شعرية التناص في ديوان “حنو الضمة سمو الكسرة” للشاعر محمد الفقيه صالح.. دراسة أسلوبية

د.أمينة خليفة هدريز

الشاعر الراحل محمد الفقيه صالح.

الملخص

يعد التناص من المفاهيم النقدية الحديثة، فهو كإجراء أسلوبي يساهم في تفكيك النصوص وتعالقها بنصوص أخرى، ضمن استراتيجية يعتمدها المبدع في تحويل نصوص ودمجها في نصوص أخرى، فالتناص هو اقتطاع وتحويل يتم لإنتاج وخلق نص جديد من خلال عملية التداخل والتحاور بين النصوص الشعرية وغير الشعرية. يهدف البحث الكشف عن شعرية التناص في “ديوان حنو الضمة سمو الكسرة” للشاعر محمد الفقيه صالح بدراسة أنواعه وآلياته عبر تداخل النصوص اللاشعرية في النص الشعري، يعتمد البحث على المنهج الأسلوبي، توصل البحث إلى أن التناص في الديوان اقتصر على التناص الديني والتناص التاريخي، حيت كان التناص مع القرآن الكريم بآياته وقصصه أكثر حضورا من التناص مع الحادثة التاريخية والشخصيات التاريخية.

الكلمات المفتاحية: شعرية التناص ، الشعر الليبي الحديث، التناص الديني ،التناص التاريخي.

مقدمة

يُعد التناص من المفاهيم النقدية الحديثة الذي كان له صدى واسعا في الأدبين الغربي والعربي، حيث اثبتت الدارسات بأن أول من مهد لظهور هذا المصطلح هو الناقد (ميخائيل باختين 1895 ــــ 1975) الذي أكد على الطابع الحواري للنص الأدبي من خلال استخدامه لمصطلح الحوارية (أنجلو، 1989، صفحة 98_113) للدلالة عليه حتى ظهور مصطلح التناص intertexualilyعلى يد الباحثة (جوليا كريستيفا 1941) لأول مرة من خلال أبحاثها التي كانت ما بين 1966، 1967،ويندرج هذا المفهوم عند الباحثة ضمن إشكالية الإنتاجية النصية هو أحد مميزات النص حيث تقول: “إن كل نص هو لوحة فسيفسائية من الاقتباسات، وكل نص هو تشرب وتحويل لنصوص أخري “. (كريستيفا، 1991، صفحة 79)

ولقد أوضحت الباحثة كريستيفا في أكثر من موضع مفهوم التناص وتحديدا في النصوص الشعرية بقولها إنها” نصوص تم صناعتها عبر امتصاص أدى نفس الآن عبر هدم النصوص الأخرى للفضاء المتداخل نصيا… علما بأن النص الشعري ينتج داخل الحركة المعقدة لإثبات ونفي متزامنين لنص بأخر” (كريستيفا، 1991، صفحة 82)

بهذا المعنى فالتناص ينظر إلى النص الأدبي من زاوية التفاعل مع النصوص الأخرى، وهو بهذا المفهوم بدأ تداوله بين النقاد الغربيين، إذ اتسعت دائرة أبحاثه في منتصف الثمانيات من القرن الماضي؛ ليصبح مذهبا متعلقا بأي نص أدبي غير مختص بجنس من الأجناس الأدبية دون غيره (تزفيتان تودرروف ميخائيل باختين ، 1996، صفحة 17)

حيث نجد أن التناص كمفهوم نقدي غربي تعرض للترجمة العربية بعدة صياغات وترجمات منها: التناص، التداخل النصي، أو التفاعل النصي، النص الغائب، النصوص المهاجرة.

فقد وجدت الدراسات النقدية العربية في هذا الإجراء الأسلوبي سندا قويا ومجالا حيويا، لدراسة النص الشعري في إطار تفاعل النصوص وتداخلها؛ لأن التناص يعتبر ميزة يخرج بالنص من تفرده وتدخله في علاقات وتداخلات مع نصوص أخرى، حيث لا يكاد يخلو نص من تداخل نصوص أخرى في تكوين ونسج بنيته، فقد حاول بعض النقاد أن يستنبط مفهوما للتناص من خلال جذوره في الأدب العربي، فأثيرت قضية السرقات الشعرية والمصطلحات المرادفة، كالتضمين والاقتباس، والانتحال والاستشهاد (القيرواني، 2000، صفحة 280)، فقد حاول النقاد العرب في الدراسات الحديثة أن يتحولوا بالتناص ذات النظرة السلبية والطابع الأخلاقي من خلال مفهومه النقدي الحديث الذي يعني تفاعل أنظمة أسلوبية لخلق نص جديد تتقاطع فيه نصوص أخرى؛ لأن مفهومه يختلف عما في النقد العربي القديم فـــــ ” التناص مفهوم جديد كل الجدة سواء برؤيته الجديدة للنص أم بالفلسفة النقدية التي يستند إليها” (ماضي، 1997، صفحة 172)

إذا كان التناص كإجراء أسلوب يحقق شعرية النص من خلال اشتغاله على إعادة بناء النص المُتَفاعَل فيه نصوص سابقة، فإن حقيقته تكمن في وظائفه النقدية وآلياته المختلفة التي تتيح للدراس القدرة على التمييز بين النصوص المتفاعلة والمتجاورة:

“فمن الوظائف الأساسية التي يؤديها مفهوم التناص في النظرية النقدية الحديثة؛ هي الوظيفة التحويلية والدلالية؛ إذ إن الأمر لا يتعلق بإعادة إنتاج المادة المقتبسة بحالتها القائمة الأولى ولكن بتحولها ونقلها وتبدلها” (بقشي، 2007، صفحة 24)،

وتتحدد وظيفة التناص الأساسية من خلال رؤية المبدع لعالمه الذي تؤثر فيه عملية التداخل بين الخاص والعام، ومدى استيعاب وامتصاص وتحويل النصوص الأخرى في نصه، حيث رأت الباحثة كريستيفا عند تعريفها للنص الأدبي بأن” كل نص هو امتصاص وتحويل واثبات ونفي لنصوص أخرى” (كريستيفا، 1991، صفحة 79)

باعتبار التناص من أهم الأساليب النقدية المعاصرة؛ لما ينطوي عليه من عملية التحاور بين النصوص، فهو كإجراء أسلوبي يساهم في تفكيك النصوص وتعالقها بنصوص أخرى، الذي يتم عبر عملية التحويل التي تجري في رحم النص؛ فالتحويل نوعان: تحويل الشعري إلى الشعري ضمن الأنواع الشعرية أجناسي بسيط؛ لأنه يظل ضمن الجنس الشعري، أما النوع الثاني فهو تحويل اللاشعري إلى الشعري الذي يندرج تحت التداخل بين العناصر الغنائية والعناصر الدرامية، وهو تداخل أجناسي مركب بتحويل اللاشعري إلى شعري ضمن مفهوم هدم الحدود بين الأجناسية القائمة منذ عصور فالنص مفتوح على جميع الأجناس: الشعر والنثر والفن والموسيقى، وبهذا يعد النص اختراق الذات والأخر إلى آفاق بعيدة لخلق أجناس شعرية جديدة (مفيد، 1997) .

في هذه المقاربة النقدية، التي تتخذ من التناص ــــــ باعتباره مصطلحا نقديا حديثا ـــــــ مدخلا لتشريح النص وبيان ما للتناص من حضور في النص الشعري لديوان حنو الضمة سمو الكسرة، ذلك بالوقوف على شعرية تلك القصائد التي تحوي تواصلا بين الأمكنة والأزمنة والأنواع الثقافية، وتداخلا بين النصوص؛ “ليصبح التناص هو النسيج الداخلي غير المرئي أو الخفي للنص، ويصبح المهاد الثقافي المشترك بين النصوص من ضرورات إنتاج النص الأدبي” (البادي، 2000، صفحة 29).

تبحث هذه الدراسة عن مصادر التناص في ديوان حنو الضمة سمو الكسرة التي تتجلى في: “التناص الديني” ويشمل التناص مع القرآن الكريم من خلال التناص مع الآية القرآنية والقصة القرآنية “والتناص التاريخي” الذي يبحث في التناص مع الأحداث التاريخية، والتناص مع الشخصيات التاريخية.

تعتمد الدراسة في مقاربتها النقدية على التناص كدراسة نقدية من خلال نوعيه: مباشر، وغير مباشر ويقصد بالمباشر الاقتباس الحرفي للنصوص، أما غير المباشر فهو يتضمن فيه النص تلميحا أو إيحاء” (الزغبي، 2000، صفحة 24). تعمل آلية التناص المباشر وغير المباشر من خلال قوانين التناص بأنواعه الثلاث: “الاجترار” وهو تكرار للنص الغائب دون تغيير، أي أن الشاعر يكتفي بإعادة النص مثلما هو أو بإجراء تعديل طفيف لا يمس جوهره، أما “الامتصاصوهو شكل أعلى وأكثر قدرة على خلق الشعرية في النص الجديد، حيث يتعامل الشاعر مع النص المتناص تعاملا حركيا تحويليا، لا ينفي الأصل بل يسهم في استمراره جوهرا قابلا للتجديد؛ أي أن الامتصاص لا يجمد النص الغائب ولا ينقله، بل يعيد صياغته من جديد، وفق متطلبات فكرية وتاريخية وجمالية، أماالتحوير” فهو نوع من التناص يشكل مرحلة أعلى من مراحل النص الغائب، فالشاعر يقوم بتغيير للنص المأخوذ (المتناص) بأن يحدث عليه تغييرا عن طريق القلب أو التحوير وخلق صيغة وعلاقات جديدة بين النصوص (حلبي، 2007، صفحة 62).

وقريب من أنواع التناص التي تندرج تحت أنماطه الثلاث ينقسم التناص إلى: “التناص الموافق والتناص المضاد” اللذين يتعلقان بموقف المبدع من ناحية مادة التناص (موافقة أو مخالفة) والثاني “التناص المحور، والتناص المجزوء” فهما يتعلقان بالمساحة النصية للتناص (كلية أو جزئية). فالتناص تقانة أسلوبية يعتمد فيها المبدع على استراتيجيات تحويل نصوص ودمجها في نصوص أخرى، فالعمل التناصي هو اقتطاع وتحويل يتم لإنتاج وخلق نص جديد من خلال تقنيات تحويلية لتوليد بنية الخطاب الشعري السطحية البنية التركيبية إلى البنية العميقة (النص المُستَدْعى) أي أن التناص يحدث في مستويين: مستوى التركيب ومستوى الرؤية. (البادي، 2000، صفحة 25)

بعيدا عن جدل المصطلحات تبقى الدلالة الوظيفية العامة للتناص، كإجراء أسلوبي، هي الأساس في التطبيق، فحضور التناص في ديوان الشاعر يفرض آلياته التحليلية، من خلال الكشف عن أنواعه المتمثلة في: التناص الديني، التناص التاريخي، حيث سيكشف هذا البحث عن قوانين التناص عن طريق التعامل مع النص الغائب، سواء أكان بالاجترار أو بالامتصاص، أو بالتحوير، أما آليات التناص فهي التي تشير إلى طبيعة ورود النص الغائب، سواء أكان بطريقة مباشرة ، أو بطريقة غير مباشرة، فالتناص كتقنية يبين مدى تآلف الشاعر أو تخالفه مع النص الغائب في دلالاته الموروثة، ولتيسير التطبيق على المادة الشعرية، سيكشف البحث عن حقول التناص في النصوص المدروسة عن طريق أنواعه سالفة الذكر.

التناص الديني (التناص مع القرآن الكريم)

استغل الشاعر طاقات النص الديني، واستثمره في خلق جماليات نصوصه الشعرية، حيث نجد هذا التناص يستقي مصادره من القرآن الكريم ، فقد استغل الشاعر طاقات النص الدين؛ لتشكيل صياغة جديدة بالتفتيش عن عبارات ولغة جديدة غير مستهلكة، تستطيع أن تنقل أكبر قدر من حمولة معاناته، فإقحام النص الديني واستعارة لغته، وآياته القرآنية، وتضمين معاني الوحي في تشكيل رؤاه الفكرية أمد النص الشعري بطاقة إيحائية وجمالية، إذ يتميز الخطاب الشعري لديوان حنو الضمة سمو الكسرة باستدعائه وامتصاصه لنصوص القرآن الكريم، حيث تصل لدرجة ذوبان الخطاب القرآني الكريم (النص الغائب) في الخطاب الشعري (النص الحاضر)، ذلك لكثافة الاستدعاء من ناحية وامتزاجه بنسيج الخطاب الشعري من ناحية، أخرى وهو امتزاج يكاد يتخلص نهائيا من السياق القرآني. (المطلب، 1996، صفحة 53)

التناص مع آية قرآنية

عملية الاستدعاء للنص القرآني تقوم على آلية توظيف النص الديني في القصيدة، من خلال عملية التحويل، التي تقوم على اقتباس النص الديني وتحويله إلى شعر، وذلك عن طريق عملية الخرق التي تبدأ بشكل ممنهج في محو لمكونات الذاكرة الجاهزة وإعادة كتابتها من جديد، وفقا لموقف المبدع الذي يحدد طريقة استدعاء النص القرآني، ذلك عن طريق عملية الامتصاص للنص الديني وإدماجه في الشعري. أو تحويره، بحث يكون موقف الشاعر فيه موافقا للسياق الذي ورد فيه النص القرآني، إذ نرى في هذا الموضع

الاقتباسات من القرآن الكريم في الديوان هو اقتباس لمعنى الآية فقط وصياغته بلغة الشاعر مع الابقاء على كلمة من الكلمات الدالة على الآية الكريمة.

حيث يحاول الشاعر أن ينتج نصه الشعري ضمن حركة معقدة، عن طريق إزاحة النصوص القرآنية من مكانها وإحلالها في النص الشعري وهو ما يكشف عن التناص من خلال عملية الامتصاص الموافق أو بالمطابقة، حيث ينسج الشاعر نصه الشعري متناصا مع آيات القرآن الكريم في قوله: (الفقيه، 2008، صفحة 25)

رطبي حلقي قليلا

وأمسحي برهافة الزيت المضيء مواجعي.

يفسح الشاعر مساحة في نصه الشعري ليتداخل فيها النص الشعري، محدثا انزياحا في أماكن محددة في نصه الشعري؛ ليتفاعل فيها الديني بالشعري، وهو ما يميز عملية التناص؛ بخلق عملية الحوار بين النصوص التي تتيح للشاعر قدرا من الحرية لإنتاج نص جديد أساسه التداخل الأجناسي المركب (بتحويل اللاشعري إلى شعري) (مفيد، التناص ومفهوم التحويل في شعر محمد عمران ، 1997)، عملية التناص في هذه القصيدة تمت بتحويل النص القرآني الغائب وتضمينه في النص الشعري الحاضر ، حيث شكل الشاعر معاني قصيدته وفق رؤيته من خلال استغلال طاقات النص القرآني وتحويلها في النص الشعري بامتصاص النص الشعري لمعاني القرآن الكريم وتضمينها في القصيدة  (فقانون التحويل في هذه الحالة هو الامتصاص) (بنيس، 2001) ، إذ امتص النص الشعري في قول الشاعر:(وأمسحي برهافة الزيت المضئ مواجعي) الآية القرآنية في قوله تعالى: (الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح والمصباح في زجاجة  وقوله تعالي زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ لو لم تمسسه نار) سورة النور: 35، فالتناص هنا جاء باستخدام لفظة ( الزيت المضئ)، هكذا تضمنت القصيدة معاني النص القرآني الغائب، عبر قانون الامتصاص الذي مارسه الشاعر في تشكيل بنية النص الشعري ؛ لتوسيع حقوله الدلالية، واستيعاب معاني النص القرآني وتضمينها فيه.

للنص القرآني خاصية الاقتصاد اللفظي والغنى الأسلوبي، إذ يمتاز بثرائه واتساعه، حيث يجد فيه الشاعر كل ما قد يحتاجه من رموز تعبر عن رؤاه وأفكاره دون الحاجة إلى الشرح والتفصيل، فالقرآن مادة راسخة في الذاكرة الجمعية للمسلمين بكل ما تحويه من قصص وعبر، ومن ذلك ما نجده من تناص الشاعر محمد الفقيه صالح مع القرآن الكريم باستدعائه لآيات قرآنية مختلفة وتضمينها في قصيدة واحدة، فنجد ملامح من سورة الفلق، وسورة قريش في قوله: (الفقيه، 2008، الصفحات 26-28)

ما جئت إلا كي أطالع فيك سرّ قيامة الأشياء

فتسري الروح في الأحجار

تغوي الكائناتُ الكائناتِ

وجمرة الحسرات تكوي الحاسدين

وإذ رأتني امرأة شمطاء تنفث في العقد

جأرت بغيرتها

وهامت في القرى

التناص في هذه الأبيات يخيل إلى دلالات الحسد، كم وردت في القرآن الكريم، فهي دلالات إيحائية استغل فيها الشاعر النص الدّيني، بتوسيع فضائه الاشاري واستدعاء لكثافة تعبيره، حيث امتص النص الشعري كثافة النص القرآني من خلال صياغة الشاعر لمعنى الحسد الواردة في سورة الفلق في قوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق() من شر ما خلق() ومن شر غاسق إذا وقب() ومن شر النفاثات في العقد() ومن شر حاسدً إذا حسد()) سورة الفلق، وإحلاله في القصيدة بالاستناد على كلمات دالة في مثل قوله: تكوي الحاسدين، تنفث في العقد، التي خلقت جمالية في النص الشعري عبر انفتاحها على دلالات النص القرآني.

ويتناص الشاعر مع آيات قرآنية أخري في القصيدة نفسها من خلال التناص الموافق في قوله:( الفقية:28)

صحتُ: يا ربيّ

أحلْ جسدي إلى زيتونة

كي أطعم الفقراء من جوع

أومنهم من كل خوف.

التناص في هذه الأبيات استطاع أن يخلق نموذجا شعريا يلتقط فيه حالة إنسانية، وتجربة وجدانية، وفق رؤية الشاعر التي تحمل تعاطف إنساني كبير مع الفقراء والمعوزين، وذلك عبر استدعاء النص القرآني في سورة قريش في قوله تعالى: (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) سورة قريش: 5،  فالتناص مع آيات القرآن الكريم افسح المجال لدلالات النص القرآني الغائب أن تنزاح عن قدسيتها لتتشكل لغة شعرية في النص، في قوله: (كي أطعم الفقراء من جوع، وأومنهم من كل خوف) إذ ينسج الشاعر بنيه قصيدته اللغوية من استثمار مفردات من الآيات الكريمة بدلالاتها وعبر سياقها معبرا بذلك عن رؤيته، في محاولة منه لإسقاط دلالات وملامح من النصوص القرآنية على واقعه المعاصر، الذي يعاني فيه الفقراء الجوع والتهميش.

ومن التناص الموافق للمتناص استثمار النص الشعري في تشكيل رؤاه على نصوص القرآن الكريم، حيث يتم التفاعل بينهما من خلال الوظيفة التحويلية والدلالية، لأن؛ الأمر لا يتعلق بإعادة إنتاج المادة المقتبسة بحالتها القائمة الأولى، ولكن بتحويلها ونقلها وتبديلها عبر امتصاص النص الشعري لها، ومن هذا التناص الذي يحقق شعرية النص قول الشاعر:( الفقيه 2008: الصفحة 41)

كان وجهي ضاحكا

أو باكيا

أو ضاحكا وباكيا معا

يتقاطع في هذه الأبيات الخطاب الدّيني مع الخطاب الشعري، إذ يستلهم الشاعر دلالات النص الغائب، عبر استدعاء الآية القرآنية في قوله تعالى: (أنه هو اضحك وأبكى) سورة النجم:43، وتحويل ألفاظها عبر تشكيلها في بنية القصيدة الشعرية في قوله (ضاحكا، باكيا، أو ضاحكا وباكيا معا) التناص في هذه الأبيات يشكل بعدا فنيا ويكشف عن تفاعل النصوص، بإعادة انتاجها عبر تداخلها.

يتفاعل الشاعر محمد الفقيه صالح مع النص القرآني الغائب، من خلال عملية الامتصاص، إذ يمزج بين النص المقدس والنص الشعري في قوله: ( الفقيه :2008 : صفحة101 )

أملي إلا يبتليك الله بالعشق في المدن الغريبة.

وهو تناص بالموافقة مع الآية القرآنية في قوله تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور) سورة الملك:2،حيث يقوم هذا التناص على بساطة أشكال التفاعل النصي، إذ نرى أن الشاعر في تناصه مع لفظة الابتلاء في( ليبلوكم) الواردة في الآية الكريمة، في قوله: (إلا يبتليك الله) لا يخرج عن التعبير عن معاناة الشاعر وآلامه وفق رؤيته تجربته التي عاشها . استغلال طاقة النص الديني في خلق نصا شعريا جديدا عبر آلية استدعاء الوظيفة التي تستحضر صورة الحدث القرآني وتفعيلها في النص الشعري، فتوظيف القص القرآني يؤكد على دلالات النص الغائب، في النص الحاضر، حيث نلاحظ أن دلالة النص القرآني أصبح جزء أساسيا من نسيج النص الشعري.

وفي موضع آخر يطالعنا تناص مع قصة السيدة مريم العذراء (عليها السلام) في قول الشاعر ( الفقيه: 2008: 27)

خرجت أندب في الخلاء أحبّتي

فرأيت أشجارا تئن كسيرة

أسندت جذع شجرة مالت

إلى أن لامست خصلاتها وجع التراب

أخذت أركض في البراري

حيث فاجأني مخاض

فانغرست بقامتي في الأرض

حتى غامت الدنيا أمامي.

ففي هذه القصيدة تناص مع الآية القرآنية في قوله: (فحملته فانتبذت به مكانا قصياً) سورة مريم: 23، حيث يندرج التناص من خلال التقاطع بين النص القرآني والنص الشعري داخل القصيدة باستحضار دلالات النص القرآني عبر اقتطاع وتحويل من الآية القرآنية إلى نص شعري جديد في قوله (حيث فاجأني مخاض)، إذ يتشكل حول الدلالة فضاء نصي متعدد الإيحاءات والرموز، فالسياق يحيل إلى قصة مريم العذراء عند ولادتها للسيد المسيح (عليه السلام) من خلال استثمارها في النص الشعري كرمز للمعاناة والألم، ففي هذه القصيدة تناص غير مباشر بين مخاض مريم (عليها السلام) ومخاض ميلاد الحرية، فالاستعانة بالنص القرآني في البناء الشعري دلالة على توكيد المخاض العسير الذي يعيشه الوطن لحظة ميلاد الحرية.

2 ـــــ التناص مع القصة القرآنية بالنفي

ترصد هذه المقاربة النقدية تناصا آخر مع القصة القرآنية عبر آلية مختلفة تتمثل في علاقة التحوير المبنية على النفي، إذ يلاحظ أن النفي يتمثل في نوعين: الأول النفي الجزئي حيث يكون واحدا فقط من النص المرجعة منفيا، والثاني: وفيه يكون المقطع الدخيل منفيا كلية ومعنى النص مقلوبا.( كريستيفا: 1991 صفحة 79)

تختلف طريقة الشعراء في تعاملهم مع النص الغائب، كل حسب تجربته ورؤيته، “فالنص المُستَقبِل يمكن أن يحور ويبدل ويغير في النص الوافد، ذلك وفق ما تقتضيه رؤية المبدع، فالتناص يقوم بمزج وتركيب وإذابة النص في تركيب جديد” (حاوي، 2006، صفحة 165).

حاول الشاعر محمد الفقيه صالح من خلال قانون تحوير التناص وقلب معناه استحضار قصة خروج سيدنا آدم (عليه السلام) وزوجته حواء من الجنة، حيث استطاع الشاعر أن يقيم تناصا معها في قوله: ( الفقيه، 2008،صفحة 62)

يا الله…

ثمة موسيقى تنساب

ومرج من هيف وحبور…

لكأن جاءت سيدتي بالتفاحة

أو ذابت فيها.

وكأن نخصف من ورق الشهوات علينا

أن تنير الظلمة في جسدينا

ما أطفاه النور…

فالتناص في قول الشاعر (وكأن نخصف من ورق الشهوات علينا) جاء من خلال توظيف قصة آدم (عليه السلام) عبر التناص المحور من خلال قلب دلالة النص القرآني الغائب في قوله تعالى: (دلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سواتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ونادهما ربهما ألم انهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين) سورة الأعراف: 22، وظف الشاعر النص القرآني في ثنايا قصيدته بعد إجراء تحويرا لدلالاته بدلالات متناقضة له في معناه، فالنص القرآني يشير إلى السوءة التي أخذا بسترها حياء وخجلا، أما النص الحاضر فإنه يناقض دلالة النص الغائب عبر تجاوز حدود الجسد كعورة ويخترق هذه النظرية، لكي يمجد أو يحتفي بالجسد بطريقة شعرية مغايرة، فالشاعر يتعاطى مع النص القرآني بطريقة لا تستدعي المخاوف ولا الطهرانية ؛ لأنه يريد أن يصل بالجسد والشهوة نحو معان أكثر إجلالا مثلما يريد إعلان شأن الحسّي كما تبرهن عليها مفردات نصه الشعري من خلال التناص( وكأن يخصف من ورق الشهوات علينا، أن تنير الظلمة في جسدينا) أراد الشاعر أن يناقض دلالة معنى كون الجسد مصدر للحشمة والخجل، حيث يفجّر طاقات اللغة الشعرية شأنها شأن الرغبة الجنسية ويكشف عن زيف الحشمة الاجتماعية، فجوهرية النص تعبر عن امتلاء الروح الإنسانية الخالصة وتداعياتها الوجدانية في قوله( ما أطفاه النور).

يستعين الشاعر بالنص القرآني ليعبر عن رؤيته، عبر التفاعل والتمازج بين النص الغائب والنص الحاضر، مما يشكل فرصة للمتلقي لمعاينة النصوص، من خلال إثارة احساسه واستنفار وعيه ومعرفة النص الغائب وما طرأ عليه من تحولات دلالية عبر التحوير والقلب في دلالة المعنى الأصلي للنص الغائب (القرآن الكريم) وتشكلها في نسيج النص الجديد (الشعر)، بحث يصبح جزء لا يتجزأ منه وفق رؤية المبدع، ومن هذا التناص المحوّر بقلب دلالة المتناص:( الفقيه، 2008، صفحة 103)

يُحكى

أن سليمان

تلكأ لسانه في حضرتها

وفي غمرة الارتعاش واللهفة

تبخرت حكمته

فأحتمى الذهول

جاءت دلالة التناص في هذا المقطع الشعري متضاد مع دلالة النص القرآني في قوله تعالى: (فلما جاء سليمان الى قوله اذلة وهو صاغرون) النمل: 36- 37، وقوله تعالى: (قيل لها ادخلي الى قوله تعالى واسلمت مع سليمان لله رب العالمين) النمل: 44، الشاعر هنا استثمر طاقات لغة القرآن في بناء لغته الشعرية عن طريق إعادة صياغة النص الغائب وقلب دلالاته، ففي النص المتناص كانت القوة لسليمان(عليه السلام) فقد جاءت ملكة بلقيس مستسلمة له، بينما أسقط الشاعر على نصه الشعري دلالة النص الغائب باستدعاء شخصية سليمان وقلب دلالاتها في قوله (يحكى أن سليمان الحكيم تلكأ في حضرتها وفي غمرة الارتعاش واللهفة تبخرت حكمته) فالتحوير في هذا التناص جاء عن طريق قلب المعنى وإسقاط الدلالات السلبية عليه في : تلكأ، تبخرت حكمته.

كان الحقل الديني بمستوياته وقيمه الأخلاقية مصدرا معرفيا ومنجزا روحيا، استثمره الشاعر لمنح قصائده طاقات تعبيرية جديدة عبر تداخل النصوص.

التناص التاريخي

شكل التناص التاريخي رصيدا معرفيا وثراء دلاليا، استغله الشاعر للتعبير عن قضاياه وهمومه:

“فالتناص التاريخي هو تداخل نصوص تاريخية مختارة قديمة أو حديثة مع النص الفني بحيث تكون منسجمة ودالة قدر الإمكان على الفكرة التي يطرحها المؤلف أو الحالة التي يجسدها ويقدمها في عمله” (البنداري، 2009)

إذن فاستحضار مواقف تاريخية معينة واستثمارها شعريا، لا يقف عند حدود الواقعة التاريخية كسرد تاريخي، بل يعمد الشاعر إلى انتقاء مناطق مشعة ومضيئة في الحادثة التاريخية؛ لتعكس صورة الواقع، وتعبر عنه، وذلك بإعادة صياغتها لتتلاءم مع تجاربه المعاصرة، كذلك يستحضر الشاعر محمد الفقيه صالح الشخصيات التاريخية وتوظيفها تناصيا من خلال أدوارها الوظيفية، وإسقاط دلالاتها على الحاضر، إذ ينقسم التناص التاريخي إلى تناص مع الحادثة التاريخية، وتناص مع شخصيات تاريخية.

أ ــــ التناص مع الحادثة التاريخية

استلهام النص التاريخي أو الحداثة التاريخية في النص الشعري :

” ينتج تمازجا ويخلق تداخلا بين الحركة الزمنية حيث ينسكب الماضي بكل إثارته وتحفزاته وأحداثه على الحاضر بكل ما فيه من طزاجة اللحظة الحاضرة فيما يشبه تواكبا تاريخيا يومئ الحاضر فيه إلى الماضي، وكأن هذا الاستلهام يمثل صورة احتجاجية على اللحظة الحاضرة التي تعادلها في الموقف اللحظة الغائرة في سراديب الماضي” (عيد، 1985، صفحة 201).

تعامل الشعراء مع الوقائع التاريخية لا يتم إلا عبر تقنيات التحول والفرز؛ لتكثيف الواقعة التاريخية وتحويلها إلى واقعة شعرية “هذا التحول والفرز الجدلي هما ما يميز الشعر عن التاريخ، ودرجات الهضم والامتصاص هي التي تحدد درجة سيطرة الشاعر على حساسة التاريخ” (المناصرة، 1993، صفحة 92).

التناص باعتباره فاعلية فنية نابعة من تجربة المبدع يتم بموجبها استدعاء النصوص التاريخية وتوظيفها ضمن أنساق النص الشعري، إذ يمنح هذا التداخل والتفاعل النص الشعري دينامية وطاقة إبداعية من خلال إعادة إيحاء الواقعة التاريخية الغائبة وإحلالها في النص الشعري الحاضر، ومن هذا التناص قول الشاعر محمد الفقيه صالح )الفقيه 2008 صفحة 87)

الرياح الجنوبية

شاهدة على تخوم الصحراء:

” قال هيرودوت دون ان يجزم بصحة الرواية: إنه حدث في بسيلي ـــــ وهي مدينة طرابلس الحديث ــــ أنْ جففت الرياح الآتية من الصحراء جميع الآبار فتشاور الناس فيما بينهم: ماذا يصنعون؟ ثم زحفوا كتلة واحدة يشنون الحرب على الرياح الجنوبية… لكنهم حينما توغلوا في الصحراء اكتسحتهم رياح السموم ودفنتهم جميعا تحت رمالها

من كتاب ” الغصن الذهبي لجيمس فريزر”

استغاثة

هل للرياح السود آذان

لتسمع أنّة الأشجار

وهي تكابد الحُمى؟

وهل للريح أنظار لتشهد رقصة الجوعى

على طبق من الفكريس [1]

يا ربّ السموم كفى بلاً

نحن صلينا كثيرا

صاغرين لوجهك الجبّار

أن يحنو علينا

هرب الحياء من الصبايا

والثغاء من المراعي

تراتيل

مالي أرى الصحراء مسكونة بالرعب

تسترجع الأصداء فيها عذاب الشعب؟

مالي أرى الأشياء مطعونة بالصمت

تستعذب الإغفاء بين يدي الموت؟

هل هذه الأشباح أبدان أولادي

مكدودة ترتاح في هدأة الوادي

لو تعلم الكثبان معنى الزمان الصعب

ظلت مدى الأزمان تبكي بدمع القلب

في هذه القصيدة يقيم الشاعر تناصا شعريا مع وقائع التاريخ من خلال استحضار حادثة تاريخية، وهي انقراض قبيلة (البسيل أو الفسيل) بسبب هبوب رياح الصحراء الجنوبية[2]، في هذا التناص مع الحادثة لم ينحصر الشاعر في إطارها التاريخي، بل عمد إلى تفعيل دلالة النص التاريخي وبث روحا جديدة فيها، اجتازت وقائعها في الماضي وامتدت في الحاضر لتكسبه أبعادا ودلالات إيحائية ، فالتناص يحيل من خلال عمقه التاريخي إلى معاناة الشعب الليبي مع التصحر وظروف البيئة الصحراوية الصعبة، وحياة قاسية مريرة، يصارعون فيها ظروف الموت عطشا، ولكن الشاعر من خلال التناص التاريخي، يرمز إلى معاناة الشعب الليبي تحت حكومة الاستبداد وحياة الذل والهوان والمعاملة القاسية التي لا تختلف عن الرياح الجنوبية بقسوتها.

الشاعر في تناصه مع النص التاريخي يعيد النص المتناص ولكن بإحداث بعض التغيرات في ألفاظه وعبارته دون المساس بجوهره في قوله: “قال هيرودوت دون أن يجزم بصحة الرواية: إنه حدث في بسيلي وهي مدينة طرابلس الحديثة التغيير في (مدينة طرابلس الحديثة)، لأن النص التاريخي يتحدث عن مدينة (السرت) في العهد القديم، حاول الشاعر يستثمر النص التاريخي، ليسقط دلالاته على الواقع المعيش، فالرياح الجنوبية ترمز إلى حالة الظلم والقهر والطغيان التي عانى منها الشعب الليبي تحت حكومة القذافي، في قوله (مالي أري الصحراء مسكونة بالرعب، تسترجع الأصداء فيها عذاب الشعب) حيث الشاعر أعاد بناء النص الغائب وفق رؤية معاصرة، فقد قصد بهذا الترميز المفارقة بين شيئين: قسوة الرياح الجنوبية، وقسوة نظام الحكم، الذي يجمعهما حالة التشرد والتهجير والجوع والموت، في قوله (استغاثة: هل للرياح السود آذان لتسمع أنّة الأشجار وهي تكابد الحُمى؟ وهل للريح أنظار لتشهد رقصة الجوعى على طبق من الفكريس؟)

تفاعل الشاعر مع النص التاريخي مستدعيا تجارب التاريخ عبر امتصاصها وإعادة صياغتها داخل نسيج النص الشعري، ضمن رؤيته الفنية مستحضرا دلالاته عبر التوليفات البنائية بالتفاعل الحرّ مع شفرات النص الغائب واستحضار صورة الحدث الذي جسد حالة مواجهة المصاعب ذلك بالتصدي للموت دفاعا عن الحياة، توظيف التناص التاريخي ألقى بظلاله على الواقع من خلال التزاوج بين الماضي والحاضر وإسقاطه على الواقع المعيش، إذن استدعاء هذه الواقعة التاريخية وتوظيفها داخل النص الشعري جاء منسجما مع السياق ومندمجا مع البنية التركيبية والرؤية الشعرية للنص الحاضر، مكسبا إياه إيحاءات جديدة معاصرة، عن طريق إحياء نص تاريخي محلّي، فالنص التاريخي أمتد في النص الأدبي وتخطى زمانه التاريخي ليكتسب رؤية معاصرة .

ب ـــ التناص مع الشخصيات التاريخية

التناص في الديوان يوظف الشخصيات التاريخية في ثنايا النص الشعري من خلال أدوارها الوظيفية وإسقاط دلالتها على الحاضر، عبر آلية استدعاء الشخصية بشكل مباشر من خلال حضور الاسم في حدّ ذاته، الذي يستحضر بالتالي ملامح الشخصية، بتفعيل دورها وإسقاطه في الحاضر لإنتاج دلالات خاصة تحيل إلى النص التاريخي،

في موضع آخر يدعم الشاعر محمد الفقيه صالح رؤاه الشعرية باستدعاء شخصية تاريخية يتناص معها عبر دورها، التي يجد فيها ترابطا بينها وبين موضوعه، إذ عبر قانون التناص الامتصاص الموافق، يستحضر الشاعر شخصية قطري بن الفجاءة[3]في نصه الشعري وينسج منها رؤاه الفنية في قوله:[4]

حينما انفلتت من يدي الطريدة

وانقشع الروّع

قيدت خيل الفجاءة

أبحرت صوب الغمام

كان صدري يفور

وكان جنون التراب يمور

وكنت أفتش عن طلقة لا تناور

لكن ماء على جمر الخلق حطّ

فلم يدرك القوس ما تشتهيه السّهام…

أنام وفي القلب إيماضة لا تنام

فيا أيها الهاجس المستريب

ترجّل

وقل: كيف لي أن أُقيِم العلاقة بين ورد

تكثف في الحسّ حدّ الخصام

وبين اشتجار تفوح بيه الريح والأرض

والشاهد المستضام؟

هل أشدّ الطريدة والسهم والشّجن المتطاول

في قبضته؟

كيف لي أن أٌقيد في قفص الحرف هذا الضّرام؟

أيها الهاجس المستفز

أنام وفي القلب إيماضة لا تنام…

في هذا المقطع تم استثمار شخصية قطري بن الفجاءة عبر آلية استدعاء وظيفتها، حيت يتناص الشاعر مع شخصية قطري بن الفجاءة في الفروسية والإقدام وخوض المعارك في قوله (قيدت خيل الفجاءة)، ولكن معارك الشاعر تختلف عن معارك الفجاءة، لأن حرب الشاعر مع الكلمة الشعرية ومع القصيدة التي تأبه أن تطاوعه في قوله (حينما انفلتت من يدي الطريدة، قيدت خيل الفجاءة، كيف لي أن أقيد في قفص الحرف هذا الضّرام؟ أيها الهاجس المستفزّ أنام وفي القلب إيماضة لا تنام) انفتاح التناص على تجارب شخصيات تاريخية، خلق نص شعري متشرب للعديد من الدلالات والإيحاءات المستمدة من اختراق الذات للآخر، ففي الاستدعاء التراثي اختراق المعاصر للتراث وتفكيكه وإعادة بناءه وتوظيفه ليقول ما يرده الشاعر ولكن بلسان التراث، حيث يعكس استدعاء شخصية بن الفجاءة أجواء البطولة والمجد التي تتناص مع بطوله الشاعر في ساحة الشعر.

الخاتمة

يعد التناص في التجربة الشعرية في ديوان محمد الفقيه صالح ملمحا أسلوبيا وشكلا تعبيريا، فالبرغم من عدم اتساع مساحته في الديوان، إلا إنه يظهر قدرة الشاعر على إجراء تنوعات أسلوبية، بتطوير أدواته الإبداعية، لذلك لجأ إلى التناص مع نصوص أخرى، فتداخل النص الشعري بالنص اللاشعري، والشعري بالشعري، بإعادة بناء ذلك النص الغائب وفق رؤية معاصرة، وتفعيله في النص الشعري الحاضر.

النتائج

تنوعت النصوص الغائبة وطريقة توظيفها في الديوان فكانت النصوص الدينية وخاصة توظيف القرآن الكريم أكثر حضورا من النصوص التاريخية فقد تعامل الشاعر مع النصوص الغائبة بوعي المثقف من خلال توظيف دلالته الموروثة، وخلق دلالات جديدة بالموافقة تارة وبالخروج عن دلالاتها وقلب معانيها تارة أخرى، لذلك حقق قانون الامتصاص وقانون التحوير أعلى درجة من الشعرية ؛ لأنهما يعتمدا على تشرّب النص الحاضر للنص الغائب وتفعيل دلالته، فالتناص كإجراء أسلوبي وفني، لا يعتمد على حشد المتناصات المتآلفة أو المخالفة ،بل بإعادة صياغتها داخل أنساق تعبيرية وتفاعلها داخل النسيج الكلي للنص الشعري، الذي يحقق عادة نسبة من الشعرية من خلال تفعيل النصوص الغائبة وبث الحيوية فيها.

يكشف التناص عن اختيارات أسلوبية لجأ إليها الشاعر محمد الفقيه صالح أسهمت في خلق جمالية النص الشعري من خلال التداخل بين النصوص اللاشعرية بالنص الشعري عبر تفاعل النصوص المتناصة الذي تمّ بامتصاص النص الشعري لنصوص غائبة كانت في مقدمتها النصوص الدينية وخاصة القرآن الكريم الذي كان أكثر حضورا من النصوص التاريخية، فقد اقتصر التناص في ديوان حنو الضمة سمو الكسرة على التناص مع نصوص القرآن الكريم، والتناص مع الحادثة التاريخية واستدعاء وظائف الشخصيات التاريخية وتفعيلها في النص الشعري.

_________________________

[1] الفكريس مادة صلبة تستخرج من جذوع النخيل، أصبحت أثناء المجاعة وجبة أساسية لسكان المنطقة الغربية في ليبيا، فأطلق على سنوات المجاعة بعام الفكريس، أو عام الشرّ، ففي بداية 1915 تعرض شمال ليبيا لموجة جفاف شديدة لمدة ثلاث سنوات والذي تسبب في فناء العديد من الناس بالإضافة إلى الغزو الإيطالي لليبيا في ذلك الوقت. ينظر الهمالي، يونس، ليبيا والنزيف البشري، www.Libya ALmostakabal.com تاريخ الدخول8/8/2017 .

[2] روى المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت ، رواية حول الأسباب التي ساهمت في انقراض البسيلي وهي قبيلة ليبية في العصر الإغريقي في قوله:” ويسكن بجوار الناسمونيين البسيل( أو الفسيل paylles ) الذين انقرضوا وضاع أثرهم بسبب الرياح الجنوبية التي هبت على موطنهم ذات مرة فجفف مياه الخزانات ولم يبق لهم ما يشربونه في بلدهمم الواقع في( السيرت) وبعد أن تشاوروا فيما بينهم فيما ينبغي القيام به قرروا إعلان الحرب ضد هذه الرياح الجنوبية( أنا انقل القصة كما رواها الليبيون) فخرجوا إلى الصحراء ووصلوا إلى الرمال فهبت عليهم عاصفة رملية ردمتهم جميعا فانقرض الفسيل ويستوطن أراضيهم الآن النسامونيون. هيرودوت، كتاب أحاديث هيرودوت عن الليبيين (الأمازيغ) ترجمة وتعليق مصطفى أنسي، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مركز الدراسات التاريخية والبيئية، المغرب 2009، الفقرة 173، ص46.

[3] قطري بن الفجاءة بن يزيد بن زياد المازني التميمي، توفى 78ه وقيل 79 ه ــــ 697م وكانت كنيته أبا نعامة” نعامة فرسه” من رؤساء الأزارقة وأبطالهم، كان شجاعا ورجلا مقداما كثير الحروب والوقائع قوي النفس، لا يهاب الموت، كان من فرسان الأزارقة وشجعانهم سمي بأمير الموت، ينظر ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء الزمان، دار صادر ، بيروت 1992، ج:4 :83.

[4] الفقيه، ديوان حنو الضمة سمو الكسرة 2008،ص85 .

المصادر والمراجع

ابن رشيق القيرواني. (2000). العمدة في صناعة الشعر ونقده. القاهرة : مكتبة الخانجي.

أحمد طعمة حلبي. (2007). التناص بين النظريةوالتطبيق شعر البياتي نموذجا. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب.

القرآن الكريم. (بلا تاريخ). سورة النور .

تزفيتان تودرروف ميخائيل باختين . (1996). المبدأ الحواري. بيروت : المؤسسة العربية للدرسات والنشر .

جوليا كريستيفا. (1991). علم النص تر فؤاد الزاهي. المغرب: دار توبقال.

حصة البادي. (2000). التناص في الشعر العربي الحديث البرغوثي نموذجا. عمان: دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع.

خليل حاوي. (2006). الشعر العربي الحديث في الأردن وفلسطين. عمان : دار مجدلاوي.

رجاء عيد. (1985). لغة الشعر . القاهرة : مؤسسة المعارف للطباعة والنشر.

شكري عزيز ماضي. (1997). من إشكاليات النقد العربي الجديد. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات.

صرصور البنداري. (2009). التناص في الشعر الفلسطيني المعاصر. مجلة الأزهر بعزة سلسلة العلوم الإنسانية، 11.

عبد القادر بقشي. (2007). التناص في الخطاب النقدي والبلاغي دراسة نظرية وتطبيقية. المغرب: دار توبقال.

عبد الله مليطان. (2001). معجم الشعراء الليبين. طرابلس: دار مداد للطباعة والنشر والتوزيع والإنتاج الفني.

عز الدين المناصرة. (1993). حارس النص الشعري شهادات في التجربة الشعرية . بيروت : دار كتابات.

مارك أنجلو. (1989). مفهوم التناص في الخطاب النقدي الجديد ضمن أصول الخطاب النقدي الجديد. الدار البيضاء المغرب: دار الشؤون الثقافية.

محمد الفقيه. (2008). ديوان حنو الضمة سمو الكسرة. الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشراكية العظمى: اللجنة الشعبية العامة للثقافة.

محمد بنيس. (2001). الشعر العربي الحديث البنية وابدالاتها الشعر المعاصر. المغرب: دار توبقال.

محمد عبد المطلب. (1996). مناورات الشعرية . القاهرة : دار الشروق.

نجم مفيد. (1997). التناص ومفهوم التحويل في شعر محمد عمران. الموقف الأدبي اتحاد كتاب العرب، 37.

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى