العرضحالجي …(1) تحليل فلسفي لعلاقة الأدب بالسياسة

قبل الشروع في مناقشة تفصيلية للموضوع ثمة محطتان لا بد من التوقف عندهما لوضع إطار عام جدا لماسياتي من تحليل وهما:

1.طبيعة المقاربة:

ثمة الكثير من الفوضى الخلاقة المعاصرة في المفاهيم والتصورات ؛ بالنسبة لي هذه الفوضى هي مستقبل الدراسات الإنسانية !! ؛ وليست أمرا مكروها يجب اجتنابه؛ بالنسبة لكثير من المعتادين على التنظيم والطرق الفردية الواحدية في النظر سوق تشكل مسالة تعدد المقاربات في ذات المجال المعرفي وبذات وسائط المقاربة مشكلة، إذ لطالما اعتادوا أن طريق الحقيقة -وهي منتج ايديولوجي قديم ومستهلك -هو طريق واحد لا إمكانية لتعدده!!وسبب هذه الفوضى هو الانفجار غير المسبوق في الكتابة؛ ثمة سيل من الكتابات التي تناقش كل شيء في كل ان !!؛ ويزيد الأمر تعقيدا من تلك الوجهة التي أراها عند آخرين – وقد أعانيها احيانا لطول قراءاتي الكلاسيكية- يزيدها تعقيدا غياب كامل للروادع و الكوابح  القديمة (السلطات المختلفة/ تقنيات المنع والحصر / تقنيات الامتحان المسبق الخ…)؛ثمة ايضا تحرر غير مسبوق من كل التزام مسبق !!؛ من هنا يحدث في كثير من الأحيان والكتابات أن تختلط الممارسة الفلسفية بالكتابة العلمية المحض!!؛والفارق بينهما أصلا محدود ولا يكاد يرى بالعين المجردة المعتادة على فوارق كبيرة واضحة؛ فبينما تنطلق كل مقاربة علمية من محاولة حصر الموضوع وتحديده ثم اقتطاع عينة صغيرة لإجراء مشارط الفحص فيها؛ ويكاد يكون هذا شرطا لازما لتأسيس كل عمل علمي؛ تنطلق على العكس من ذلك كل ممارسة فلسفية الطابع من إطلاق وتعميم لا يكاد ينحصر ؛ بل يتعمد أن يكون حرا من كل حد !! وفيما تؤدي كل مقاربة علمية إلى ضبط العلاقة بين مفهومين منتجين سابقا دون تورط في فحصهما ؛ فإن كل مقاربة فلسفية يكون هدفها بحسب جيل دولوز – الفيلسوف الفرنسي الشهير – أن تنتج مفهوما جديدا دائما لا يستقر له حال(1).
ونحن هنا نستخدم التحليل الإشكالي الفلسفي؛ لأن وظيفة هذا التحليل هي توضيح المفاهيم والتصورات وليس فقط إنتاجها ؛ من خلال طول مدة سبرها وتعريضها لأصعب الاسئلة و أكثرها إحراجا بقصد استخراج العموم والشمول و التجريد منها…

2.أين نقف الآن ؟!

نحن في ليبيا اليوم كبقية حزام شمال افريقيا في نهاية فترة رمادية؛  نهاية فترة تحول أساسية ؛ وعلى عكس ماهو شائع لدى العامة فإن أزمنة التحولات الخطيرة هذه هي أزمنة تغيب فيها كل بوصلة ؛ ويسود فيها ظلام دامس يمنع رؤية أي طريق نسلك وإلى أين نتجه؛ وعلى عكس كل خلاصة نظرية ثمة دائما قوانين واقعية سوف نجبر على تعلمها ودفع ثمن تعلمها بأنفسنا بأيدينا دون وساطة…!.
نحن في ليبيا اليوم في السنة السادسة من عمر ازمتنا / حربنا الاهلية؛ وهي ازمة /حرب سوف تخلق المجتمع كما سوف اخيرا طبعا تخلق الدولة التي كادت ان تندثر في عمق دوامة الازمة /الحرب !! ؛ وهذا يعني ان كل ما استقر سابقا خلال فترة تمتد منذ نهاية الحرب الليبية الايطالية  في 16 سبتمبر عام 1931 وحتى 17 فبراير عام 2011 م يخضع اليوم لحالة مراجعة تعتمل فيها عوامل الغضب والقرف من كل ما ألفناه وقبلناه واعتدناه(2)؛ وسوف تحدث مواجهة مدمرة مابين ما اكتسبناه من ثقافة الريع النفطي خلال 52 سنة من عمر الإيراد النفطي الليبي وبين ما أنتجته 6 سنوات متتالية حادة من نقد لكل شيء؛ ومن المؤكد هنا أن سنوات الحرب ستجر في ركابها الكثير مما اعتدنا على تكراره من اعتبارات لا صحة لها ولا قيمة عملية أيضا؛ لكن ثمة أيضا خطر محدق قد يؤجل إلى حين نتائج المعركة ويضعها لسنوات أخر في منطقة رمادية تنتصر فيها الملامات المؤقتة ؛ وذلك هو خطر عودة الريع النفطي الى الحياة في ظل استقرار سياسي طويل المدى ؛ فتتأجل كل معاركنا لتنفجر لحظة نهاية المورد النفطي بكل قسوة يمكن تخيلها !!؛ وهذه المحطة الثانية تحد من اطلاق وعمومية الموضوع فثمة تغير يجري الآن…….!
فكما هو الحال  في ليبيا  دائما : لاشيء يموت تماما … ولا شيء يستوي على عوده تماما! ثمة دائما منطقة رمادية منطقة تردد تطول …؛ فلا تكاد السياسة تعرف نفسها فيها؛ ولا يكاد الأدب يرى صورته على سطح بحيرة في يوم صيفي قائظ!!.

التحليل:
(  1):

لا يلتقي المواطن العادي في حياته اليومية بالأدب؛ بل بمنتجاته المفرقة؛ يلتقي بمنتجات أدبية مختلفة قد لا يتعرفها باعتبارها أدبا؛ إذ تبدو له من جملة الكلام السائر في أحاديث الناس؛ يلتقي بحكم وأمثال وقصص وحكايات شعبية وأشعار  أغلبها شعبية وقليلها فصيح ومن أمثلتها :
عليك وقت متعاكس غلب هندازه
وكل قلب واخذ مالهموم مزازة!!(3)
أو
شايلينك وانت اللي شيالة
الدنيا قديمة كل يوم بحالة!(4)
أو
اهلا صباح الخير وانستينا
الله كريم ياناقة اللي جيتينا(5)

و في الحس العام؛ أي  اتجاهات الرأي العام؛ المعبر عن شرائح واسعة من الناس؛ يرتبط ذكر الأدب بشئ من اللمعان و الابتسام…؛ فيما ترتبط السياسة بشئ من الكآبة والتجهم ..!!؛ فلماذا يبدو الادب جذابا و السياسة طاردة؟!…
يمكن تفسير وفهم اللمعان المرتبط بالادب إدراج عدة تفسيرات محتملة ومتباينة ؛ لكنني اميل الى ان جزءا من هذا اللمعان يعود الى غموض ما لايزال حتى الساعة لصيقا بحقل الادب لدى عامة الناس؛ يبدو الادب من هنا شيئا لطيفا صغيرا زائدا عن الحاجة؛ شيئا يستطيع المرء ان يتجاهله ويواصل عيش حياته كما كانت؛ وان كنا نحن الادباء والكتاب  في بلدان الاطراف البلدان التي  لا تنتج الكثير بل تستهلك الكثير ؛نأتي اليه سكرانين بقدرته على التغيير؛ من اعتقادنا انه سيكون وسيلة لعمل جماعي مؤثر  ؛ فمثل هذه الاوهام تروج بكثرة في البلدان التي تمور بالحركة تحت سطح ساكن؛ فيما لا يبدو الادب لبقية المواطنين  إلا شيئا لطيفا يمكن وضعه جانبا ونسيانه !!؛ بل يصل الامر ان بعض النخب السياسية تعبر عن اعتباراها الادب ترفا زائدا عن الحاجة (6)؛ فيما يصعب ان توصف السياسة بهذه الاوصاف(اللطافة/البساطة/ الزيادة الخ ..)؛ بل على العكس تؤخذ السياسة دائما كما لوكانت تعريا تاما للنوايا والمقاصد التي تظن نفسها مغمورة في الخفاء!!؛ تبدو السياسة من هنا شيئا خطيرا جدا ومؤثرا جدا ؛ حتى في حالة المجتمعات المستقرة.

ولكن………
ما هو هذا الأدب؟ ما هو هذا الشيء البسيط اللطيف والزائد عن الحاجة ؟!

الأدب بحسب مايشيع لدى الرأي العام دون تدقيق هو ذلك الكلام المصنوع اولا ثم الممتع والجميل ثانيا؛ وبالرغم من ان كل مصطلح من هذه الثلاثية يحتاج الى مؤلفات تبحثه لوحده دون ان تحسم امره؛ الا اننا سنعتبرها مفهومة ولا تحتاج شرحا !!!؛ لماذا؟ لأننا نرغب في التقدم لا الوقوف عند حد التعريف فنصادر اولا على قبول معنى عام قد يجعلنا اقرب الى دراسة الادب التجاري وقليلا من الادب التعليمي ويبعد تلقائيا ادب النخب عن ساحة اهتمامنا ؛ وهذا امر مقبول لفائدته العملية ولرغبتنا في تجاوز المفاهيم الكئيبة التي تدعو بعض المثقفين للاشادة برواية بالغة الغرابة والمرض لمجرد انها تتحدث عن الكتب مثلا ؛ فيما لو اعطيت لمواطن عادي( لاحظ للمرة الثانية  تطل هذه الشخصية المفهومية برأسها غصبا عن ارادتنا ؛ وفي ظني انه لا يمكن تحديدها إلا باعتبار ضدها ؛ انها ضد المثقف هنا)؛ لألقاها  على اتساع يده الى اول تجمع زبالة !!؛ اما السياسة بحسب نفس الرأي العام فهي كل ما تعلق بشؤون الحكم؛ أي كل ما تعلق بمن يحكم الناس وكيف يحكمهم( ولو كنت مثقفا أي كئيبا كبيرا لعلمت ان ميشيل فوكو  الفيلسوف الفرنسي له فهم مختلف لمسالة السياسة هذه يستمده من جملة فرضيات بعضها نيتشوي الطابع) (7)؛ و لقد غدا من المعتاد التأكيد الدائم على تعالقهما ؛ والذي قد يكون منشاه رغبة ادباء العالم الثالث في اكتساب اهمية زائدة (= رأسمال رمزي) في مجتمعاتهم عبر ربط انفسهم بالحقل الاهم في هكذا مجتمعات.
والسياسة المصممة على البحث عن كيفية تجميع حشود الناس وإدراجهم ضمن فاعلياتها المنتجة( انتخابات؛احزاب؛ استفتاءات؛مؤسسات؛ جمعيات؛……….الخ) لا يكاد يجف لها ريق وهي تشاهد اعدادا من البشر تنجذب وتهتم بحقل الادب او رديفه المعاصر  عالم التلفزيون او السينما؛ فتفكر في استثماره لمصلحتها واستخدامه وتشغيله ضمن انشطتها….و

و  لكن !!…….
ما سبق هو النقطة الاعتيادية التي يتم غالبا الدخول منها للحديث حول علاقة الحقلين الادب والسياسة ببعضهما ؛ فيشار تقليديا الى سوء نية السياسة(= السلطة/الحكم/النظام الخ) تجاه الادب وسعيها لضبطه او منعه او محاصرته الخ…؛ فيما ازعم انا ان جهدا بسيطا كفيل بان يكشف النصف الثاني من الدائرة؛ أي حين تعتمد اعمال أدبية ما على استثمار انتشار نزعات سياسية لتنتشر معها؛ او بين جمهورها( افكر هنا في روايات ماكسيم غوركي وارتباطها بتمجيد الحزب الشيوعي له؛ وروايات ميلان كونديرا واندراجها في اطار عمليات اسقاط الاتحاد السوفياتي بالرغم من ان الكاتبين بالنسبة لي هما اكثر من رائعين !!)؛ و ايضا وفي نفس الاتجاه ثمة امر بالغ الدلالة هنا وان لم اكتشف شخصيا اهميته الا بعد اطلاعي على روايات ايريس مردوخ الكاتبة البريطانية المشهورة ؛ وهو ان اختيار الموضوعات الاساسية في الروايات او تلك الثانوية هو ايضا معضلة تستحق الاهتمام ؛ وقد كنت اعتقد انه ليس امرا يستحق ان يشغل المرء نفسه به؛ فبعض الحمقى ممن اثروا فيا شخصيا لفترة من الزمن كانوا من كبار دعاة التداعي للحر للموضوعات ويبدو انهم اخيرا قد تداعوا تماما عندي على الاقل!!؛ وعلى هذا تكون السياسة وفرت ولا زالت حتى الان في العالم المتخلف على الاقل توفر موضوعات تستحق الكتابة حولها وعنها سواء اكانت اساسية ام ثانوية؛ اذن ثمة استغلال من كل حقل للاخر…؛ والحقيقة ان استدعاء مفهوم مواطن عادي ومتابعة الحس العام تقتضي ان نفحص بدقة تصورات هذا المواطن عن الحقلين وهل يترابطان عنده ام لايترابطان وذلك مانحن بصدد عمله..

وللحديث بقية/نهاية الجزء الاول.

_____________________________________

إحالات:

1.انظر جيل دولوز و فيلكس غيتاري؛ماهي الفلسفة؛ ترجمة:مطاع صفدي؛ط1؛(مركز الانماء القومي ؛ اليونسكو؛ المركز الثقافي العربي؛ بيروت ؛ باريس؛ الدار البيضاء؛1997)؛ ص30.
كما يقف في خلفية فهمي لموضوعي التعالق كتاب اخر  هو:
جيلبر بوس؛ مدخل الى الفسفة؛ ترجمة : رجب بودبوس؛ط1؛(الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والاعلان؛ مصراتة؛1994).

2.اكتشفت هذا المعطى من خلال دورة تعليمية حاضرت فيها حول سبل تعلم كتابة المقال في شهر اكتوبر  2016م ففوجئت بنوعية تفاعل الطلاب الحاضرين واغلبهم  في سن شابة جدا؛ حيث كان نقدهم عاما شاملا لا يكاد يستقر لهم قرار؛ وهو امر مفاجئ لأنني خلال تواجدي لأكثر من عشرين سنة في المجال الكتابي و الاعلامي لم اوجه عاصفة كهذه قبلا.

3.هذا البيت باللهجة المحكية في ليبيا وهو واضح نقريبا لانه تحسر على الوقت الذي يغلب كل مخطط (هنداز = مهندس)؛ وكل قلب -أي كناية عن الفرد -له نصيب من الهموم لابد ان ياخذه.

4.بيت اخر باللهجة المكية الليبية ويعني تقريبا الاستغراب لانقلاب حال الناقة بتطور و تغير الزمان فبعد ان كانت هي من تحمل الناس على ظهرها رآها الشاعر تحمل على ظهر شاحنة !.

5.من الابيات الدارجة جدا في اللهجة الليبية؛ وفيه لعبة بسيطة تقوم على تعداد ؛ اولا اهلا ثم صباح الخير ؛ ثم انستينا وهذه كلها تجعلك تظن ان الشاعر يخاطب امراءة هي حبيبته ثم تكتشف ان حبيبته ناقة وصلت اخيرا اليه ؛ ويقال للدلالة على شدة تعلق الناقة باهلها حتى انها قطعت الصحراء من طبرق الى بنغازي( 600 كيلو) لتصل اليهم.

6.خلال الحرب الاهلية الليبية 2011-2017 عبر اكثر من مسوؤل ليبي عن اولويته ليست الثقافة او الادب بل البطاطين مثلا او قافلة طماطم لإغاثة الجائعين الخ…

7.يرى ميشيل فوكو السلطة ضمن اطار علاقات القوى ممتدة عبر كل جسد المجتمع؛كما انها مترابطة مع المعرفة؛ فجزء من اكتساب السلطة قائم على معرفة تقنياتها؛ أي انها ليست مجرد هيكل فوقي بل هي علاقة ثنائية دائمة الحيوية والتغير؛ فعلاقة الرجل بالمراءة مثلا قد تكون عنوانا لفهم موضوعة السلطة حيث يكتسبها احدهما فيأمر فيطيع الاخر؛ ثم قد تنقلب الحال لفهم المزيد انظر: ميشيل فوكو؛ يجب الدفاع عن المجتمع: دروس الكوليج دي فرانس؛ترجمة : الزواوي بغورة؛ ط1؛ 2003م.

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن أحمد التهامي

إلى الأعلى