روايـة (النَّـصُ النَّاقــص) .. ليست ناقصة

تـــُــرى من كتب (النص الناقص) العمل الروائي الجديد الذي يمكن أن نصفه أو نسميه كذلك (جنائز الصحراء)؟
هل هي “مريم”؟
أم صحراء فزان ومعالم سبها ومدن الجنوب الليبي الحبيب كافة؟
أم الروائية الأستاذة “عائشة الأصفر”؟
مثلما تتداخل إجابات هذه الأسئلة الاستفهامية العميقة، فإن أحداث رواية “النص الناقص” الأخيرة للروائية الأستاذة عائشة الأصفر، والتي هي الآن قيد الطباعة، تتشابك بدرجة ترتقي فيها مستويات التعلق والجاذبية والتشويق كلما أبحرت وتوغلت في النص الجميل، الذي لا أظنه جاء ناقصاً كما يحاول أن يشير عنوانه الأولي المخاتل، بل ثرياً بالتحولات والتنقلات الزمانية والمكانية من خلال تحريك الشخصيات والتفاعل مع الأحداث الوطنية والسياسية والإقليمية كافة. وكذلك الأسئلة الموغلة في المرارة الذاتية للإنسان بشكل عام وللأفريقي والليبي بوجه خاص.

فحين تستهل رواية (النص الناقص) في صفحتها الأولى، والتي يمكن القول بأنها مقدمة تختصر جزءاً كبيراً من كل الرواية، واعتبارها خيطاً تمسكه من نهايته لتطوف بك الروائية وتعيدك في دائرة متكاملة تقودك إلى نقطة بداية الأحداث على لسان السارد “عامر” وهو يتحدث عن ابنة أخيه “نجمة” ومعلمتها في مادة الرسم “مريم” إحدى بطلاتها.

جاءت رواية (النص الناقص) زاخرة بأسماء الأمكنة والمدن الجنوبية: القرضة، الناصرية، مدرسة عائشة أم المؤمنين في سبها، زلاف، الشويرف، قبر عون، مرسيط، سوف الجين، بني وليد، أوباري، القاهرة بسبها، الزيغن، البوانيس، الجديد، سيدي سهل، تمنهنت، تاسيلي، أكاكوس المنشية وغيرها كثير، وعملت الروائية على توطينها وإسكانها في نصها بالعديد من معالمها السياحية والجغرافية وأعلامها ورموزها وأحداثها المميزة، وقدمت وصفاً ينم عن معرفة الكاتبة بتفاصيل كل تلك الأمكنة الجنوبية وسيرتها التاريخية، أو سردها كمحطات بارزة في رحلات هجرات الشباب الأفريقي من الجنوب إلى الشمال بكل ما تحمله تلك الرحلات من معاناة وشقاء ومشقة عبّرت عنه قوافل (جنائز الصحراء) ومقولة ذاك الشاب الإقريقي (إن أوروبا لا تستحق كل هذا العناء).
والكاتبة لم تكتفِ بالأمكنة والمدن الليبية فحسب بل وصلت حتى الدول الحدودية المجاورة والتي هي مصدر هجرات أبناء القارة السمراء إلى الشمال، فتناولت “كورنكا” و”هالي” و”قروادة” و”دنيادا” وغيرها من القرى والمدن داخل النيجر.

أما شخصيات الرواية فقد بدأت بالافريقي “هيما” أو “ابراهيم” وسرده الممتع لمعاناته القاسية في الوصول إلى سبها قادما من بلاده النيجر، ثم السارد الرئيس في هذه الرواية “عامر” والذي يعبر عن مجموعة تناقضات فكرية حول علاقته بالمرأة سواء “مريم” أو “سمر” أو زوجته “فاطمة” تبرز صراعه النفسي الداخلي بشكل جدلي صرّحت به عديد الأسئلة التي ظل يطلقها خلال سرده الروائي. وكذلك “مفتاح” الذي جازف بالعمل في تهريب البشر والأسحلة وكل الممنوعات من أجل إسعاد شريكة حياته وزوجته “صالحة” التي أنهاها بالزواج ثانية عليها. ثم نجد الشخصيات الداعمة أو الفرعية في النص ومن بينها الخالتين “جود” و”مستورة” و”نجوى” و”سعاد” ثم “باراتو” و”هليسة” وغيرها.

وقد استطاعت الروائية الأستاذة “عائشة الأصفر” صياغة نص ممتع تناول بعض تاريخ فزان ومعالم سبها وجماليات الجنوب وانعكاسات ما بعد ثورة فبراير 2011 وتحدياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة، إضافة إلى بعض الأساطير التاريخية، وطرق وأساليب الهجرة غير الشرعية ومخاطرها، وحرب تشاد وتداعياتها، وغيرها من الصور الإبداعية التي طرزتها بلغة بلاغية عذبة اتسمت ببساطة المفردة والعمق والسلاسة في العرض والسرد الروائي وكذلك بقوة المناقشة والمحاججة أثناء طرح الأسئلة العميقة سواء الفردية التي تمس الشخصيات ذاتها أو البعيدة جداً عن الخصوصية لتلامس الشأن العام وطنياً وإقليمياً ودوليا.

لم تخلو فصول رواية (النص الناقص) من الإبهار والدهشة والمباغثة التي ظلت تشدني على امتداد الرواية بكل ما حملته من تنقلات زمنية أو مكانية والتي جعلتني أصفها أحياناً بأنها (رواية مكان) لما اكتظت به من معالم وأمكنة جغرافية عديدة، وأحياناً بأنها (رواية تاريخية) لما قدمته من معلومات تاريخية حول قصص تسمية بعض المناطق في الجنوب وغيرها من العناصر التي عززت النص الروائي بدرجة كبيرة، والذي ظل محافظاً على هويته الليبية الفزانية الجنوبية من خلال ذلك، إضافة إلى توطين طقوس وعادات العرس السبهاوي الخاصة وبعض أغانيه الشعبية وأسماء خطوط الحناء وغيرها من التقاليد الفزانية التي أسكنتها بالنص الجميل.

خاتمة رواية (النص الناقص) غلبت عليها المفاجأة والاندهاش عند الحديث عن انتقام الحمار المبتور الذي انتزع أذن صاحبه !!! كما أن المارد ظل هو السر الذي تسعى الرواية لحث قارئها على البحث عنه والتفكر فيه، وكذلك مصحة الأمراض العقلية التي أودعت بها “مريم” للتخلص من صوتها وفكرها.
ويظل السؤال المهم الذي لم تصرح به الرواية هو … من هي “مريم”؟. لن أجيب طبعاً، ولكنني سأعترف بأن بعض ما شدني في هذه الرواية يتمثل في الآتي :

1 – اللغة، وهي الأساس والمعيار الأول لتقييم أي عمل إبداعي وقد أجادت الكاتبة إتقان لغتها بكل دقة.
2 – الخيال، وجاء خلاباً متداخلاً مع حقائق الواقع فامتزج به ونقله بكل جمالية وبهاء فصار أكثر حضوراً فيه.
3 – الترميز والاسقاط، وقد برز من خلال التلميح والإحالة والرمز وهو تحريك للفكر في التأمل والبحث والمقارنة.
4 – الوصف الدقيق، وقد حققته الكاتبة بجدارة فائقة متأسسة على اللغة الشاعرية التي صاغت بها نصها الروائي.
5 – ثقافة الكاتبة، برزت من خلال معارفها الغزيرة بتاريخ الفضاء المكاني والتتبع الزماني لأحداثه وكذلك الاقتباسات التي أوردتها لعلماء نفسانيين وأساطير وشخصيات وأخرى غيرها.

وقطعاً سأتوقف هنا مع الاعتراف بأن المشهد الروائي الليبي قد كسب عملاً إبداعياً جديداً رائعاً سواء صدر باسم (النص الناقص) أو (جنائز الصحراء) فإنني أتوقع له تحقيق حضور عربي وعالمي بعد صدوره. مع كل التهاني والدعاء بالتوفيق للأستاذة عائشة الأصفر وشكرها الجزيل على منحي شرف قراءة المخطوط الأول من هذا العمل الذي يعد الآن في مراحل الطباعة النهائية … ومزيداً من الإبداع.

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن يونس شعبان الفنادي

الاسـم:يونس شعبان الفنادي
تاريخ ومكان الميلاد:1/1/1961 سوق الجمعة، طرابلس – ليبيا

– ماجستير علوم، تخصص أرصاد جوية، كلية العلوم، جامعة ريدينج، بريطانيا، 2004
– بكالوريوس علوم، تخصص أرصاد جوية، كلية العلوم، جامعة الفاتح، ليبيا، 1984

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى