الطاهر المغربي.. المؤذن أن حيوا على الإبداع

أحمد الغماري

التشكيلي الراحل الطاهر الأمين المغربي.
الصورة: عن صفحة الجمعية الليبية للإداب والفنون.

 

كانت عودة الفنان الطاهر الأمين المغربي أواخر ستينيات القرن المنصرم، من أحد عواصم الفن القديم والحديث والمعاصر، روما، بشحنتها الإنفعالية وبحمولتها الفكرية وبانفتاحها البصري، نقطة تحولٍ نوعيٍ في المشهد التشكيلي الليبي. وهو ما شهد عليه كل من جمعتهم معه ظروف العمل، من أصدقائه الفنانين. كانت أولى لمساته المؤثرة عند توليه إدارة نادي الرسامين، مفرغاً تلك الشحنة والحمولة، إرشاداً وتوجيهاً ونصحاً، ما أثر على كل ما أنتجه أعضاء النادي من أعمال فنية آنذاك. ثم تراءى له ولنفر منهم إنشاء وحدة الفنون الجميلة والتشكيلية التي كانت تابعة للإدارة العامة للثقافة بوزارة الإعلام والثقافة، ومن خلالها ترسمت – أعتقد للمرة الأولى – الممارسة التشكيلية بإقامة المعرض العام الأول للفنون التشكيلية في طرابلس، مطلع سبعينيات القرن المنصرم، وضم المعرض يومئذ أسماء كثيرة من شرق البلاد وغربها وجنوبها. وإن كان من أطلع على ما كتبه في مقدمة (كتالوج المعرض) سوف يلمس مباشرة حثه وإصراره على أن تكون الممارسة التشكيلية أكثر نضجاً ووعياً، فكرياً وجمالياً ، وأن يضطلع العمل الفني في الإطار العام للثقافة بدور مهم في بناء النهضة الفكرية والوطنية، وهو ما يعد آنذاك نقلة نوعية على صعيدين الشكلي والخطاب التشكيلي.

بل ما انفك يدافع طيلة سنوات السبعينيات والثمانينيات عندما أنشأت وحدة الفنون التشكيلية، وتبلور الحراك التشكيلي، عن الفن وأهمية وجوده وقيمته في الحياة الثقافية عامة، حتى نُظمت الندوات والاجتماعات والورش الفنية والفكرية، لمعالجة قضايا الفن والصعوبات التي يواجهها. وكان سعيه الدؤوب لتغيير النظرة النمطية لدى المسؤولين خاصة والمجتمع عامة حيال العمل الفني، والخروج به من دائرة التسويق التجاري الرخيص، إلى دائرة أكبر يكون العمل الفني ذي قيمة عالية تمثل رمزاً وطنياً في المشهد الثقافي بشكل عام، بل لم يكتفي بذلك، وسعى جاهداً من خلال المراسلات الإدارية لأن يتبنى المجتمع ومؤسساته الثقافية، دعم الفن التشكيلي باقتناء الأعمال الفنية وبأسعار مجزية، وأن تحرص تلك الجهات الاعتبارية على إنشاء متحف وطني للفنون التشكيلية، يحفظُ المنتج الفني ويكون واجهة حضرية للبلاد، إلا أن جهده، الذي كاد أن يثمر مع مصلحة الآثار فيما يخص مشروع المتحف، منتصف السبعينيات، وقفت مؤسسة الثقافة حجر عثرة أمام إنجازه، وذهبت فكرة المشروع، سدى في مهب الريح، ولم تجد لها آذان صاغية فيما بعد.

لكن ما يزال كل من كان موظفاً بوحدة الفنون التشكيليُّة آنذاك وغيرهم من الفنانين الذين كانوا يترددون على مكاتبها، يتذكرون جيداً كيف أنه عمل في الثمانينيات مع زملائه على جلب أدوات حديثة لإنتاج العمل الفني، في زمن شحّ فيه وجودها في المكتبات ومحال القرطاسيُّة العامة. وكان من بين الأشياء التي جُلبت للمرة الأولى، الفرشاة الهوائية (airbrush) ومعداتها علاوة عن علب رش الطلاء، وأجهزة التصوير الفوتوغرافي وأدوات الطباعة والنسخ، ما أحدث نقلة نوعية في أعمال الفنانين الذين استخدموا تلك الأدوات من الناحيتين التقنية والطرح الجمالي.

لكن ماذا عن إنتاج هذا الفنان التحديثي في المشهد التشكيلي الليبي. وبما تميزت مسيرته الفنية؟ ومن أي خلفية تشكيلية إنطلق في إبداعه؟ وعن أي فلسفة فكرية إعتمد في صياغ عمله؟ هذه الأسئلة كان لابد من أن طرحها ودراستها والإجابة ولو عن جزءٍ منها.

أستطيع القول أن إنتاجه الفني كان عبارة عن مجموعات وسلسلة من المحطات المنفصلة عن بعضها أحياناً ومتصلة في أحيان أخرى، تناول، خلالها جملة من القضايا الإنسانية والوطنيُّة، بل وحتى الأمُاميُّة، وهذا ما أكده في لقاء صحافي جمعني به أواخر العشرية الأولى من هذه الألفية، يومئذ قال: “كان الهمّ الوطني والقومي، وحتى الإنساني يشغل بالي دائماً. لقد رسمتُ عدة لوحات عن الثورة الجزائرية ومن بعدها الفلسطينيُّة، وغيرها من اللوحات المعبرة عن المآسي التي لحقت بالإنسانيُّة، ولم أكن يوماً غائباً عن القضايا التي تشغل الرأي العام. في رأيي أن الفنان يجب أن يكون متفاعلاً مع الأحداث والقضايا كافة، سواء كانت وطنيُّة أو عالميُّة”.

ولعل المجموعة التي عنونها مطلع سبعينيات القرن المنصرم بـ(دكان الحضارة) ثم مجموعة (الصراع) وأيضاً السلسة الطويلة من اللوحات التي حملت كلمة (تعلُم) وهي دعوة ملحة للتعلم والتعليم والقضاء على الجهل والتجهيل، ومن بعدها مجموعة (غزو الفضاء) وجموعات أخرى تصور (البحر – الفرسان، ثم تبنيه رمزية المرأة)، تؤكد ذلك الإنشغال الفكري والإلتزام الأخلاقي إزاء ما كان يدور من حوله من أحداث، طوال مسيرته الفنية، وأيضاً إزاء ما وجده من ميراث وطني وإنساني جمعه بالمكان وبالإنسانيُّة جمعاء، وهو ما يدل أيضاً عن أنه لم يكن يوماً فناناً يرسم لوحة جماليُّة لغرض المتعة البصرية والحسية فقط، بل إنه تأسره في أحياناً كثيرة لحظات اللا شعورية إزاء حدث ما، يسجله سريعاً بكل عفوية وحرافيُّة متقنة، ولعل لوحة (تحية إلى أرض الوطن) خير مثال على ذلك.

لكن هذا لا يعني أنه لم يقف محتفياً بجماليات التراث والموروث الثقافي الشعبي في بلادنا، سيما وأنه ابن الجنوب الليبي، فقد تصدى لتلك الجماليات بأدوات حديثة والأهم من ذلك بنظرة إبداعية وبمعالجات تقنيُّة معاصرة، تنم عن مشروع فني حضاري ظهر من خلال سلسلة من الصور الفوتوغرافية والكتب والملصقات ذات جودة ومعالجات فنية راقية.

كل ذلك الإنتاج الإبداعي الذي أنجزه سيما فترة سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، وهي سنوات شهدت أوج نشاطه الفني الذي اتسم خلالها، أسلوبه الفني، بالمزج بين أشكال ومفردات فن التصوير الأوروبي الذي تشربه قبل وخلال فترة إقامته ودراسته في مدينة روما الإيطاليٌّة، وبين الإقتراب من الموروث البصري الذي ظهر لاسيما في فن المنمنمات والزخرفة الإسلاميُّة، وهو ما اتضح جلياً في لوحاته التي رسمها منذ منتصف الثمانينيات حينما بدأ يبتعد شيئاً فشيئاً عن رسم الظلال والإضاءات والمنظور الهندسي بشكل أكاديمي، ويكتفي فقط برسم خطوط سوداء، ومليئها بمساحات لونية وبدرجات متباينة.

من لم يعرفه عن قرب، ثم يشاهد جزءٍ من لوحاته التي تحمل كتابات وآيات قرآنيُّة، ومواعظ دينية وأخلاقيُّة، يظن أنه إزاء حالة فنيُّة ترتدي عباءة إسلاميُّة، تحمل أفكارٍ منغلقة، إلا أن هذا التصور والإنطباع المبدئي عن خطابه الفني، ليس صحيحاً على الاطلاق. بل كان يريد من وراء تلك المواعظ والكتابات القول، أن العمل الفني يمثل صوت الضمير الإنساني، وأنه بذلك يزدري الصورة النمطية التي ارتسمت في أذهان كثيرين حول شخصية الفنان الذي يجب أن يكون متشرداَ وأن يعيش متسكعاً، ويرسم مواضيع مبتذلة، رخيصة تدغدغ مشاعر الشهوانيين، ولذا حاول أن يرسخ صورة بديلة في ذهن المجتمع عما يجب أن يكون عليه الفنان المثقف الذي يجب أن يحيا حياة كريمة ويضطلع بدورٍ قيادي في مجتمعه، متسلحاً بوعياً عميقاً، بين أقرانه من المثقفين، من هنا نستطيع أن نبلور فلسفته الفكرية والفنيُّة التي كان يحاول تأكيدها في لوحاته وأحاديثه وكتاباته، وهي أن يكون الفن فكراً ينير طريق الأمة، ويحافظ على هويتها، ويكون كياناً يرسم حاضرها ومستقبلها، ومناهجاً يعبر بها إلى الغايات العليا. فهو كان يتكئ على التراث الفكري الإسلامي من جهة، ويتقبل القيم الإنسانيُّة الحضارية والمعاصرة التي تصوغها الإنسانيُّة من جهة أخرى.

حم الله الفنان الكبير الطاهر الأمين المغربي.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

______________________

ألقيت هذه الورقة في ندوة (في حضرة النور واللون ) حول أعمال الفنان التشكيلي الراحل الطاهر المغربي.

اقرأ: في حضرة النور واللون

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى