إلا من شاعر فنان في حقّ شاعر فنان، حيث قال مُخاطِبًا صاحبَ الديوان: ” أنتَ شاعر.. والشاعر مُقاتِلٌ يُغنّي… وأنا طفلٌ عجوزٌ وجهي يغطيه العرق لأنني لا أجيد الكلام.

لك الحب. ” (ص. 13)

فإذا كان الأستاذ الكبير أحمد الحريري لا يجيد الكلام ، فمن ذا يجيد الكلام غيره ؟ ومَنْ يستطيع أن ينسج من الكلمات لوحاتٍ مخمليةً تؤسر القلوب وتأخذ العقول والألباب. فبهذه المقدمة الاستهلالية، دبّجَ الحريري هذا الديوان ، وربما لهذا السبب اختاره مليطان.

يطالعنا الديوان بمقطوعة من ثلاثة أبيات بعنوان” ضيفنا شاعر” (ص. 21) تُقرِّرُ أن الشعر هو الذي يستطيع أن يحفظ التاريخ على طول الأيام والأزمان:

” ولولا الشعر وما حمل ديوانه

من يحفظ التاريخ طول سنينه “

وفي قصيدة بعنوان ” تشم الورد ” ( ص. 29 ) يَحارُ الشاعر جلال بين الشيْء الجميل المشموم (الورد)، وبين الشخص الجميل الذي يشم ذلك الورد، حيث قال:

” تشم الورد

وأنت م الورد أعطر

سؤالي جد

من يستنشق الآخر ؟ “

فعندما يكون الاثنان جميلين، لا يستطيع المشاهد أن يعرف مَن الذي يأخذ مِن الآخر. وقد لا يكون قصد الشاعر هو الجمال المادي الحسّي ، بل ربما قصدَ بذلك الجمالَ المعنويَّ والروحيّ. ولعلّ هذا هو ما ذهب إليه الأستاذ الحريري في مقدمته عندما أرادـ بكل تواضعـ أن يقول لجلال عثمان إنّ شعرك أجمل من كلامي ومقدمتي ، فأورد هذه القصيدة كاملة كما لو كان يريد أن يركّز على المقطع الأخير ويستشهد به (ص 12)

” مصير العطر يتبخّر

ووردك دائمًا مُزهر “

وفي قصيدة ” ونقول شن ناسي ؟ ” (ص. 37ـ 39) يدرك القارئ مدى رقة مشاعر الشاعر وأحاسيسه، ومدى برّه بوالديه وحبه لهما، وخاصة والدته. ففي صباح أحد الأيام الربيعية المشمسة الجميلة المشرقة ، وعندما كانت الطيور تسبح في الفضاء تشقشق زهوا وفرحا، وعندما كان الشذا يفوح من الأزهار، شعر جلال بأن الصبح لم يعد جميلا بهيجا كعادته، وأنّ النور أصبح ظلاما في عينيه، وأنّ المداعبات التي كانت بين النسائم والأمواج تحوّلت إلى صراع ذي صخب وضجيج مزعج، فاستحال نور النهار في ناظري شاعرنا إلى دكنةٍ نَكِدَةٍ تقبض الأنفاس، وتنذر بالشؤم، فتعكّرَ مزاجُهُ ، ، وظنّ أن لوثةً قد خالطتْ تفكيره وإحساسه، وانتابته الوساوس والهواجس ، ولكنه ما لبث أنْ تذكَّر:

” جتني شواهد عقل

تذكّرت اني ما بُسْت

يا أمي على راسك

وايديتك

ما داعبت راسي

ونقووول شن ناسي ؟ “

فلا يشعر جلال بجمال الطبيعة ولا يستمتع بما فيها من نور وضياء، بل يصير الجمال قُبْحًا، والأزهار شوكًا، والنور ظلاما داكنًا نَكِدًا عندما يخرج من بيته من دون أن يُقَبِّل رأس والدتِهِ، ومن دون أنْ تداعبَ يدُها رأسَهُ، ومن دون أن يتزوّد من والدته بعطف الأمومة وحنانها.

وبحكم كونه صحفيًّا، فإن شاعرنا صوّر حياة الصحفي، وطبيعة عمله، وما يعتريها من الصعوبات المهنية، والعوارض والعراقيل البشرية، في قصيدة طويلة ساخرة ناقدة بعنوان ” هاذي حياتي “(ص. 41ـ 46) مُهداة منه للشاعر الكبير أحمد الحريري، الذي غاص في قصائد الديوان فاكتشف أن الشاعر جلال أصبح ” سيزيفًا ” آخر. فقد حاول سيزيفـ في أساطير اليونانـ أن يصعد إلى قمة جبل الأولمب وعلى كتفيه حجرٌ كبيرٌ، ولكنه كلّما صعد وكاد يصل إلى القمة، تدحرج إلى أسفل ، فأخذ يحاول ويعيد الكَرّةَ مرارًا إلى أن مات مسحوقًا مطحونًا تحت ذلك الحجر الملعون. ومثل سيزيفـ في نظر الحريري ( ص. 12)ـ يصوّر جلال حياته فيقول:

” قلبت الصفحة

بعد الصفحة

ورقة تلعن فيها ورقة

لا فيها صورة لا لون

ولا تلقى فيها مضمون

هاذي حياتي

شهبة ما فيها ما تقرأ “

في هذه القصيدة، يشبه الشاعر حياته بالجريدةـ أو الصحافةـ الليبية في أن بينهما قواسمَ مشتركة: الرسميات، الركاكة، عدم التميّز، الحلاوة فيهما بالجرام، والمرارة بالمرطة، كثرة السواد الحالك، والحزن المرير، وقلة البهجة والفرحة، بل إن الفرحة لا تكون إلا نتيجةً لغلطة:

” هاذي حياتي

شهبة ما فيها ما تقرأ

زي الجريدة الليبية

ما فيها حاجة تميّزها

حياتي

مقالة رسمية

ركيكة

طافح فوق لبزها

حياتي

فيها الحلو جرام

والعلقم فيها بالمرطة

ترويستها الحزن الحالك

والفرحة مجرد غلطة “

كما يصوّر الشاعر في هذه القصيدة ما يعانيه ويكابده الكاتب والصحفي من أجل أن ينشر مقالا في إحدى الصحف الليبية… فإنْ أجازه المصحّحُ ، فإنه سيقع في قبضة رئيس التحرير الذي لديه أساليب كثيرة للرفض إلى درجة أنه قادرٌ على أن يضعَكَ في مأزق أو ربما أسوأ من ذلك:

” ومع هذا ما يفوتها

رئيس التحرير القبضة

عنده أساليب كثيرة

أصغرها توديك في ورطة

أتفهها استضافة ليلة

ف وضع البطة “

لقد لعب الشاعر في هذه القصيدة دورَ الطبيب المشخِّص، وليس الطبيب المعالج. فقد وضع يده على موضع الداء في الصحافة الليبية ولم يصف الدواء لعلاج هذا المرض، بل ترك ذلك لأولي الأمر وأصحاب الشأن وذوي الحل والعقد الذين من حقّهمـ بل من الحقّ عليهمـ أن يعالجوا ذلك المرض بالطريقة المثلى التي تتناسب وتتماشى مع التشخيص الدقيق الذي توصّل إليه الطبيب ( الشاعر).

وبتحديد المرض العضال الذي تعاني منه الصحافة الليبية ، نرى أن الشاعر يدعو المسؤولين عن الصحافة إلى تحريرها ومعالجتها من البيروقراطية والروتين القاتل، لئلا يحصل لها ما حصل لـ ” سيزيف ” الذي مات نتيجة للاستمرار في تكرار الغلط بطريقة روتينية من دون تفكير في وسيلة أنجع. وهنا أصبح من واجب الصحافة الليبية أن تشكر الشاعر وفق المقولة التي تقول: ” مَنْ أطلعك على عيوبك فقد نصحك ” وليس من واجب الشاعر أن يذكر العلاج أو يصفه وذلك لأنّ ” اللي يغسّل ما يضمنش الجنة “

وفي قصيدة ” شن تحكي ” ( ص. 47ـ 50 ) يستدعي الشاعر كثيرًا من أسماء الأعلام في الأدب العربي والعالمي مثل: ديك الجن، والخليل بن أحمد الفراهيدي ، و ت. س. إليوت ، وسيزيف ، ومجنون ليلى ، ورميو وجولييت…إلخ.

ويتلاعب الشاعر بالألفاظ في أحد المقاطع عندما يقرّر:

” لأنّي هاذي شخصيتي بلا تزييف

وهاذي لهجتي زاوي بلا تحريف

ما نفهمش في أليوت

لا سيزيف

وإلا نقول أبصر كيف “

فقد يفهم القارئ أن الشاعر أراد أنْ يقول إنّ أهل مدينةـ أو منطقةـ الزاوية لا يقولون عبارة ” أبصر كيف ” ولكنّ الشاعر هنا يشير إلى ديوان معروف لشاعر الشعر المحكي محمد الدنقلي بعنوان ” أبصر كيف “. كما يتلاعب بالألفاظ عندما يقول:

” وما عنديش غير فاضل

وبلقاسم

وماجد خوت “

فمن خلال إشارته لإخوته الثلاثة: فاضل ، وبلقاسم ، وماجد ، أشار إلى ديوان ” أنا والليل خوت ” للشاعر سالم العالم. فإن كان العالم قد جعل له من الليل أخًا ، فإنّ جلال عثمان يصرّح بأنه ليس له أخٌ غير هؤلاء الثلاثة.

ففي هذين الموضعين نرى أن الشاعر أراد الإشادة بدواوين شعراء، وخاصة سالم العالم ، ومحمد الدنقلي. كما أشاد في قصيدة أخرىـ بعنوان ” هاذي ليبيا يا سادة (ص. 54)ـ بديوان لصديقه الشاعر مفتاح العماري بعنوان ” جنازة باذخة ” وهذه لفتة كريمةٌ تُسجلُ للشاعر جلال عثمان دليلا على وفائه وإخلاصه لأصدقائه وزملائه.

وتبدأ هذه القصيدة ( شن تحكي ) بطريفة نحوية جديرة بالوقوف عندها وهي القاعدة العربية التي تقول ” لا نبدأ بساكن ولا نقف على متحرّك ” فقد استخدمها الشاعر فقال:

” شن تحكي

أنت في أول الجملة

وأنا الساكن

لقانا يخرّب المعنى

شن تحكي “

واخْتُتِمَتْ هذه القصيدة بتورية أو مغالطة معنوية:

” ولو نطلع من بحوري أكيد انموت

شننننننننن تخرفي “

فقبل هذه الخاتمة، كان الشاعر يتحدث عن أنه شاعر تقليدي، ويتعامل مع العَروض، وبحور الخليل بن أحمد الفراهيدي الشعرية، واختتم القصيدة بهذه التورية ليصبح للبحور معنيان: البحور الشعرية، والبحور المائية.

وفي قصيدة ” حتى أنت ؟! ” ( ص. 57ـ 64 ) يتكلم الشاعر على لسان فتاة غدر بها حبيبها. وما أكثر أن تقسى قلوب الشبان على البنات ، فيتنكرون لهنّ ، وينسون تضحية البنات من أجلهم.. فقد تصل تضحية الفتاة من أجل الشاب إلى أن يصبح أهلها وذووها أعداءً لها بسببه ، ومع ذلك ، لا يكترث بها ولا بحبها له، ولا بتضحيتها من أجله. وأراد شاعرنا أن ينتصر للفتاة ضد الظلم الذي وقع عليها ليكون لسان حالها ناطقًا باسم كل الفتيات اللائي مرَرْنَ بهذه التجربة، أو ربما يمرُرْنَ بها مستقبلا. فقال على لسانها وهي تعاتبُ مَنِ ارتبطتْ بهِ ، ولكنه غدر بها ونسيَ تضحيتها من أجله:

” هذا طبعك

يا متغطرس

تعض الإيد اللي حضناتك

أصلا

أنت هذا أصلك

كل عيوب الدنيا

توزن

ذرّة وحدة

من عيباتك

شكرًا

هذا ثمن إخلاصي

ثمن الحب اللي من أجلك

ياما صنته

حتى أنت؟!

ما تتصور

إني زعلانة لفراقك

هذ بس

كلامك أنت

ولمعلومك

راني مرتاحة وفرحانة

ع الأيام اللي مازالت

من عمري

اللي أنت هنته

لكن لازم

تعرف إني

مش مجرد لعبة صغيرة

من لعباتك

لازم تعرف

إنك واهم “

وفي هذا المقطع الأخير ، استحضر الشاعر من مخزون ذاكرته ما قالته المطربة نجاة الصغيرة في إحدى أغانيها:

” أنا لا أفكر في الرجوع إليه

أيظنُّ أني لعبةٌ في يديه “

ثم يستطرد الشاعر على لسان الفتاة ليقول:

” لازم تدفع

كل حسابي

واذّوق دموعي وعذابي

حسابك عندي

ما هو جلسة

محامي

وقاضي

وقيدومة

ما هو قانون

ولا حكومة

حسابك عندي

غالي

ولازم تدفع سومة

ساعتها

تحس بتياري

وبحري

ما تقدرش تعومه “

فهذه الفتاة المظلومة تشير إلى أن حسابها الذي سيدفعه الشاب ثمنا للغدر والخيانة أكبرُ من جلسةٍ في محكمة تتكون من قاضٍ ومطرقةٍ ومحامٍ أو قانون أو حكومة ، إن عقوبته ستكون أكثر وأكبر من كلّ ذلك عندما يكتشف أنه لن يكون قادرا على مواجهة تيارها، وأنه غيرُ قادر على السباحة في بحرها.

وفي قصيدة ” زين المرا ” ( ص. 67ـ 69) يتّضح لنا أنّ جمال المرأة عند شاعرنا ليس جمالَ الخِلْقةِ بل جمال الخُلُقِ. فليستْ جميلةً مَنْ كانتْ ذات خدودٍ ورديّةٍ ، ولا ذات عيون ساحرة خلابة ، ولا تلك التي تتزيّن بالكحل ، ولا صاحبة جدائل الشعر المنسدل على الكتفين، ولا تلك التي ترتدي الملابس اللاصقة لإظهار مفاتنها ، أو التي ترتدي البلو جينس. بل إنّ جمال المرأة وزينتها في دِينِها ، وفي طاعة والديها ، وفي كلمات ودٍّ وصفاء تقولها فتكون دواءً للمكلومين ، وسدادا للدَّيْن. وليس جمال المرأة في سحر عيونها فقط ، ولا في أسنانها لامعة البياض، ولا في وجهها المطليِّ بالأصباغ والألوان ، والمساحيق والدهانات. فعلى مَنْ يريد الجمال الحقَّ أن يسعَى في طلب المضمون والمحتوَى ، ولا يندفع وينجرَّ وراء القَدِّ الطويل ، وملامح الجمال الخدّاعة ، والبريق الزائف الذي لا طائل من ورائه. فالجميلة حقًّا هي تلك التي تشارك رفيق عمرها في حلو الأيام ومُرِّها ، وهي التي لا تستبدل به أحدًا إذا دارتْ عليه الدوائر ، وقلبت له الأيام ظهر المجن، واشتدّتْ به الأحوال ، وقستْ عليه صروف الدهر، وعضّ عليه القدرُ ونوائبه وغوائله. قال:

” زين المرا

ما هوش خد وعين

لا كحل لا تزيين

لا شعر يتهادى مع الكتفين

ما هوش في التلسين

ولبس (البدي ) و( الجين )

زين المرا في الدِّين

وف طاعة الولدين

ف كلمات لما تقولها

تبري المجروحين

وتفك حتى الدَّيْن

زين المرا

ما هوش طول وقد

ما هوش فم وخد

زين المرا في كلامها

ف أسلوبها

ف الرد

في قلب

صافي يودّ

في صبر

كان الحال بيك اشتد

ما تبدلك بحدّ

تصبر معاك سنين

هذه إذًا قصيدة أراد الشاعر من ورائها تجسيد ملامح جمال المرأة بأنها ليست المظاهر الخداعة ، ولا الفتن البراقة ، بل المرأة الجميلة هي صاحبة الخُلُق والدَّين، التي ” ترميها على الجرح يبرا ” والتي ” يندفع كلامها في الدَّيْن ” والتي تصبر مع زوجها في أوقات الشدة كما تصبر معه أيام الفرح فتشاركه في السراء والضراء و ” تشاركه في الشدة والرخاء ” ولا تستبدل به غيره ولا تترفع عليه أو تتأفّف وتتضجّر في أوقات الشدة والعسر ، وقلة الحول والحيلة ، وضيق ذات اليد.

لم يتغزّل جلال بمحبوبته أو معشوقته على منوال الشعراء المتغزلين الذين يتوقون إلى نيل الأوطار الزائلة من معشوقاتهم ومحبوباتهم ، وإنما بعث إليها بكلماتٍ نظيفة طاهرة خالية من الجنس الفاضح والفسق ، وتعجُّ بألفاظ الودّ والاحترام رغبةً في الوصال ، ونيل المراد حسب تعاليم الدّين ، وحسب ما أمرنا وأوصانا به الله في شأن الزواج. فقال في قصيدة بعنوان ” قصدت الله ” (ص. 99ـ 101):

” قصدت الله نوصل بالحلال

وما لي غيرك قصة ورأس مال

قصدت الله نوصل بالأصول

وما في حدّ يوصلني بقول

ومهما مشيت لازم م الوصول

وشمس الود تبزغ بالوصال

قصدت الله

أنا قصدي شريف

وتوكلت ع الحيّ اللطيف

العام فصول مش كله خريف

ايجي المكتوب حتى إن كان طال “

نلاحظ أن الشاعر هنا وكأنه يُعطي درسا لذلك الشاب الذي كتب له قصيدة” حتى أنت ؟ ! ” وقد رأينا كيف كان يلومه ويُعنّفه على لسان تلك الفتاة عن سوء تصرفه معها. وأما هنا فإن الشاعر يبيّن للشبان كيف يجب أن تكون معاملاتهم مع البنات طاهرة وعفيفة وشريفة.

ولم ينسَ الشاعر أن يقدّم لقرائه قصيدة وعظية بعنوان ” مشوار طويل “(ص. 115ـ 116 ):

” الدنيا مشوار طويل

بين المولد والرحيل

مهما درتو فيها الخير

يبقى اللي درتوه صغير

يابنادم ما تنسى الغير

وما تقول اللي عندي قليل

ما تنسى حقّ الولدين

والسنة وفروض الدّين

راهو وقت الساعة يحين

يجيك يوم وتشرب من كاس

سقيت منه الناس الويل “

يلاحظ القارئ أن شاعرنا مخلصٌ جدًا لفكرة البرّ بالوالدين ؛ فقد رأينا ذلك في قصيدة ” ونقول شن ناسي ؟ ” وفي قصيدة ” زين المرا ” وها هو يلحّ عليها في هذه القصيدة أيضًا.

كما يلاحظ أن الشاعر يوظّف كثيرًا من الأمثال الشعبية الليبية في ديوانه سواءٌ أكان ذلك بالنّصّ أم بالمعنى. ففي هذه القصيدة يقول: ” وما تقول اللي عندي قليل ” وهذا يكاد يكون تناصًّا لفظيًّا مع المثل الليبي: ” ما حد يستشوي ذنوبه ” ، كما أنه أورد في قصيدة ” زين المرا “: ” ف كلمات لما تقولها تبري المجروحين” وهذا قريب من المثل الليبي: ” ترميه عل الجرح يبرا ” وقال: “… وتفك حتى الدين ” وبهذه العبارة استحضارٌ للمثل الشعبي: ” الكلام الزين يندفع في الدين ” وقال في قصيدة ” ونقول شن ناسي ؟! “: ” وجتني شواهد عقل ” وكأنه أراد تنصيص المثل الليبي القائل ” ورجع له شاهد العقل ” الذي يُستخدم عندما يكاد الإنسان ينسى الأمر نهائيًّا ثم يتذكره فجأة ، كما حصل لشاعرنا جلال.

وعن ضرورة تمجيد الوطن والأجداد ، تغنَّى شاعرُنا في أغنية أو نشيد للأطفال بعنوان:” مرة معلمتي ” (ص. 133) جاء فيها:

” وين الشاطر يا شطار يرسم بستان ونوار

جنة خضرا وشمس ودار ووادي متكحل بزهوره

يخلي العصفورة تغني تحكي على أمجاده وطني

وأمجاد أجدادي المشهورة “

وجلال عثمانـ كأيّ إنسان آخرـ لا بدّ أن يكون عرضةً لخيبات الأمل والإحباطات غير المتوقعة ، وضياع الرجاء في بعض الأصحاب والأصدقاء. وفي عتابٍ أقرب ما يكون إلى المداعبات الإخوانية ، واللوم الخفيف عمّن كان يتوقع منه السند والمؤازرة ، كتب شاعرنا قصيدة بعنوان ” حسبناك يا صاحب ” (ص. 137) منها:

” حسبناك يا صاحب بتحسن لينا

لقيناك يابس بس غير علينا

وطال الرجاء والأمل فيك كبير

أمل من يراجي الثلج في بوركينا “

كان الشاعر يتوسّم في صاحبه أن يُحسن إليه ولكن هيهات هيهات، فقد طال الرجاء كما طال رجاء مَنْ ينتظر الثلج في بوركينا فاسو. فكما استحال نزول الثلج هناك، استحال الإحسان من هذا الصاحب.

قد تمرُّ بالإنسان حالاتٌ وأوضاع لا يعرف لها سببًا ولا تعليلا ، فهذا شاعرنا يسائل عينه التي لم تتوقف عن ذرف الدموع ، والتي تذرف بدل الماء دمًا في بعض الأحيان ، ولكنها لم تجبه عن تساؤلاته مع علمه بأنها لم تفقد أو تفارق شخصًا عزيزًا بالغياب أو بالبعد أو بالموت، ومع ذلك فإنها لا تتوقف عن البكاء. ففي قصيدة بعنوان ” كفكفت عيني ” (ص. 139 ) يجد القارئ كلمات خفيفة بها موسيقى داخلية تنبع رقراقةً من تكرار حَرْفَيْ الكاف والفاء بشكل ظاهر ولكن من دون إساءة أو تشويه للفكرة. قال:

” كفكفت عيني ما كفاها كفيوانقول كفي يا كفيفة كفي

هي غير تذرف والتراب يسف ولو قل ماها من دمايَ توفّي

تحت المدامع دايرتلي صف سمعت اليوم بخلها متوفي “

وختامها مسكٌ ؛ فقد اختتم الشاعر ديوانه بقصيدة ” أنبيع الصيص ” (ص.141ـ 144 ) وهي قصيدة من اثنين وعشرين بيتا تتحدث جميعها عن عزة النفس ، وعدم إراقة ماء الوجه ، وعدم لعق أحذية الأغنياء والمسؤولين والحكام. بالقصيدة كثيرٌ من الحِكَم والأمثال والنصائح التي تنصح الإنسان بأن يكون ذا عفةٍ، ونفسٍ عزيزةٍ أبيّة ، وألا يكون ذليلا خاشعًا لغير الله ولو أدَّى ذلك إلى الموت ، في مقابل حياة الذل والإهانة:

” أنبيع الصيص وجريد النخل

وما ندنقرش راسي لا نذلّ “

فالشاعر يقول إنّه يفضّل أن يكسب قوته من بيع ” الصيص ” وجريد النخل على أن يطاطئ رأسه، أو يذلّ نفسه لأيّ إنسان كائنًا من كان.

وينصحنا الشاعرُ بقوله:

” نوايا بعز ورأسك في السماء

وما تواطيش لو سقوك العسل “

وعلى الإنسان ذي الشهامة والمروءة والعفة ، أن يتصرف كما يجب ، وكما تمليه عليه أخلاقه الحميدة حتى وإن كان في أحلك الظروف وأسوَئِها وذلك كما يقول المثل الليبي: ” الطير الحرّ كان حصل ما يتخبلش ” ، فقال الشاعر:

” وما يخبلش يا كانه حصل “

وقد كان الشاعر موفّقًا أيّما توفيق في الشعر القصصي بهذه القصيدة ؛ فاستعان بقصة سيدنا عمر الفاروق مع العجوز التي لم تجد ما تقدمه لأطفالها ليأكلوه ، فأخذت تطبخ لهم الحصى وتوهمهم بأنه طعام وسينضج بعد حين. نظمَ شاعرنا هذه الواقعة بسرد قصصي رائع رائق، يعبّر عن عزة النفس والإباء لدى تلك العجوز التي أبت لها نفسها وعزتها وكرامتها أن تذهب لأي شخص في طلب المساعدة أو الأعطيات والهبات، وآثرت أن تسلّم أمرها لله الذي لا تخفى عنه خافية فكان أن جاءها المساعد والمعين ( سيدنا عمر بن الخطاب) من عند الله ومن دون أن تتذلّل ، أو تريق ماء وجهها ، أو تهين نفسها:

” وهي بعز وبصبر النساء

دعت الله في خشوع ووجل

ما قالتش نمشي في خفاء

لمسؤول ياجد لي الحل

ويقفل الشاعر ديوانه بنهاية هذه القصيدة بقوله المعبر عن الشهامة والعزة والكرامة والإباء حيث قال بأنه يفضل أن يبيع الصيص والفكريس والحبال إذا لزم الأمر عن أن يذهب إلى مكان يحطّ من قدره في وقت الحاجة والعوز:

” نبيع الصيص ما تقولوش لا

والفكريس وخيوط السدل

أهون لي ما نشد الخطاء

وين القدر من الحاجة يقل “

وهكذا نكون قد ألقينا نظرة على ديوان ” حفلة موت ” الذي حفل بدروس وعظات في الأخلاق والمعاملات ، وعجَّ بصور شعرية جميلة ، وأمثال وحِكَم تبعث على الحياة فكان حريًّا ألا يكون ” حفلة موت ” بل من حقه أن يُسمَّى ” حفلة حياة ” كما وردت مقدمة صاحبه تحت هذا العنوان.( ص. 9 ).

____________________

* مركز البحوث والدراسات العليا – جامعة الزاوية / algarradi@yahoo.com

اقرأ: الشاعر جلال عثمان يحتفل بالموت.

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى