حفر السؤال بإبرة خياطة

(قراءة في قصة (الغميضة) للقاصة نجوى بن شتوان)

الروائي والناقد / سامي البدري –العراق

الكاتبة نجوى بن شتوان

ليس هناك ما يخيف… بهذا النفي القاطع تجيب القاصة، نجوى بن شتوان، على سؤالها الذي مازال قيد الحفر (هل لنا أن نقول إنه مازال إفتراضا… في هذه اللحظة على الأقل؛ أم تراه هو سابق لأنه قائم في سلسة إفتراضات الناصة ذهنيا؟) ذلك السؤال الذي أطرت للجاجته بعتبتها النصية (الغميضة) وجعلت منها مدخلا دلاليا يسحل خلفه كل مؤرقات الإيهام وفجاءات ما يقوم على تلكوئات الإفتراض؟

ورغم أن كل ما يأتي بعد هذا السؤال – بإستثناء الجملة التي تختم بها القاصة رسالة النص – هو خيط دخان، يبدو لأول وهله كأنه يدور في طقس ساكن الهواء، إلا أن حقيقة الأمر تقول أن سلسلة ذلك التداعي (الحر والموجه في الآن ذاته) والذي يمثل جسد النص ومفاصله الفنية والفكرية، يقول ذلك التداعي اننا نقف أمام مبدعة تحسن قياد أدواتها ولغتها وتناضل بإصرار مدهش، ليس على خلق الإيهام ولإقناع المتلقي به وحسب، وإنما يدلل على إمتلاكها القدرة على توريط المتلقي في عملية صناعة ذلك الايهام والإصطلاء به… في رحلة إصطياد الندا، بتعبير الشاعر علي جعفر العلاق…. وهل الكتابة الإبداعية إلا رحلة توريط في وهم إصطياد الندا؟

لنعود الآن إلى سؤال جواب النفي الذي إقتحمت به القاصة نجوى قيلولة إنغماسنا في عملية القراءة، ولننظر في مدى نجاحها في عملية إحالتها لفعل إسترخاء القراءة إلى فعل كد ومطاردة لإصطياد الندا، ولنتساءل عن هوية مطارحات ذلك السؤال ومقاصده، وإذا ما كان ذلك السؤال قائما خارج إعتبارات القاصة الفنية.. بمعنى: هل يمثل ذلك السؤال جزءا من وجعنا وهمومنا كمتلقين، وما هي وجهته في خارطة حراكنا الفكري وبناه الفلسفية؟

لنبدأ بحثنا عن مفاتيح ذلك السؤال، وهو يمثل جسد رسالة النص الغائب، في عتبة الدخول (عنوان النص) والذي أصرت الناصة على تفخيخه بفعل التتابع الإيهامي: (الغميضة) وأول ما يتبادر إلى الذهن عند سماع إسم هذه اللعبة هو فعل إغماض العين وحجب البصر عن فعل التخفي المقصود (الإيهامي) من أجل الوصول بالحواس إلى متعة فعل الكشف ودحر فعل التخفي (المصطنع)… ولكن هل يقودنا هذا الفعل لأكثر من بداهة فعل التخفي المؤقت من أجل تحقيق فعل الإكتشاف السريع غير (المفخخ)؟ وبصياغة أكثر تحديدا: هل يثير فعل (الغميضة) لواعج السؤال أو يصنع سؤال لإجابة نجوى بن شتوان – في نصها الذي بين يدينا تحديدا – القاطعة، والتي جعلت منها عتبة دخول مفسرة للعتبة الاولى (العنوان)؟

الغميضة جسد لسؤال مضمر، إختارت – وهذا من صلب فنية إشتغالها الابداعي الذي يحسب لها – الناصة أن تلقي به إلينا من أجل مواجهة وجع السؤال المؤجل (لعلي أكون أكثر إنصافا إذا ما قلت يختار أغلبنا تأجيل مواجهته!!): إلى متى سنبقى خائفين من مواجهة مرارة سؤال الوجود والاصطلاء بفداحة عمقه في مرآة الذات؟

هل وضعنا أيدينا الآن على السؤال الذي تجيب عليه نجوى بن شتوان قاطعة، بنفي قعل ليس: ليس هناك ما يخيف؟

لنتتبع متلازمة منعرجات فعل القص لديها ولنرى من أي نقطة تبدأ وعند أي نقطة ستتوقف… وطبعا لن تنتهي.. (فهذا مجرد خيط في نهايتيه إبرتان.. واحدة منهما في البيت والبيت فيه بنات… والبنات لديهن خروم والخروم فيها حلق…)… وطبعا الإبرة التي تتركها الناصة سائبة لا يعني عطلها وإنما، وبتقدير قراءتي النتواضعة، هي مؤجلة الفعل لحين إنجلاء ضجة مرح الغميضة… ولثقب بالونات خداع الذات… طبعا بعد أن تكتمل صورة هذا الخداع بفعل حفر إبرة… الحلق أم الخلق يا بنت شتوان؟!

متلازمة التعرج في مسارب الصورة التي تختار نجوى ألوانها الخاصة لرسمها، هي الصورة النمطية ذاتها التي تظهر بها حياتنا، وإن إختلفت ثيابها في كل ظهور وتعددت ألوانها.. ولهذا فإنها تعمد إلى لغة الإشارة في دلالاتها عبر توظيف احدى ألعاب الأطفال المتوارثة في موروثنا الحكائي العربي، مستغلة إنثيالها وتداعي الفكرة عبر سلسلة الصور التي تبثها من أجل أن تعطينا في النهاية صورة للصورة النمطية التي تحكم الاشياء من حولنا أولا، وصورة لما يجري ويحكم قوانين هذه الأشياء وفحواها: كلنا يلعب الغميضة (خداع الذات) وفق ما تقتضيه رؤاه ومصالحه…. وحقيقة الأمر هي غير هذا كله وأبسط من هذا كله… ولكن جميعنا لا يريد الاعتراف بهذا أو مواجهة النفس به..

كل هذا تحفره إبرة الخياطة دون أن تمنحنا الناصة فرصة للسؤال لماذا قبل أن ترسم لنا كل أبعاد الصوورة، ليس حراجة من ضغط هذا السؤال وإنما لأن السؤال عنه محور النص المضمر أو الرابض خلف كل عطفة تعطفها بنا إبرة نجوى بن شتوان في جبة الهم الانساني… (هل كان عليّ أن أستبدل كلمة تعطفها بكلمة تخزنا لأكون أكثر صراحة من نجوى في تأشير مواضع الألم، وخاصة عندما تخز إبرتها يأفطة همومنا على ثياب السلطان)؟

لنبقي الإبرة في يد بنات البيت (هل كان عليّ أن أقول بنات نجوى لأكون – أيضا – أكثر صراحة منها في تأكيدها على هموم بنات جنسها في الطرح ومعالجة الخروم؟) ولنتباع جولتها في وخز الخروم (وليس رتقها، وهذا أهم ضربات نجوى في الطرح والمعالجة في نصها هذا) والتي تبدأ بالحلق، محنة الكلمة وإعلاء صوت الرفض وقول كلمة لا، والتي، وبعد جولة على جميع مواضع الأوجاع المخيفة، تعود لتقول لنا ما أدخلتنا عبر بوابته: ليس هناك ما يخيف… فنم… وهي تعني إستيقظ أيها الطفل فقد حان وقت السؤال…. لأن، وبعد أن شخصت لك إبرتي كل مراجل وجعك (وجعنا الرابض)… فإنه ليس هناك ما يخيف من المواجهة… مواجهة السؤال طبعا.

ليس هناك ما يخيف، تقول نجوى، رغم أن ( السماء ستنطبق على الأرض والأرض يباب واليباب قتل والقتل جريمة والجريمة لها عقاب والعقاب يملكه السلطان – في أنظمتنا الفكرية والسياسية – والسلطان غير نائم… ) ولكنه حتما سينام وستفاجئه ألوان ثيابه على حين غرة… وهذه فحوى رسالة النص… فنم أيها الطفل لأنه ليس هناك ما يخيف في النهاية.

ولكن.. هل سيقتنع الطفل بأن ليس هناك ما يخيف فعلا وألف سيف من التخويف والترهيب والشد إلى الماضي والتجهيل بإسم القيم والأصول مسلطة على طرق تفكيره وعلى خطواته على مساحة خارطته الشخصية؟

فنم…

نام الطفل في منتصف قصة الخيط ولم يتبق سوى النصف الآخر… ولكن ما هوية ذلك النصف الآخر وما هي وجهته؟

إبرة نجوى بن شتوان تترك لنا رسم حدود ذلك النصف، ولكن في حدود الملامح التي حددتها لنا في … (غميضتها)… والتي كشفت لنا فيها، ليس ألوان ثياب السلطان وحسب، وإنما ألوان جميع الأشياء التي يلتقطها ذيل القطة الملطخ بالصمغ… وكلنا يعرف ماذا يكون ذيل القطة وأي جزء يستر من بدنها!

هل بعد كل هذا ثمة ما يخيف؟

إذن فلنستيقظ!

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى