فسانيا تحاور القاص الأديب :: محمد المسلاتي

حاورته /حنان علي كابو

النصَ المتطور، هو الذي يكون حاضرًا في المشهد الأدبي.

النصّ القصصي إيقاعه الداخلي يتواتر مع الحالة القصصية، ويتصاعد معها.

الإبداع أكثر ضرورة الآن

نُعمق قيمتنا الإنسانية إذا وضعنا الثقافة في أولويات اهتمامنا.

في أسوأ الظروف كان للأدب حضوره

محمد المسلاتي – مدير مكتب الثقافة بنغازي.

يرى القاص محمد المسلاتي أن تأثره المبكر بحكايات الجدات ما شده إلى جنس القصة القصيرة وقدرتها على اقتناص اللحظة العابرة من الحياة،كما يراهن على دور الثقافة وحدها ما سيحقق التوازنات داخل الفرد نفسه، ومع المحيطين به، وبين الدول أيضًا، ويؤكد المسلاتي أن الأزمة الحالية التي يعاني منها المثقف، والفجوة بينه وبين المجتمع، هي أزمة ثقافة مجتمع بأكمله.

صدر له:

الضجيج قصص قصيرة 1977م.

الدوائر قصص قصيرة 1981م.

المرأة الفرح قصص قصيرة 2004م.

تفاصيل اليوم العادي قصص قصيرة 2006م.

ليل الجدات ج1 من كتاب الحكايات الرواية السيرة الذاتية 2008م.

معدّ للطبع:

التماهي قصص قصيرة

اشتهاءات الدم والرماد قصص قصيرة

.دائرة النفوس قصص قصيرة جدا

تكتب وأنت تتسلح بذاكرة فتية صافية، تتوّجها بلغة شعرية، وجمل قصصية متقنة ورشيقة، بموضوعات تعكس الواقع، بكلّ تفاصيله، لماذا القصة القصيرة؟

سؤال يبدو سهلًا للوهلة الأولى، لكن من الصعب الإجابة، لا أدري ما الذي جعلني أختار القصّة القصيرة بالذات، لعل تأثري المبكر بالحكايات التي تتدفق من ذاكرة الجدّة بتنوع، وغرائبية هو ما شدّني إلى جنس القصّة القصيرة، وربما وجدت أن القصّة القصيرة أكثر استجابة لاقتناص اللحظة العابرة من الحياة، والتفاعل معها كحالة يمكن تكثيفها للولوج إلى المتلقي بسرعة، أو لأنني وجدت في القصّة القصيرة فضائي الإبداعي، والتعبيري، لا أستطيع أن أحدد السبب، وأود أن أقول أيضًا أن حياة أي واحد منّا عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة، وإن بدت في ظاهرها رواية مطولة. وكما ذكر الناقد الفرنسي / ميشال بوتور نولد ونحن محاطون بآلاف القصص من حولنا، وعلى أية حال إلى الآن لم أعرف من منّاأختار الآخر، أنا أم القصّة القصيرة، لكن ذلك لا يمنع أن أكتب رواية طويلة في يوم ما.

لماذا الكتابة وهل ثمة طقوس مقدسة لديك؟

سؤال سرمدي ! بالنسبة إليّ يبدو كأنه لماذا الحياة؟ فالكتابة مرادف للحياة، ليس بالنسبة للكاتب فقط، للمتلقي أيضًا، الكتابة ممارسة حياتنا برؤية فنية، وصياغة لكل تفاصيلها المهملة. وتاريخ الإنسانية يعتمد على الكتابة بمختلف أنواعها، اكتشاف الكتابة بالنسبة للإنسان مثل اكتشاف النار، غيرّت مسار البشرية، إذ لم تكن الكتابة ما وصل إلينا المنجز الإنساني على مر التاريخ في المجالات كافة، الفلسفة، التاريخ، العلوم، الأدب، لاشيء من دون الكتابة. وعندما نتحدث في نطاق الأدب، لو لم تكن الكتابة لما وصلت إلينا الإلياذة، والأوديسة، وفن الشعر لهيميروس، والكوميديا الإلهية لدانتي، ومسرحيات شكسبير، وما كنّا عرفنا أشعار المتنبي، وجرير، والبحتري، والفرزدق، أو سيرة عنترة، والسيرة الهلالية، وألف ليلة وليلة، وروايات دكنز، وتولستوي، وأرنست همنغواي، وجيمس جويس، جون شتاينبك، ولا قصص مكسيم جوركي، وتشيكوف، وجي دي موبسان، ولا نجيب محفوظ، او حنا مينة، وغادة السمان، وأشعار، رامبو، وأراجون، وعلي الفزاني، والرقيعي، والشلطامي، وكتّاب مثل الصادق النيهوم، وخليفة الفاخري. إن القائمة تطول. فالكتابة هي الإنسانية، ولو تخيلنا البشرية من دون كتابة. لا شك سنكون نتخبط في ظلام دامس. لذلك علاقتي بالكتابة علاقة حياة أو عدم

لك أسلوب في الكتابة، ولهذا يراك النقاد من المؤسّسين القصّة القصيرة.

قال عنك الكاتب والناقد د.الصيد أبو ديب بدأ تطور المدّ الحداثي في القصّة القصيرة خلال حقبة السبعينات على يد محمّد المسلاتي.

وقال عنك الكاتب والناقد زيد خلوصي إنّ ما يلفت النظر في قصص المسلاتي، إنّه يعالج أفكاراً جديدة لمْ تطرقها القصّة العربية. ما بين المد الحداثي في القصة القصيرة ومعالجة أفكارا جديدة لم تبح بها القصة القصيرة كيف تمكنت من ذلك. وهل مهمة الادب بالدرجة الاولى التطور والمعالجة؟

كل كاتب أسلوبه، وهذا ما يميز أي كاتب عن آخر، وعلاقتي بالنصّ القصصي علاقة حميمية، علاقة تماهي، و انصهار، وأتعامل مع النصٓ من داخله، وليس خارجًا عنه، منذ البدايات حاولت أن أنتج نصّا مختلفًا عن السائد، ومغايرًا للنصوص الأخرى، كنت أخشى من تكرار نصوص غيري حتى لا أفقد التميز، لا أنكر أنني أفدت كثيرًا من نصوص من سبقوني في المنجز القصصي، وتأثرت بكتّاب رائعين، مجددين، مبدعين، فقبل أن يبدأ الكاتب، أي كاتب خوض عملية الكتابة عليه قراءة أكثر ما يمكن من الكتب، والولوج إلى فضاءات نصوص مختلفة، لا يمكن للمرء أن يبدأ من الصفر، ويتجاهل التراكم الإبداعي في القصّة والرواية، ولكن عليه بعد ذلك التجريب لإنتاج نصّ جديد، التطوير يأتي من التجريب، وإذ لم يتطور النص في تشكيلاته لن تكون هناك إضافة، يصبح العمل مجرد تكرار للسابق، وديمومة الإبداع الأدبي تسمد استمراريتها من تطوير النصّ، عندما أصدرت مجموعتي الأولى الضجيج لم يتقبلها البعض، هناك من وصفها بالريبورتاج، والبرقيات الصحفية نظرًا لما فيها من تكثيف، واختزال. ولكن عددًا من النقاد والكتاب رؤوا فيها عكس ذلك، أنا احترم جميع النقا د لكن النصَ المتطور،هو الذي يكون حاضرًا في المشهد الأدبي، بفاعلية عناصره المكونة له، عندها يتناوله النقاد ويكتشفون ما يبوح به النصٓ سواء على المستوى الفني أو المضمون.

لم تشأ أن تصنف نصوص “ليل الجدات ” إلا تحت مسمى حكايات، بالرغم من أن البعض رأوا في بعضها عملاً روائياً متكاملاً، والبعض رأوا فيها قصصا قصيرة مستوفية عناصر القصة. بل أكتفيت بسردها لتأخذ شكل القصة القصيرة هل من أن الصعب على القاص أن يخرج من إطار كتابة القصة القصيرة؟

ليل الجدّات هو الجزء الأول من كتاب الحكايات الذي يتكون من سبعة أجزاء جاهزة للطبع، وهو يقترب من سيرة ذاتية روائية، إنه متوالية سردية إعتمدت فيه على توالي السرد، السارد هو الطفل، والحكايات تتوالد من الشخصيات، وتتعدد الأزمنة، والأمكنة، تتداخل، أحيانًا تبدأ النصوص مثل قصص قصيرة، وأخرى ترتبط بخطوط مشتركة، ليل الجدّات، وكتاب الحكايات تجربة لها تقارب مع حكايات ألف ليلة وليلة من حيث الترابط والتنوع، حيلة شهرزاد لعبة الحكايا، كلما سردت على شهريارحكاية كسبت حياتها وعمرها، نحن أيضًا نتحايل على الموت بالحكي، وتصنيف كتاب الحكايات يعود للقراء، والنقاد، المهم أنني خضت تجربة الحكي، وكما قال الروائي ماركيز [نعيش لنحكي] وهذا بالفعل ما فعلته.

في عام 1973 كتبت للإذاعة المسموعة برنامج ”الحكايات” وهذه الحكايات كما قلت عنها في حوار سابق معك هي محاولة لاستعادة كل تفاصيلا للحظة و ملامح الوجوه والتفاعلات الاجتماعية لأولئك البشر الذين سكنوا بالمدينة وسكنتهم، محاولة لاستعادة إيقاع الحياة داخل النص. أود أن أسالك متى يصبح الحنين سراجا يضيء نفق الحكاية؟

إن الماضي ليس مجرد حنين فقط، إنه نحن البشر على المستوى الشخصي للفرد، أو على المستوى الحضاري للإنسانية، بمعنى أنا لست هذا الحاضر من دون الماضي، ولن أكون في المستقبل من دون رؤاه، الأزمنة متداخلة فينا، وعملية الفصل بينها خطوط وهمية صنعها الإنسان لترتيب المراحل، واحتسابها ظاهريًا، لكن في داخلنا الأزمنة منفتح بعضها على بعض. وعبر الحكايات تتداخل الأزمنة، يحتل الطفل السارد مساحة المخيلة، ويعيد التفاصيل، والملامح، والمشاعر، والروائح، والأمكنة، ليس هكذا فقط، بل إن الشخصيات التي سكنت الذاكرة تعود من جديد تلملم نفسها، وتتشكل عبر الحكايات، الأدب ليس مجرد سرد تاريخي للأحداث، والوقائع أنه استعادة تفاصيل الحياة المهملة، المنسية، وبعث الحياة فيها من جديد عن طريق الصياغة الفنية.

سطوة الجدة وحكاياتها التي تطوي جنح الليل،رغم ملامحها التي قد يعلوها الصرامة من أين تأتي متعة الحكاية؟

الجدّة سرّبت إليّ أسرار الحكايا، منحتني خلطتها الأسطورية، من ذاكرة الجدّات ناوشتنا الحكايا، سحبتنا نحو عوالمها الغرائبية، السحرية، فانبهرت بسحرها، وأوجدت في أعماقي شغفًا بها، الجدّة منها الحكايا، وإليها الحكايا، ومن هنا استسغت متعة الحكي، وتعلمت عمق الإصغاء، صرامة الجدّة، وسطوتها، وجبروتها، مظاهر في الواقع، لكن مع انسكاب الحكايات نغوص في أعماق الجدة الإنسانة، الودودة، التي تمطر حنانًا، وتأثرًا، وعفوية مع كل حكاية، لهذا تجد لحضور الجدّة في حكاياتي أكثر من مستوى، الواقعي، والرمزي، والإنساني، فالجدّة لم تكن مصدرًا للسرد فقط بل فضاءً للدلالات، والإسقاطات، والرموز التي وضفتها للنصوص.

هناك من يرى أن الكتابة القصصية هي كتابة شعرية. وإن الموضوعات العاطفية والوجدانية وموضوعة تحرر المرأة هي تيمات أساسية في كتابة مرحلة طويلة من الكتابة القصصية الليبية ماذا يقول المسلاتي؟

القصّة الحديثة أفادت من الأجناس الأدبية الأخرى، ومن العلوم، والفنون، والموسيقا، والفن التشكيلي، لهذا نجد سمة التكثيف، والاختزال في القصة القصيرة المعاصرة خاصة القصيرة جدًا جعلتها تقترب من الحالة الشعرية، بمعنى أن القصة القصيرة لم تعد ترصد الحدث بل تُعمق الحالة، وتتتبع نمو حالة الشخوص، وتفاعلات مشاعرهم، واختلاطهم بالزمن، والمكان، والتفاصيل التي لها علاقة بالحالة، ومن هنا جاءت الدفقة الشعرية للنصوص بحيث أصبح للنصّ القصصي إيقاعه الداخلي يتواتر مع الحالة القصصية، يتصاعد معها، وهذه الحالة تنتقل إلى المتلقي ليتفاعل معها بالإيقاع ذاته. أما حضور المرأة في القصّة الليبية ليس ترفًا رومانسيًا، أو تيمات تتصدر القصّة لمجرد التصدر، أو التقليد، أو تبني مواقف بطولية على حساب قضية المرأة المضطهدة في مجتمعاتنا الذكورية، بل لأن المرأة فاعلية إنسانية، وقضاياها لا تنفصل عن قضايا المجتمع، وهي قيمة جمالية عالية، والقصّة الليبية شأنها شأن القصّة العربية تناولت هموم المرأة ضمن هموم المجتمع.

في حوار سابق مع الناقد أحمد الفيتوري قال :يبدو أن القصة القصيرة الليبية تستهدف قارئ الصحافة أي القارئ الافتراضي الذي قد يطلع على صحيفة ولم يعد ثمة ملامح محددة لقارئ مفترض كما توهم الكتاب الرواد، فثمة الآن خلائط من المفاهيم والنظرات والأساليب والمستويات ولم يعد كتاب القصة البارزين يهتمون بقارئ ما وان تركز اهتمامهم على تجويد صنعتهم وان كسدت بضاعتهم فإنهم يهتمون أكثر بالتميز في النص وبالنص عن النص الآخر نصهم أو نص غيرهم، ماذا يقول المسلاتي؟

القصّة جنس أدبي يلقى قبولًا لدى جمهور واسع من القراء، ولا يقتصر على قراء الصحف فقط، وللتأكيد هناك مجموعات قصصية تصدر، وتنفد من السوق بسرعة. صحيح النسخ المطبوعة قليلة، إذن هناك قاريء، لكن المشكلة في مجتمعنا العربي، والعالم الثالث أزمة القراءة، والإصدارات التي تصدر سنويًا من الكتب كمياتها ضئيلة، طالعت تقريرًا يفيد أن ما يصدر من كتب بالوطن العربي في جميع المجالات لا يصل إلى نسبة عشرة بالمئة إلى ما تصدره الدولة الصهيونية، إنها كارثة. ولكن كما قال ميشال بوتور أن هناك دائمًا جمهورًا افتراضيًا عند كتابة النصّ

تستمد قصصك من الواقع بحكايات الجدة، بتفاصيل اليوم العادي، كيف يمكن أن تنقل تلك الاحاسيس إلى القصة.؟

إن النصّ يعتمد على اقتناص اللحظة والتي تكون من الواقع، ثم تبدأ المخيلة في تحويل الواقع إلى نصٍ إبداعي، ولهذا يشترك الوعي واللا وعي في كيميائية النصٓ، الوجوه، الأمكنة، الأزمنة، الأحدات، الأشياء، تختزل من الواقع لتمنحنا نصًا نشعر أنه الواقع لكنه ليس هو! وهذا ما نعرفه بصياغة الواقع برؤية فنية، ويختلف ذلك من كاتب إلى آخر.

الكتابة الإبداعية في زمن القرية الكوكبية، زمن العولمة، كيف تراها؟

في هذا العالم الكوكبي ذي الإيقاع السريع، وامتدادت العولمة أرى أن الإبداع أكثر ضرورة الآن، الإنسان يحتاج إلى خصوصية الإبداع، إلى الرحيل عبر عوالم النفس، والإبداع بأشكاله المختلفة من آداب وفنون نتاج الإنسانية منذ العصور البدائية، ويستمر معه طالما هناك حياة على الأرض. لا يمكن أن تكون الحياة من دون إبداع، ولن يوجد إنسان من دون إبداع.

في هذا الخضم، العالم وهو ينحدر برعب إلى الأسفل إلى أين ستؤول الكتابة؟

صحيح العالم ينحدر نحو الأسوأ، وكل المعطيات تؤكد ذلك، والمؤشرات تتسم بالخطورة، والتكالب على المصالح تدفع بالبشرية نحو الدمار. على مستوى الأفراد، ومستوى الدول، وتحت هذه الظروف القاسية تكون الإنسانية في أشد الحاجة للكتابة، لان الكتابة هي وعاء استمرارية الثقافة، وهي أداة للرفع من الوعي الثقافي، وهي قناة التواصل بين الشعوب، والحضارات، وهي التي ستحقق نوعًا من التوازن، لا يمكن أن تندثر الكتابة، أتذكر أحد الأفلام الذي شاهدته خلال السبعينيات، على ما أعتقد كان بعنوان ( فهرنهايت ) تدور أحداثه حول مجموعة من الإرهابيين يقومون بحرق الكتب، أي كتاب يحرقونه، فما كان من الناس إلا بدأوا يحفظون محتويات الكتب، الرجال النساءالأطفال، كل واحد منكب على كتاب يحفظه قبل أن تمتد إليه ألسنة اللهب، فالإنسان لا يفرط في منجزه الحضاري، حتى فى أسوأ الظروف

الآن على ماذا تراهن ككاتب وقاص؟

أراهن على الثقافة، خاصة في دول العالم الثالث، لأن الثقافة وحدها ما سيحقق التوازنات داخل الفرد نفسه، ومع المحيطين به، وبين الدول أيضًا، وأقصد الثقافة بمفهومها الشامل من علوم، وآداب، وفنون، وتراث، ومعتقدات، وسياسة، فإذا تطورت رؤية مجتمعاتنا الثقافية، وارتفع مستوى الوعي، ووضعنا الثقافة في أولويات اهتماماتنا، لا شكّ أننا سنُعمق قيمتنا الإنسانية، ونكون في حال أفضل

نلاحظ ان هناك أزمة واضحة يعيشها المثقف مع مجتمعه، برأيك من المسؤول عن خلق هذه الفجوة؟ وكيف يمكن للكاتب تقليصها في وقت اصبح الادب في نظر البعض سلعة خاسرة؟

الأزمة الحالية التي يعاني منها المثقف، والفجوة بينه وبين المجتمع، هي كما ذكرت أزمة ثقافة مجتمع بأكمله، إن المثقف هو نتاج ثقافة مجتمع، إن بعض المثقفين يتجاوزون ذلك، لكن الغالبية رؤيتهم قاصرة، هناك مثقفون يحصرون ثقافتهم ضمن رؤيتهم الأيدلوجيا، ويعملون جهدهم لتأطير المجتمع وفقًا لمعتقداتهم الأدولوجيا، وهنا تكون الثقافة موجهة ثقافيًا، الأنظمة الحاكمة أيضًا نتاج ثقافة المجتمع، صحيح بعد أن تسيطر الأنظمة على الحكم تؤثر على المجتمع، وهكذا يصبح المجتمع المتخلف ينتج ثقافة متخلفة، ليستهلكها، ويعيد إنتاجها من جديد، ويدور المجتمع في الدائرة نفسها، بل إن المجتمعات المتخلفة تعالج التخلف بوسائل أكثر تخلفًا. وللخروج من هذا المأزق علينا إعادة النظر في الثقافة السائدة، وتقييمها، وتجديد المفاهيم… أما بالنسبة للأدب لم ولن يكون سلعة راكدة وعلينا الاستشهاد بمسيرة الأدب عبر مسيرته الإنسانية، بدءًا من ملحمة الإلياذة مرورًا بفترات الثورات والحروب وانتكاسات البشرية ظل الأدب راصدًا للتفاصيل الدقيقة، ومحفزًا للقيم المثلى، الأدب في انسيابه وانتشاره يتسم بالبطء لكن تأثيره قوي في الثقافة البشرية، وصناعة السينما اعتمدت على الأدب، والمسلسلات التلفزيونية أيضًا. فالأدب ينحسر يتقوقع لظروف قاهرة، لكنه لا يموت.

دور الأديب ما بعد الربيع العربي كيف يجب أن يكون، خاصة وإن هناك من يتهم الاديب في التقصير بأداء دوره كما يجب؟

للأدب دور في كل العصور، ولا يمكننا حصره في مرحلة معينة، وخلال ثورات ما يسمى بالربيع العربي الأدب يرصد، و يتابع، لكن ليس بالطريقة الإعلامية، هناك نصوص عكست الحالة لاجتماعية، والإنسانية لهذه الثورات، والأدب الحقيقي الفاعل لا ينحاز إلا للحرية، و الإنسان، والقيم، وليس لأنظمة، أو مليشيات، أو جماعات مؤدلجة، وفي أسوأ الظروف كان للأدب حضوره، خلال الاحتلال الإيطالي لليبيا كان وهبي البوري يشتغل على القصّة القصيرة الحديثة، وكانت له الريادة في ذلك، أرنست هيمنغواي كان مراسلا حربيًا واستمد من تجربته أروع رواياته الشاعر الإسباني لوركا الذي أعدمته المليشيات خلال الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936. وصلتنا أشعاره، كثير من الأدباء، والكتّاب عاصروا أزمات، وتحولات، وثورات، انعكست في أعمالهم الأدبية وخلدها التاريخ. ولكن الذين ينظرون إلى تقصير الأدب في مرحلة ما، في اعتقادي نظرتهم قاصرة في فهم الفاعلية الأدبية، وهم يصنفون الأدب كأنه منبر إعلامي، يستجيب للآني، والعاجل، وليس كقيمة إبداعية عميقة.

ترأست فيما سبق مجلة الثقافة العربية حدثني عن هذه التجربة، وإذا سنحت الفرصة هل ستعاود تجربتها؟

تجربة تولي مهام رئاسة تحرير مجلة الثقافة العربية كانت تجربة غنية، إيجابية بالنسبة إليّ وأتاحت لي اكتساب خبرة في المجال الصحفي، إضافة إلى مدّ جسور التواصل مع الكتّاب داخل ليبيا والأدباء بالأقطار العربية، كما كان العمل بالمجلة يعتمد على روح الفريق، كنّا نعمل مثل أسرة واحدة، لذلك انتظمت المجلة في إصداراتها وتطورت شكلًا وموضوعًا، ومجلة الثقافة العربية من المجلات العريقة التي استمرت منذ عام 1973 إلى عام 2011. ونشرت لكتّاب عرب كبار، وكانت توزع على مستوى الوطن العربي، ولقد كان لمجلس الثقافة العام الدور الأهم في رعاية المجلة، ودعمها، والإشراف عليها، إلا أن الظروف الحالية التي تعاني منها ليبيا حاليا، ونضوب الميزانيات المالية، وارتفاع تكلفة الطباعة تحول دون إصدار المجلة، لكنني أتمنى استئناف إصداراتها عندما تتحسن الظروف.

___________________

نشر بموقع فسانيا

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن حنان كابو

حنان على كابو صحافية وشاعرة ،أبصرت النور في 11 أيلول تلمست عالم القراءة والمطالعة من أبوين رائعين وفرا لها الكتب والقصص والمجلات وسانداها في حياتها العملية.. تخرجت في جامعة قاريونس قسم اعلام شعبة صحافة عالم 99 -2000.. بعد تخرجها مباشرة عملت كمتدربة في الهيئة العامة للصحافة سابقا بصحفها ،كما علمت في صحف أخبار بنغازي –العرب اللندنية –قورينا –أويا – الغزالة –موقع جيل ليبيا.. الآن مسئول عن الملف الثقافي بمجلة المرأة (البيت سابقا ) وعضو باللجنة العليا بعاصمة بنغازي الثقافية وعضو بلجنة الآداب.. لها ديوان مطبوع بعنوان (ضجر النرد)عن وزارة الثقافة والمجتمع المدني .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى