خلف خط الحدود

-العالم يقف هناك… انظر الا تراه..! انه يحدق فيك بتمعن مريب
قال علي لنفسه هذه الكلمات همسا؛ ثم عادت عيناه الى الورقة البيضاء امامه؛ استمر في الكتابة لدقايق…!؛ رفع نظره عن الورقة التقت عيناه. اجسادا طرية تعبر الطريق!!
هكذا يحب علي وصف النساء التونسيات!! لحم طري!فكر هل ننتمي كلنا الى سلالة جزار عنيف؟! ليس مهما ان تجد اجابة الان قال لنفسه المهم ان تتامل كل هذا الثراء في التفاصيل! ان ترى بام عينك هذا الانسياب الدافق والمحسوب معا للدانة الجسد النسوي الجميل! بعض التدوبرات الصغرى تنتهي عند تدويرة كبرى:المؤخرة في تونس شي عبقري فعلا؟!اليس كذلك؟! وقف يتامل الفاتنة الداخلة الى المقهى ؛عبرت قربه فلفه عطرها الشذي ؛ذهبت لتجلس على طاولة في منتصف صالة المقهى؛وضعت رجلا فوق رجل !

الله اكبر قال علي لنفسه ثم جلس قاىلا:
حسنا فلنهدها شرابا يدوخها!!. ..
الحقيقة انه ود لو يقول ذلك لكن كان الصمت المطبق يلفه يقتل كلماته في ضجة المقهى!كان صمته يلفه وهسهسة الغانيات تلف المقهى وهو مكتف بالنظر دون كلام؛ فمامعه من مال لا يكفي الا الاقامة وبعض القهوة العابرة! هل كان فرويد في مثل هذا الموقف حين اخترع نظرية حمقاء عن الكبت؟!ربما ربما ظلت ربما ترن داخله لفترة! القى نظرة باتجاه الشرق فتذكر ليبيا؛البلد الذي ينام الان! ينام سواء اكان خاىفا او مطمىنا في ليبيا الان ثمة القليل من الهدوء العابر والكثير من اطلاق النار ! خلف خط الحدود هناك.. تنام ليبيا الان ؛ الحرب الاهلية تشتعل الان هناك ود لوتنتهي الحرب؛ود لو ينتصر الجيش على الارهاب ود ؛ عموما لن تكون اخر حرب! ثمة متسع في العالم لحروب اخر.
عاد علي يخربش اوراقه ؛يحيل بياضها سوادا لامعا ،فكر :يجب ان يعاقب المرء على تخريبه بياض ورقة!
-استاذ علي بوجدرة.. مش معقولة ايش غربك هنا؟!
رفع علي راسه ليعرف محدثه المفاجى؛ اه قال؛هذا……يامرحبا يامرحبا بالنجم الكبير الممثل عبدالله بوطلة
-يامرحبا استاذ عبدالله .. غربني الكساد حصلت بقية مستحقاتي عن مقالاتي فجىت اسيح؛ اجلس يارجل تفضل
قالها علي مبتسما ابتسامة واسعة مشرقة .. كالشمس الصغيرة؛اشار عبدالله الى رفيقه؛ كان رجلا قصيرا وسمينا؛اسمر داكن؛ شعره ينزل على وجهه حتى يكاد يغطيه؛يبتسم بشي من بلاهة داىمة؛قال عبدالله
اعرفك برفيقي.. حمد بولقرينات منتج فني؛ احسن رفيق اتجيبه امعاك لتونس
ابتسم عبدالله بلؤم ثم واصل حديثه
يفهم في كل حاجة..اه العطيب يا..وايهني
ابتسم علي حاىرا وقال
اهلا وسهلا استاذ حمد..يامرحبا بيك وبرفاقتك ياعبدالله نورت
رفع علي يده طالبا النادل… دارت الكؤوس دورتها الاولى فالثانية..؛ امسك عبدالله بكاس علي ساىلا اياه
معقولة؟!مازلت ماتسكرش بكل وانا من بدري نحسابك تمشي امعانا؟!
ها ها..لا هظا ليم بس
رد علي ضاحكا مقهقها؛ واصل عبدالله
عارف ان نحنا فتحنا تصوير في مسلسل جديد؟!
اه… سمعت وقرات .. ربي يوفقكم
تعرف كم…
تدخل حمد مقاطعا عبدالله
-دقيقة يااستاذ بس
ووقف مسرعا يمشي كانه يهرول…؛ تابعه علي بناظريه بشى من ملل؛وقف حمد عند طاولة التونسية ذات المؤخرة الكبيرة التي كان علي يتاملها قبل دخولهما بلحظات!؛بدا انهما يتحدثان؛بدا ان الحديث يزداد حميمية فالتونسية تضع يدها في شعرها وتبتسم الان
ارتشف عبدالله رشفة سريعة من كاسه وواصل كلامه
تعرف كم عطينا الكاتب سعيد؟!
لا
عطيناه على الحلقة الوحدة مية وخمسين دينار
عاد علي يعزف نفس مقطوعته السابقة؛قال
ربي يوفقكم ان شاء الله
الامور ماشية الحمد لله..، شنو اخبارك انت؟!رديت تنشر بلاش في بلاش كيف قبل!ههه اه
دبت ضحكة عبدالله بوطلة في ارجاء المقهى فقتلت الصمت؛ابتسم علي قليلا؛و فكر في نفسه:ياراجل مازلت نبي منك خمسمية دينار ..وتدفع لواحد اخر وتضحك ايضا!
كان يود لو تخلى عنه خجله الفطري وصارح عبدالله بشعوره هذا؛كان يود…يود فقط
ترك علي اذنيه تتابعان بملل حديث عبدالله القافز من مسلسل الى اخر؛ ودارت عيناه في ارجاء المقهى ثم استقرتا في المنتصف تماما؛بدا ان المزاح تعمق بين التونسية وحمد ووصل الى تبادل الضرب على الكتف بطرف اليد!! واصلت عينا علي رحلتهما؛استقرتا على بياض الخارج الشتوي اللذيذ؛ردد علي هامسا
-العالم لا يزال يقف هناك!!
التفت علي بطريقة الية نحو عبدالله مكررا
ربي يوفقكم
بدا شي من عدم الفهم على وجه عبدالله؛ ثم استعادت ملامحه عاديتها وتقاليدها القديمة وقال:
انخطط لمسلسل كوميدي ثلاثين حلقة؛وحنعطي ميتين للكاتب؛تخيل ازمة سيولة وانا حنعطي ميتين!تخيل
-ربي ايوفقكم ان شاء الله
استغرق علي مجددا في تفكيره: ماله؟لما يكرر ذكر المبالغ المالية امامي؟! هل يود ان اعود لكتابة مسلسلاته؟!غير ممكن!؛لا يمكن لا استطيع القبول بنفس الشروط الزمن تغير حتى!! لم نعد عند نفس النقطة؛لا يمكنه اليوم ان يملي شروطه كما يشاء!!يود لو انه لا يعود لنفس الداىرة مجددا؛يود فقط!!؛كان ايضا يود لو غادره عبدالله فالملل يتسرب اليه الان!يود لو يؤثث طاولته بحضور تونسي لطيف ومؤنث! يود حضورا انثويا لا ارقاما تلمع ثم تنطفى!كانها لم تكن ..!!
هاقد عاد حمد؛تلمع في عينيه شارات انتصار!!؛ذهب مباشرة الى اذن رفيقه عبدالله يهمس؛حين انتهى من الهمس؛رفع راسه مبتسما التقى نظرات علي ارتبك ثم ابتسم مجددا!!رفع عبدالله ناظريه واشار محييا بيده التونسية التي كان يحدثها حمد!!
وقف علي بوجدرة وبدا كانه سيخطب خطبة سياسية هامة قال بصوت اقرب الى الهمس:
-العالم كله يقف هناك!!
كان عبدالله يبتسم بسخرية
-ها ها شكلك اسكرت عالريحة بس!
انتبه علي لوقفته غير المبررة فجلس!عاد لصمته المطبق يمخر امواجه!!؛عاد حمد يهمس لعبدالله؛وقف عبدالله مترنحا ثم استقام لثوان القى لعلي تلويحه وداع حزينة ثم مضى رفقة حمد الى طاولة التونسية!!؛اشار علي الى النادل؛وقفا لدقاىق يتحاسبان ويتجادلان علي يحاول التقليص والنادل يجتهد في اظهار الخدمة ..حين اصبح علي على رصيف الشارع خارج المقهى اكتشف ان حمد يركب سيارة ويغادر فيما عبدالله يلف التونسية ومعها اخرى لم يرها علي قبلا ويدلف لفندق متهالك يقابل المقهى؛ود لو.

رفع علي بصره الى السماء؛ كان البياض الشتوي مسيطرا تماما؛ فكر علي:
-ليبيا لاتزال تنام هناك… خلف خط الحدود تماما.

تونس-يناير 2016م

عن أحمد التهامي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى