القطوس

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

 

(1)

قررت في تلك الليلة الماطرة الرحيل، كانت سماء نابولي قد تنبأت منذ الظهيرة بانهمارها، وكنت أعلم أن أزقة نابولي الحجرية المتجهة صوب الميدان ستفتح عيونها وترسل دمعها بلاهواده، لكنني قررت الرحيل.

لم أُقبّل لوتشيا، ولم اتمرغ على صدرها، تركتها مع باولو الذي كان يغرز الإبر في وريده ثم يقذف بها بعنف نحو السرير. لم أطق رؤية لوتشيا تقاومه، ثم تستسلم، ثم تبكي حين يرحل. أحببت لوتشيا كثيراً، لا أتذكّر متى التقيت بها، كل ما أتذكره أنني شعرت بدفءٍ بين ذراعيها، وشربت الكثير من اللبن في ذلك اليوم، ونمت في فراشها. عشنا أياماً جميلة معاً.. أيام يلظمها الهدوء، لدرجة أنني شعرت بمللها. حتى جاء باولو.. فرحت بباولو، كان يدلّلني في الأيام الأولى، ويشتري لي البسكويت الذي أحب، لكنه سرعان ما توقف، ثم بدأ يركلني ويطردني من الغرفة، أراه من شق الباب يغرس الأبر في وريده، يعنّف لوتشيا ثم يرحل ويتركها تبكي.

تبلّلت كثيراً في تلك الليلة، لكنني لم أفكر في العودة أبداً، كان قراري نهائياً.

أخذتني أقدامي إلى مكان واسع وخالي محاذٍ للبحر، كانت برك المياه تلامس صدري، أرتعد وأطرد عن شعري حبيبات الماء، ولم أتوقف، حتى رأيت مركباً كبيراً.. أقصد “سفينة”.. كانت لوتشيا تغني أغنية “السفينة” تقف على حافة النافذة، تسمع نفير السفن، تلتفت إليّ وتقول، كم أتمنى الرحيل.. لكن باولو كان يهزأ بها حين تغني “اقفلي فمك أيتها العاهرة”. لذا قررت الرحيل.

أقف أمام السفينة مشدوهاً، كانت كبيرةً، عالية.. وتقف على الماء دون أرجل ولا عجلات.. شعرت بشيء خلفي، شيء حي يكاد يلمسني، هممت بالقفز، لكنه أمسك بي من الخلف “هههه لن تفلت مني أيها الرمادي”!، همس في أذني واحتضنني، عندها فقط، شعرت بدفءِ صدر لوتشيا رغم ضيقه على عكس اتساعه.

هكذا بدأت حياة أخرى مع جوليانو… ألم يقولوا عنا أننا أصحاب سبعة أرواح!

كان جوليانو بحاراً، فارع الطول، مشدود العضلات، يمارس مهاماً عدة في السفينة، أتبعه أينما حل، يحب الغناء كلوتشيا لكن صوته كان سيئاً، يشبه الزجاج المكسور.. تمنيت أن يغني لي أغنية السفينة، لكنه كان يحب أغنية الوداع “Che Sara”

قريتي التي على الهضبة

ترتمي كرجل عجوز،

الضجر والهجر والفراغ هي أمراضك…

لم أفارق جوليانو حتى حدث ما تنبأ به وارتمى كرجل عجوز في شباك المرض، كانت تنهشه الحُمى، يحمر وجهه ويصرخ “أنا أغرق إنقذوني” “قطي يغرق ساعدوني على إنقاذه” لم أحتمل البقاء إلى جواره، كانوا يأتون اليه بالماء، يبللون جبهته، وحين أقترب يركلونني خارجاً. سمعتهم يشتمونني، ويعايرونني بأن رائحتي سمك.. ساءت حالة جوليانو لم يعد قادراً على الحراك، لم أتناول الطعام لمدة طويلة، كنت جائعاً فاضطررت للأكل من فضلات طاقم السفينة، قد يكون هذا السبب في ما ينبعث مني من روائح. لذا حين رست السفينة في ذلك الميناء شبه الخالي من السفن، في صباح مشرق، وهواء ندي، قررت الرحيل دون أن أتمكن من إلقاء نظرة وداع على جوليانو.

(2)

كانت أقدام كثيرة تنهب سطح السفينة، أتلمس طريقي بخوف من بينها، أغلبها تنتعل أخفافاً وتبرز أصابعها من فتحاتها، كانوا يصرخون كثيراً ويقهقهون، يرمون بأعقاب السجائر والعلب أحياناً في الماء. شعرت بالخوف والغربة، كان كل شيء مختلفاً، أبرزه أن أحداً لم يحفل بي، شعرت بأنني لا مرئي لذا خشيت أن تدهسني قدم من بين الأقدام التي تسير بفوضى.

وحين قفزت إلى الرصيف، شعرت بكثيرٍ من الراحة، كان شبه خال، التفت خلفي، رأيت البحر هادئاً وخطّ أحمر يزين الأفق، سرت مسروراً نحو الطريق. سرت كثيراً حتى أعياني التعب، وجدت صحن نافورة مهجورة تشبه نافورات ميادين نابولي لكن جوفها خال من أية تماثيل، قفزت اليها وقضيت ليلتي الأولى فيها. استيقظت على جلبة السيارات وشعري يكاد يحترق من شدة الحرارة، قفزت خارج الصحن، لكن حركة السيارات السريعة منعتني من قطع الطريق.. انتظرت حتى هدأت الحركة، ثم أسرعت الخطى نحو شارع تظلله الأشجار أوصلني لميدان واسع ونظيف.

في ذلك الميدان وقف كثير من النساءِ والرجال والأطفال يحملون لافتات ويهتفون بلغة لم أعهدها.. لمحت سيدة تبكي وهي تضم صورة فوتغرافية إلى صدرها، وأخريات يواسينها، والهتاف مستمر. وعلى الضفة الأخرى، جلس رجال في مقهى تظلله الأقواس يحتسون القهوة ويدخنون السجائر بشراهة.. تذكرت نابولي، لكن النساء كن مختلفات عن لوتشيا ونساء نابولي، أغلبهن يغطين شعورهن، ويرتدين فساتين طويلة تغطي سيقانهن.. حاولت أن أدخل بين اقدامهن، فلم أستطع.. سرعان ما غادرت الميدان من خلال أحد الشوارع المتفرعة منه.

لم يلتفت إلىّ أحد.. تناولت بعض الطعام من فضلات الدكاكين، ووجدت كثيراً من قطع الخبز الملقاة على حاشية المباني وكأنها علامات للطريق. لم ينهرني أحد وأنا أقلب الفضلات أبحث عما يناسبني للغذاء. وقفت على عتبات البيوت والعمارات، حاولت أن أفهم اللغة الغريبة، وبذلت مجهوداً كبيراً لعبور الطرقات وتفادي أرجل المارة، وأقدام عارقة، وجلاليب داكنة، وأكياس بلاستيكية، وصناديق ورقية، وفضلات طعام، وصناديق قمامة.

لم أعد اكترث بالأصوات العالية، لكنني لم آلفها.. إيقاع الأغاني، كركرة الأرجيلة، أكواب الورق المنكمشة الملقاة نحوي، كرة الأطفال التي برعت في تفاديها، همسات النساء وهي ترمي لي ببقايا الطعام، إمرأة تعنف صغيرها، زوج يصرخ في وجه زوجته، فتيات يثرثرن أو يضحكن، تصفيق أيادي تتعانق، دعوات المآذن للصلاة، جلسات المآتم وأطعمتها المكتنزة بقطع اللحم، درداب الطبل ولحن المزمار المختلط بزغاريد النساء، نحيبهن عند الفقد وما أكثره، شكشكة الرق وقرع البنادير في زفة العريس، ثغاء مغنيات الأعراس التي تذكرني بصوت “جوليانو”، رنين ملاعق الولائم، نداء الباعة الجوالين، عراك سائقي الإيفيكو.

لكنني أخاف من أزيز الرصاص ودوي القذائف، وأختبئ منه. كانت المخابئ كثيرة، وكذلك الطعام المسكوب، لذا فالعيش ممكن رغم الفوضى والزحام والجلبة وعدم الأمان.

نزلت لهذا الرصيف البحري فجأة ودون تخطيط، لذا رغبت في الرحيل مجدداً، تمنيت العودة للوتشيا، كم اشتقت إلى حضنها، النساء هنا لا يحضن ولا يقبّلن إلا وراء الأبواب. والرجال يصرخون، والأطفال دوما يمرحون، لكن لا أحد يكترث لي، كان عليّ تدبر أمري في كل مرة.. عبرت البوابات بسهولة بينما عشرات السيارات تصطف وتصطك أمامها، لا أحد يراني.. قليلاً ما تمطر في هذا البلد، لكنها تشع دفئاً وقد تحرق وتلسع أحياناً.. كان هناك دوماً ملاذ في مكان ما.

اشتقت للوتشيا كثيراً، لذا قررت الرحيل…

عدت إلى الميناء، عبرت البوابة سرت بمحاذاة المسلحين ولم ينتبه إلىّ أحد، وقفت على حاشية الميناء أنتظر، طال إنتظاري ولم تأت سفينة. كان صوت الرصاص ينداح من خلفي، فزاد من توقي في الرحيل ولم أعد اطيق البقاء. لم ترسُ سفينة على الرصيف، عدت خائباً إلى الصحن الخالي من التمثال وبت ليلي. إستفقت قبل الفجر، قطعت الطريق نحو الشاطئ، لمحت قارباً ينتظر، يقف أمامه طابور من البشر، ورجل يلوح ببندقية ويقبض رزماً ورقية من الركاب. قفزت إلى القارب، حينها فقط ولأول مرة صرخ أحدهم “قطوس.. طلعه وإلا نفرغ فيه”، اختبأت تحت حافته، نكزني أحدهم بسبطانة بندقيته، تموأت ألماً.. هربت منه ولم أجد مخبأ في القارب، قفزت إلى الشاطئ وعدوت وأنا أموء، لاحقتني بضعة طلقات كانت تهز الأرض حولي، أرتعبت نهبت الأرض نهباً، وواصلت الجري رغم الإعياء بمحاذاة الشاطئ، كان الطريق يتسع والسيارات تنطلق بفوضى كالرصاص، شعرت بدنو الموت، وما كنت أتمنى أن أموت في هذه الأرض. أريد الموت في أحضان “لوتشيا”.

(3)

همدت حركة الطريق، بدأ الليل يزحف نحو المدينة، ولم تضئ الأنوار، فهمت أن الكهرباء مقطوعة. ينقطع التيار الكهربائي طويلا في هذه المدينة، يفرحني هذا الانقطاع لأنني أعثر بعده على كثيرٍ من اللحم والسمك ضمن الفضلات.

تبعت الشاطئ وكانت النسمات قد سرت في مفاصلي وأمدتني بالانتعاش. هل أخطأت حين هجرت لوتشيا، ثم تركت جوليانو؟.. أرحت خاطري بالقول، إن مصيري كان الطرد في الحالتين، لن يقبل باولو بي وسيطردني حتما، كما وأن بحاري السفينة قد يلقون بي في الماء بعد وفاة جوليانو.

نال أقدامي التعب، وتدلى لساني من العطش، وانكمشت معدتي كحبة “الماندرينو” النازح ماؤها.. لمحت على يمين الطريق مبانٍ متراصة، وشممت رائحة أكل، قطعت الطريق، فوجدت صناديق قمامة تفيض منها الفضلات، لم أصدق، لكنها حقيقة.. وبقفزة واحدة إلى أعلاها أكتشفت أنها تعج بفضلات الأسماك.. لعقت اللحم من بين شوكها، ونسيت يوماً كدت فيه أن أفقد حياتي.

صحت المدينة، بصحو الطرقات.. كل المدن تصحو بأبواق سياراتها، وهذه المدينة تعجّ بالسيارات والمارّة فيها قلّة.. رأيت الصيادين يفرغون مؤنتهم من السمك في عربات خشبية أمام المباني ويرشون عليها الماء، تُفتح الأبواب ويصدر عنها صراخ الكراسي والطاولات وهي تجر، ورنين الكؤوس والملاعق والشوك والسكاكين.. اقتربت، ركلني أحدهم على مؤخرتي وهو يصيح “كِس”.

أكره هذه الكلمة في هذا البلد، يرددونها حين ينتبهون لمروري أو اقترابي.. إنها التهديد والوعيد، وتذكرت يومي الأسود وطلقات الرصاص.

اختبأت تحت كرسي برجل واحدة متكيء على الحائط، حتى جاء.. كان ضخم القامة، تتدلى بطنه حتى تكاد أن توقع به، يسير بخطوات متأنية، ملامحه غاضبة على الدوام وينهر الجميع، إقترب من الكرسي، أمال برأسه ونظر إليّ، كانت عيناه كعيني قط.

“هذا شن يدير هني”؟

صدر رد من بين صراخ الكراسي، “بيخش لزّيناه”.

ومنذ ذلك اليوم نشأت علاقتي بمصطفى، اتفقنا على أن يطعمني بقايا السمك، في مقابل أن لا أدخل إلى المطعم. لكنني لم أحب مصطفى كثيراً، طباعه حادة وصراخه لا يتوقف، يضرب العمال بيديه ويركلهم. كنت خائفاً على الدوام… أفكر في لوتشيا وأرغب في العودة إلى حضنها.

لم أجرؤ على الابتعاد من المطعم، كان مصطفى يتفقدني من حين لآخر ويبحث عني “ربي يحاسبنا عليه راهو”.

من مخبأي، أرقب صالح الصياد الذي يأتي بالمؤنة كل يوم، أحيانا طازجة والأغلب يخرجها من جوف ثلاجة زرقاء مجمدة ويرش عليها الماء “اقرب الطازة.. حوت اليوم” كان يكذب، أعلم جيداً السمك الطازج اللامعة عيناه والوردية خياشيمه، من ذلك المجمد، الذابل ما أن تدب في جسده الحرارة حتى يبدو وكأنه قد لفظ أنفاسه ومات في سكون. لكن غالبية الزوار لا يفرقون، يطلبون “المكرونة المبكبكة” حيث يذوب في حرارتها وعذوبتها كل شيء ويبدو البائت كأنه صيد اليوم.

“أريد العودة إلى لوتشيا” أموء أمام صالح وأنا أتمسح في أرجل عربته “تي كِس.. فكني منك يا قطوس”.

لكنني كنت مصمماً على الرحيل.. لا أحب عبوس هذه المدينة حتى وإن كثرت فضلاتها… ذات يوم، جمعت كل شجاعتي، ومكري بل وخبثي.. تسلّلت إلى إحد صناديق صالح المملوءة بأوراق الجرائد، واختبأت بينها.. حملني صالح ودفع بالصندوق في عربته… رحلت معه.

رمى صالح بالصندوق إلى مركب خشبي، أدار محركه، ورحل إلى وسط البحر.. كنت سعيداً أتوق للضفة الأخرى، أتخيل نابولي، شوارعها الضيقة وساحاتها الواسعة وشرفاتها التي يرفرف فيها الغسيل الأبيض وثرثرات النساء، وقطع البيتسا بالفروتي دي ماري التي تطعمني إياها لوتشيا وهي تبتسم.

توقف هدير المحرك، أخرجت رأسي الصغير بعد أن مددت قدمي الأماميتين، كان الجو بارداً، ورأيت فتات الموج يتساقط وسط المركب، وشعرت بدوار. مايزال صالح واقفاً مواجهاً للبحر وقد أدار ظهره للمحرك، يسحب شباكه وقد ابتل ببقايا الموج. لم يرني، أسقطت قدمي وعدت إلى مخبأي.

فجأة، انقلب المركب، وسقطت في الماء البارد، استعدت توازني محركا أطرافي، وقعت عينا صالح عليّ، رأيت الرعب في عينيه، وقد إبتل شعره الأشعث ولحيته المهملة، صرخ فيّ وهو ينثر الماء نحوي “كِس كِس.. برا غادي، كله من همك”.

لم أفهم… ابتعدت، ولم ألتفت إليه وتناهى إلى سمعي غرغرة ثم خرخرة، ثم غطى هدير الموج كل شيء.

اليوم أعيش مع خوزيه، انتشلني بعد أن تجمدت أطرافي وارتعش موائي وخفت.. يعمل خوزيه على ظهر سفينة تنتشل البشر، عدني واحد منهم وانتشلني بالصندوق الذي تمكنت من العودة إليه.. لا أعرف بالتحديد أين أقيم الآن، كل ما أعرفه أنها مدينة تشبه نابولي ولا تشبه مدينة صالح.

مياو …مياو

1 أكتوبر 2017

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن عزة المقهور

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى