جيلاني طريبشان كما لا نراه كل مرة

الشاعر الليبي الراحل .. الجيلاني طريبشان.

إمرأة فوق العادة هاته التي أخرجت الشاعر جيلاني طريبشان عن أطواره وجعلته يكتب فيها قصيدة تعد من أروع قصائده، إنها باربارا التي أكاد أجزم أنها امرأة من لحم ودم وليست امرأة مُفترضة أو مُتخيلة كما يحدث عند الكثير من الشعراء، ولعل ما يميز جيلاني طريبشان كشاعر هو اعتماده الكبير على الواقع عند كتابة قصائده فالشاعر كما لو أنه في عديد من القصائد، يكتب يومياته أو يدون سيرته شعريا حين يُقحم الكثير من تفاصيلها في قصائده ويُضمن بعض أحداثها في متونها، وإذ يفعل هذا جيلاني طريبشان فإنه يشعرن الواقع ويحيله من كونه واقع كأي واقع إلى واقع أسطوري وساحر وما قصيدة باربارا التي كتبها الشاعر في أثينا سنة 1978 إلا خير دليل على هذا الأتجاه في شعر جيلاني طريبشان الذي يكتب عن تجربة أحيانا، حتى أنك تخاله يسرد أو يقص من خلال شعره، باربارا إمرأة عادية ككل النساء غير أن قلم الشاعر أحالها إلى ما يشبه الأسطورة والمرأة الخارقة الغير متاحة في الواقع، عين الشاعر العاشقة هي التي أسبغت على هذه الشخصية وخلعت عليها صفات الكمال، باربارا التي قد تكون جميلة أو غير جميلة فالشاعر لم يتحدث عنها من هذا الجانب، باربارا مجرد مغنية في حانة وتكسب رزقها ربما من هذه المهنة، وإذا ما سألها سائل عن طموحاتها لن تزيد عن الإجابة بأن تكون مغنية في حانة يأتيها رزقها من هذه المهنة، بيد أن الشاعر رأى فيها أكثر من مغنية وأكثر من أنها امرأة، ولا شك في أن القصيدة التي وضعها لأجلها تفصح عن زاوية نظر الشاعر للمرأة والتي تختلف عن كل زوايا النظر الأخرى لذات المرأة، فالشاعر لا يسد رمقه ولا يشبع توقه أن يراها محض امرأة عابرة في حياته، ولعله بالشعر أراد إبطاء زمن مرورها بحياته أو لعله ابتغى استبقاءها إلى أجل غير محدد لأمرٍ في نفسه، وفيما اختفت باربارا وطواها النسيان وغابت شكلا وصورة وحضرت كفكرة لقصيدة وكشخصية غير متعينة وغاب الشاعر بالموت أو لعلها ماتت هي الاخرى دون أن تدري بأنها كانت موضوعا لقصيدة طويلة قالها شاعر ليبي يوماً، فيما حدث كل هذا ظلت القصيدة خالدة تخبر عن تجربة إنسانية وتحكي قصة مشاعر عاصفة وعواطف فياضة داهمت شاعر يوما فصاغها شعرا.

وهنا تحديدا دعونا نتوقف عن الحديث ولننصت معا إلى صوت القصيدة يأتينا من البعيد حاملا معه رائحة الحب والحزن والحنين والغربة والشجن الذي طالما اتسم بهما شعر طريبشان، دعونا نصغي بخشوع لصوت الشاعر وهو يتسلل هادئا، حاملا في تضاعيفه حكاية لا تتكرر كل يوم.

” إلى باربارا “

تهبطين المدائن حالمة بالضواحي التي يشرق الحب فيها !

تهبطين المدن

تحملين حقيبة جلد، وتذكرة سفر

وتغنين في آخر الليل في البار

واهمة أن بعض الأغاني تعيد الذي مر بالقلب

أو تشعل الذكريات القديمة؟

غير أني رأيتك في أول الصيف واقفة، كنت تبكين

كنت وحدي أمارس طقس العبادة فيك

كنت وحدي حزينا، أتفيأ وجهك الملكي، وأمشي على النار

كان صمت المغني يراقبني, كان وجه الوطن..

راية رفرفت في المدى المستحيل..

ليت بعض الرفاق يجيئون، يا وجهها العبقري الجميل

تهبطين المدن، تشعلين المطارات راحلة في هوى الغاضبين

تتمشي حافية، يا رصيف الأماني ازدهر !

قال لي صاحبي أي وجه يرافقنا…؟ هذه ليلتي وجه راقصة وهوىً يستعر

دحرجت يدها، سحبت خصلات الشعر، فهوى مفرق الرأس مطرا ينهمر..

– فبكت داخلي ذكريات السجون، العذاب، الضياع، شجون السفر..

سحبت يدها

سيدي أنت موعود بالقتل !

كيف؟

– قلبك الآن في داخلي يحتضر…

ضمّنا الباص في آخر الليل، جمعتنا المقاهي التي يولد الفجر على بابها

سيدي عامل الحقل هل لديك دقائق معدودة…

آه.. آه إنها تنتحب

أخرج الدركي بطاقته: قال: قف !

قلت:.. هذه ليلتي وجه راقصة وهوىً يستعر

تهبطين السجون.. تنزعين ملابسك الغجرية، وتنامين عارية، نهدك الأن تفاحة نضجت فوق نار الوطن

يا ليالي العذاب، يا ليالي الضياع

يا حزنها العبقري الجميل !

يا وجهها الملكي ازدهر

أزدهر…

أزدهر…

_____________________

** القصيدة من ديوان ابتهال إلى السيدة ن

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن ناصر سالم المقرحي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى