قرن لينين… ثمانون القويري

• رجل ولد ليولد عالم: ثورة لينين 1917 – 2017

1-
أمي حريصة على كتبي أكثر مني فهي تراها روحي، ذات مرة جاءت إلى السجن لزيارتي تدس في كترها كتابا كيما لا يراه الحرس، خاتلتهم ودست الكتاب في الحاجيات التي جلبتها لي بعدما تم تفتيشها، في الزنزانة يا لهول المفاجأة كتاب لـ “لينين” ما هربت أمي الأمية من تدرك أن الكتب من الممنوعات كما مسدس مثلا، “لينين” من التهمة الكبرى اسمه يدخل في كتر أمي إلى زنزانتي رغم عسس الفاشية الليبية.

قرن مضى على ثورة لينين من قلب العالم يوم عاد في قطار فنلندا من المنفى ليشارك في ثورة أكتوبر 1917، وقلب العالم يوم فقدت هذه الثورة أنفاسها الأخيرة عام 1989. الثائر الأحمر من لم يفته أن يشيد بثورة عمر المختار -ضد الإمبريالية الإيطالية- التي كانت حينها عنده ثورة الليبيين من أجل حق تقرير المصير. قرن لينين مضى والعالم ليس العالم، وقبل في بلاد العرب انتشرت أفكاره ومعها رديفها ما سمى بالأيدولوجيا الماركسية التي كانت الضلع الثالث الأضعف لمثلث برمواد العربي: القومية / الدين/ الماركسية، ثم أن هذا جاء لليبيين بعد الانقلاب العسكري عام 1969 بتعسفات القذافي: النظرية العالمية الثالثة والكتاب الأخضر.

2-
حول ثورة لينين البلشفية علق المفكر الليبي يوسف القويري في مقابلة أجريت معه مؤخرا: “نشوء الاتحاد السوفييتي في الواقع تم على أيدي البلاشفة وهم ليسوا عمالاً، وديكتاتورية البروليتارية في حد ذاتها تفتقر إلى السند الجدلي، فالذين قاموا بالثورة هم البلاشفة، وجذورهم غير عمالية، وكذلك هم الذين غيروا الاتحاد السوفييتي إلى دول الرابطة… وقالوا بعد ما أعطينا “برستيج” تاريخي للطبقة العاملة تأتي وتحاصرنا وتطلب زيادة الرواتب، فلنحل إذا هذه المسألة. وكان لا يمكن لأي قوة في العالم أن تخترق الستار الحديدي وتسقط النظام، فالبلاشفة هم من أسقط النظام.”

يوسف القويري طاله العسف كما طال يساريين زمن الثورة على يد لينين: ” أذكر فترة الاعتقال مقترنة بالألم والدهشة في نفس الوقت، فالاضطهاد والحبس والمضايقة سنة 1953 تركت آثاراً سيئة. وعموماً فالمعتقل كان مدرسة بالفعل تضم كبار كتاب مصر وتضم الشيوعيين والتقدميين المصريين في معتقل الأوردي، وهو يشبه المعسكر بعنابره وجهامته وبداخله الدكتور يوسف إدريس، والأستاذ عبد الرحمن الخميسي، والشاعر المبدع فؤاد حداد، والرسام المعروف زهدي، ومعلمو البكباشي عبد الناصر، ومعروف أن الاعتقال لا يتم إلا في ظل الأحكام العرفية. الحكاية أني وجدت منشورات فقرأتها ثم رميتها في البيت، وعندما فتشوا البيت قاموا باعتقالي علي رغم عدم اقتناع النيابة، لانتفاء توفر الأدلة، وهذا السجن المؤقت على ذمة التحقيق كان في سنة 1953، أما المعتقل سنة 1954 و1955 فكان مخصصاً للتقدميين والكتاب المعارضين والشيوعيين، وعندما كنت هناك كان الرفاق في المعتقل يسألونني عن سبب اعتقالي والتنظيم الذي أنتمي إليه فقلت: منظمة الحزب الشيوعي، وعندما سألوني عن اسمي الحركي قلت لهم بصبيانية اسمي ماكسيم غوركي، فقالوا لي هذا الاسم غير موجود وبإمكانك أن تغادرنا، وقد كان المعتقل في الواقع دليلاً على كوني لم أكن على علاقة بأي تنظيم، وقراءتي للمنشورات التي وجدت عندي ليست دليلاً على أنني أتبناها، وقد كان المعتقل دليلاً قاطعاً على أني لم أكن شيوعياً، رغم جاذبية المنهج الماركسي من الناحية العلمية، فبصدد الجدلية المادية والمادية التاريخية نجد أن مورغان مثلاً في الولايات المتحدة، وهو عالم اجتماع أمريكي كلاسيكي وليس شيوعياً، قد أثّر في فكر الاثنين الذين صنعا وأسّسا الماركسية في التاريخ وهما الدكتور كارل ماركس، وله دكتوراه في الاقتصاد والفلسفة، وفريدريك أنجلز، وهو مليونير إنجليزي، هما لا ينتميان للبروليتاريا، فهما من مثقفي الطبقة العمالية، والدليل ما قاله ماركس عندما ناقشه أنجلز في المادية الجدلية، فقال: أنا لست ماركسياً؛ فماركس نفسه ينفي صفة الماركسية حين تناقش مع أنجلز في مكتبة المتحف البريطاني، وهو يقصد بذلك أن الماركسية ليست تعصباً.”

3-
قرن لينين ملف أصدرته الشهرية الفرنسية “لوموند ديبلوماتيك: “لقد كان مؤسس الاتحاد السوفيتي أمميا، دون شك. عاش لينين جزءا من حياته كثوري محترف في المنفى (ميونخ ولندن وجنيف وكراكوفي وزوريخ وهلسنكي). كما شارك في كل المناقشات الكبرى للحركة العمالية، في أبريل 1917م عندما عاد إلى روسيا حيث انطلقت الثورة منذ وقت قصير واستسلم القيصر، شق قطاره الأراضي الألمانية في أكثر مراحل الحرب الكبرى ضراوة، كان يستمع إلى نشيد “لا مارساييز” الفرنسي، وهي أغنية تجسد بالنسبة لرفاقه الثورة الفرنسية، هذه المرجعية تعد أكثر حضورا وعلى أكثر من صعيد في نصوص لينين مقارنة بتاريخ روسيا القيصرية. لقد كان لينين مسكونا برغبة جامحة مدارها تحقيق إنجازات تضاهي إنجازات اليعاقبة – أفضل مثال للثورة الديمقراطية ولمقاومة تحالف الملوك-، إضافة إلى ضمان البقاء في الحكم لفترة أطول من فترة حكم “كمونة باريس”، في هذا الصدد يبدو جليا أن القومية ليس لها أي مكان…” هذا مما جاء في افتتاحية الملف ما كتب سارج حليمي.

لقد بين يوسف القويري أن لينين ورفاقه ليسوا من طبقة العمال ما ادعوا أن ثورتهم ثورتها، وبعيد سنوات سيستولي ستالين على الحزب ومن ثمة السلطة، سيذبح رفاقه ممن سموا قدحا بالبرجوازيين الصغار، البلاشفة / الأغلبية من انشقوا عن الحزب وتبعوا لينين منذ عام 1912 في الثورة استولوا على السلطة وتخلصوا من البقية هم أنفسهم تخلص ستالين من جلهم، وعلى مذبح الثورة القدسي تم تصفية آلاف مؤلفة من الفلاحين، حتى أن المفكر الماركسي تروتسكي من كان من مؤسسي الجيش الأحمر سوف يقتل بفأس في منفاه بالمكسيك، لكن الشاعر المنتحر مايكوفسكي والسينمائي أزنشتاين وهلم من أمثالهم في العالم كانوا كما لينين قد غيروا العالم ما أمسي “سرياليا”. لم تكمل ثورة لينين السبعين حتى سقطت صريعة ما حاربت لكن هذا كما قيامها كان قارعة العالم ما لم تتبين خواتمه بعد.

• رجل لم يولد بعد: ثمانون يوسف القويري 1938-2018م
كتب يوسف القويري في ستينيات القرن العشرين “من مفكرة رجل لم يولد”: “وفي مجلة صباح الخير المصرية مؤسسة روز اليوسف كتب الروائي المصري المعروف الأستاذ عبد الله الطوخي سنة 1972 مقالة في ثلاث صفحات وصف فيها “من مفكرة رجل لم يولد بأنها رحلة إنسانية عظيمة” نحو المستقبل. وفي سنة 1973 أذاعت محطة بي بي سي باللغة الإنجليزية مختارات من هذا الكتاب. وحذت حذوها الإذاعة الفرنسية في نفس السنة فأذاعت يوميات مستقبلية من هذا الكتاب باللغة الفرنسية. ومنذ ثلاثين سنة تقريباً قامت المستشرقة البولندية الكبيرة Eva Machut-Mendecka أستاذة كرسي الآداب الشرقية بالجامعة في العاصمة البولندية بمطالعة الطبعة الأولى من كتاب “من مفكرة رجل لم يولد” ثم كتبت حوله دراسة تحليلية نشرتها في ذلك الحين، وقد وردت الإشارة إلى تأريخ تدوينها التحليلي في إحدى محاضراتها القيمة. أما في تشيكوسلوفاكيا فقد ترجم المستشرقان التشيكيان الكبيران الدكتور “كارل” ورفيقه مختارات من كتاب “من مفكرة رجل لم يولد” في العاصمة براغ، ونشرا ذلك في كتاب عن الآداب العربية بعدما أضافا إليه دراسة عن المفكرة.

والحقيقة أن يوسف القويري لو لم يكن غزير الإنتاج واكتفي بهذا لعد غزيرا، هذا الكاتب الذي لم يولد بعد، فما كتب رهينا بأن يقرأ غدا.

أذكر أني التقيت الشاعر عبد الوهاب البياتي ببغداد وكان قد نشر عن دار العودة اللبنانية المختصة حينها بنشر الأعمال الكاملة للشعراء أعماله الشعرية في مجلدين بمقدمة يوسف القويري، فقلت له أنت شاعر شهير كتب عنك وعن أشعارك بالعربية وغيرها، فما جعلك تختار مقدمة أعمالك لمغمور وإن كان صاحب غور فيما كتب عنك؟. قال سألت وأجبت.

في يوسف القويري صرامة العلم، روح الفن، دقة التقني، تأمل الفيلسوف، حرص المعلم، ونتاجه يتسم بالكثافة واليسر وعدم الإطالة فما كتب كتابة ما قل ودل، لذا العلم عنده البصيرة والبصر وأن الكون الشعر وفي البدء كان الكلم.

ملاحظة: ثمانون يوسف القويري العام القادم: “مولود في المهجر المصري سنة 1938، وتلقيت تعليمي هناك، وعدت إلى الوطن في 1957”.

أدعوا للاحتفال بقامة هذا المفكر السامقة في ليبيا وأتمنى على المثقفين الليبيين، خاصة الكتاب والأدباء والفنانين القيام بذلك، وفي مصر حيث ولد يوسف القويري أتمنى على دار الوسط ورئيس مجلس إدارتها الأستاذ محمود شمام والأستاذ محمود جبريل رئيس تحالف القوى الوطنية رعاية وإقامة احتفال “ثمانون يوسف القويري”.

يوسف القويري الرجل الذي عاش لنا عام 2565 في عام 1965 وإن لم ننتبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجع:
1-لوموند ديبلوماتيك-نشرة شهرية-النسخة العربية: تونس-العدد 20-أكتوبر /نوفمبر 2017م-ملف قرن لينين-مدير الدورية رياض بن فضل.
2-يوسف القويري: لا طقوس للكتابة-حاروه: محمد الجنافي-موقع الأيام الليبية –أكتوبر 2017م.

 

نشر بموقع بوابة الوسط

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن أحمد الفيتوري

• أحمدالفيتوري – بنغازي – أغسطس 1955 م .
• عمل بالصحافة منذ عام عام 1973 م وحتى الآن ، وعمل في المسرح الاهلى حيث شارك في تأسيس فرقة المسرح الحديث التي أشرف على اللجنة الثقافية فيها ، ورأس تحرير مجلة ” الرائد ” التي اصدرتها الفرقة في عقد السبعينات من القرن الماضى .
• نشر العديد من المقالات تحت اسماء مستعارة في البدء مثل فاطمة بازامة وأنيس محمد ، ونشرت مقالاته الاولى بجريدة الحقيقة في أعدادها الاخيرة قبيل اغلاقها عام 1971م ، ومجلة جيل ورسالة التي كانت تصدرها انذاك مفوضية كشاف ليبيا .
• أسس وأشرف على الصفحة الثقافية : ” افاق ثقافية – كتابات شابة ” بجريدة الفجر الجديد التي كان يرأس تحريرها الاستاذ عبد الرحمن شلقم وذلك عامى 1976 – 1977 م ، ثم مديرا لتحرير جريدة ” الاسبوع الثقافي ” أول جريدة اسبوعية عربية مختصة بالشأن الثقافي وذلكم عام 1978م ، وقدم العديد من الملفات الثقافية العربية لكتاب شباب ، كما اشرف على اعداد ملفات ثقافية ليبية في الصحف العربية مثل الطليعة الادبية العراقية .
• قضى فترة 1978 : – 1988 م في السجن في قضية راى ، وفي السجن عمل على اصدار منشورات بامكانيات السجن المعروفة حيث شارك زملائه في اصدار مجلة النوافير الفصلية التي كانت تصدر من نسخة واحدة يطلع عليها كل السجناء ، وقد صدرت عن منشورات المجلة جملة من الكتب منها ما ترجم عن الايطالية ؛ رواية وكتب تاريخية متوسطة الحجم وعن الفرنسية والانجليزية وكتب مؤلفة : تصحر الدراما في التلفزيون العربي ، العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي – بمناسبة اغتيال المفكر العربي حسين مروة ، عودة مواطن كتيب في فيلم محمد خان شارك في الكتابة له العديد من السجناء ، جدل القيد والورد في الشعرية العربية ، في فلسفة العلم ، .. وغير ذلك .
• عام 1990 م شارك في تأسيس مجلة ” لا ” واشرف على اصدار بعض اعدادها و نشر فيها بعض المواد دون توقيع .
• شارك في اعداد الكثير من المناشط الثقافية المحلية ، كذلك شارك في مناشط ثقافية عربية في القاهرة ودمشق وبغداد والجزائر وتونس ونشرت بعض كتاباته في الصحف والمجلات العربية : الفصول الاربعة ، الثقافة العربية ، الثقافة الجديدة ، الناقد ، الحداثة ، الحياة الثقافية ، نزوى ، انوال ، الصحافة .. وغيرها.
• من كتبه :
• سريب – رواية – مركز الحضارة العربية – القاهرة ، موقع أفق على الانترنت
• شئ ما حدث شئ ما لم يحدث – كتابة مسرحية – دار نقوش عربية – تونس .
• قصيدة الجنود – في المسألة الشعرية الليبية – دار الجماهيرية – طرابلس .
• جدل القيد والورد أو ستون الشريف – تحرير – نشر شخصي – طرابلس .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى