أين موقع المصراتي في حياتنا الأدبية؟

3

الكاتب علي مصطفى المصراتي
تصوير: فتحي العريبي.

رأينا في المقالين السابقين من هذه الدراسة التي أردنا لها أن تضطلع بمسؤلية تتبع مسيرة الأستاذ المصراتي في حركتنا الأدبية، بهدف تحديد دوره في هذه الحركة وتبيان موقفه منه وذلك من خلال الأمثلة التي ارتفعت في عالمنا العربي، أو تلك التي استفادت منها.

ولقد وصلنا في تلك الدراسات إلى التقرير بأن الأستاذ المصراتي لم يستفد من الدراسات الرائدة التي قدمتها أقلام طه حسين وعباس العقاد ومحمد مندور، وغيرهم عند دراسته للشارف، بل لقد انتهينا إلى نقطة أكثر وضوحاً عند حديثنا عن دراسة الأستاذ المصراتي عن إبراهيم الأسطى عمر خلاصتها أن المصراتي لم يؤثر في تطور الدراسة الأدبية في بلادنا، ولم يجار المستوى الناضج الذي برز في كتاب جيل الطليعة.

ومن الواضح أننا نحتاج إلى المزيد من الأدلة والمزيد من المناقشة لدراسات الأستاذ المصراتي، بحيث نعطى لهذا الرأي صحته، ونلتمس له مسبباته.

ومن هنا كان لابد أن نتعرض إلى جانب آخر من جوانب دراسات الأستاذ المصراتي، وكان من الضروري مناقشة دراسة الأستاذ المصراتي في مجال الأدب الشعبي.

ومن هنا كان لابد أن نتعرض إلى جانب آخر من جوانب دراسات الأستاذ المصراتي في مجال الأدب الشعبي.

والحقيقة أن مناقشة الأستاذ المصراتي في مجال الأدب الشعبي، ليست بالقضية اليسيرة أو تلك التي لا تستحق الوقوف كما قد يقول البعض، وذلك لأن الأستاذ المصراتي سبق له أن منح الجائزة الأولى في مجال الأدب الشعبي أثناء المسابقة الأدبية التي نظمتها اللجنة العليا لرعاية الفنون والآداب سنة 65، ولأن الأستاذ يقرر في مقدمة كتابه هذا بأنه يلقى بالمفاتيح أمام الآخرين.

ومن جهة أخرى لأن الأدب الشعبي يعتبر من أهم ألوان التعبير التي اهتم بها الدارسون، وهو بالنسبة لثقافتنا العربية يعتبر من أكثر ألوان الأدب تعبيراً عن هموم الناس، حتى لقد رأينا مؤسس علم الاجتماع العلامة ابن خلدون يخصه بوافر عنايته.

وما من شك في أن الأدب الشعبي في بلادنا كان ولا يزال الوعاء الأمين الذي حفظ تاريخنا الوطني، وعبر عن شخصيتنا المميزة وأن كل نظرة إلى المأثورات الشعبية والأهازيج وأغاني الأفراح وأغاني الحصاد لتعطى الدليل القوى على أهمية هذا الأدب، وخصوبته وجدارته بالدراسة والبحث.

ونحن لا نستطيع أن نناقش دراسة الأستاذ المصراتي عن هذا الفن الرائع إلا بالتعرض للدراسات التي عرفتها المكتبة العربية عن هذا الفن العظيم، لنرى بعد ذلك هل استفاد الأستاذ أم لم يستفيد من محاولات السابقين ؟.

وفي تصوري أن أبرز مثال ارتفع في ميدان دراسة الفنون الشعبية، هو الأستاذ أحمد رشدي صالح وذلك من خلال دراسته الجادة التي عرفتها المكتبة العربية قبل سبعة عشر سنة خلت أي قبل صدور كتاب المصراتي بسبع سنوات،وأعني به كتاب ( فنون الأدب الشعبي ).

و لست أريد هنا أن أكرر آراء الأستاذ رشدي صالح ولكن الذي أحب أن أقف عنده تلك الطريقة الرائدة التي اتبعها ذلك الأستاذ العميق النظرة، الغزير المعرفة.

لقد مهد لنا أولا ًبتعريف واسع للأسماء التي اهتمت بالفن الشعبي عربية كانت أم أجنبية مبيناً هويتهم الفكرية ومنطلقاتهم الفلسفية، مشيراً إلى الأخطاء التي وقع فيها بعضهم والنجاحات التي تهيأت لبعضهم الآخر، ومن ثم أخذ يدرس فنون الأدب الشعبي في وادي النيل مقسماً بحثه إلى أقسام مختلفة، ثم مستعرضاً النصوص التي تركها الشعراء الشعبيون من مواويل وأغاني وغيرها.

وهكذا يستطيع قارئ دراسة الأستاذ رشدي صالح أن يكون فكرة ممتازة عن فنون الأدب الشعبي في وادي النيل، وصولاً إلى فلسفة هذا الأدب والمناحي التي طرقها الأدباء الشعبيون عبر مسيرة الإنسان في تلك الأرض وما كابده من صنوف العذاب والتخلف منذ عهود قديمة موغلة في القدم، تماماً مثلما تتضح أمامه رؤية الأستاذ رشدي صالح التي تكونت – كما يرويها لنا الفصل الأول – عبر معاناة عميقة ودراسة موسعة للمصادر التي عرفها تاريخ الأدب الشعبي، بحيث تظافرت جميعها على تكوين شخصيته الأدبية التي تفهم عن نظرة مستقلة وثقافة لا تعرف الأحكام المسبقة على الإطلاق.

ولنا بعد هذا العرض السريع أن نسأل:

كيف درس الأستاذ المصراتي أدبنا الشعبي في كتابه هذا ؟

إذا ألقينا نظرة على المقدمة الموجزة ظهرت أمامنا أشياء كثيرة، أولها أن الأستاذ المصراتي بدأ يستشعر المآخذ التي سجلت عليه وفي مقدمتها السرعة التي تطبع كتاباته:

(( وقد يلوم عليّ بعض الناس السرعة في الكتابة، ولكن يا سيدي ماذا أصنع وكيف المخرج، والدراسات متزاحمة كل منها يريد أن يقفز إلى الورق ويخرج للقارئ، وأرى أن إعطاء المفاتيح وطرق الأبواب وتسليط الأضواء خير من التلكؤ والتباطؤ)).

ويضيف: (( هنا أستعرض جانباً من أمثال الشعب، وحياة الشعب، وسيكولوجية الشعب على طريقة العرض وإلقاء النظرة )).

إنه إذن يقرر بأنه يعطى المفاتيح لنا معشر قرائه ويؤمن بأنه يقدم شيئاً عن نفسية الشعب، فهل يعزز كتابه ما سبق أن قال به؟.

لنمض قليلاً مع الفصل الذي أطلق عليه الأستاذ كلمة تمهيد، وتحت عنوان على مسرح الأحداث، وانطباعنا أن الأستاذ قد عجز عن تحديد هدفه من الدراسة، ففيما نراه يشيد بالأدب الشعبي، نلتقي به بعد ذلك يخشى أن يكون في عداد الذين يدعون إلى الكتابة بالعامية لأنها – كما يقول – مؤامرة استعمارية، وفي هذا القول ما فيه من التناقض بالنسبة للأستاذ الذي نراه بعد ذلك يقول بالحرف الواحد:

(( للأدب الشعبي مجالاته وميادينه كالأدب الفصيح، الأدب العربي المكتوب.. لغة الكتابة قد لا تصور في صراحة وجرأة ما تصوره كلمة عابرة في مثل سائر، أو ما تحكيه قصة ساذجة أو ما يكن عنه معنى فطرى )).

ذلك أنه إذا كان الأدب الشعبي بهذا المستوى الذي عبر عنه بالجمل الأولى، فلماذا ينعت الذين نادوا بالكتابة العامية بأنهم عملاء للاستعمار ؟ ثم متى كانت السذاجة والمثل السائر في مستوى التفكير العميق لولا أن الأستاذ يلقى بكلماته عرض الحائط وطوع الحماس.

ومن عجب أن الأستاذ المصراتي يقع في نفس الخطأ الذي أخذه على غيره من الباحثين حين يقول: (( لا يفوتنا أن نذكر أن القدامى من الأدباء والكتاب لم يهملوا أمثال العامة في عصرهم.. صنعوا شيئاً من هذا دون دراسة وبحث ومحاولة للتحليل وهو جهد مشكور، وهى لفتة قيمة )). ويذكر في هذا الصدد الميداني والأصفهاني وغيرهما، ثم يأخذ عليهم انعدام التدقيق والتحقيق والمعيار.

إن هذا المأخذ الذي يأخذه الأستاذ المصراتي على القدامى هو ذاته الذي نأخذه عليه والذي يطل علينا منذ الفصل الأول من الكتاب ( عبارات ومصطلحات من أدب المجتمع ) حيث نجده يستعرض الكثير من العبارات التي لا علاقة لها بأمثال المجتمع موضوع كتاب المصراتي. لقد ظل على مدى مائتي صفحة من الكتاب يلقى بالأحكام العامة والجمل الحماسية، ومن ثم لم يستطع أن يتتبع مسيرة المثل الشعبي، لقد وقف أمام الأمثال شارحاً تارة غير متقصٍّ لها تارة أخرى.

أين هي فلسفة المثل الشعبي ؟ أين هو ارتباطه بالمجتمع الليبي ؟ ما مدى تأثير سنوات النضال على مسيرة المثل ؟ كيف انعكست فترات التسلط التركي و الاستعمار الإيطالي على الأمثال الشعبية ؟.

ولو حاول الأستاذ المصراتي أن يستفيد من منهج الأستاذ رشدي صالح الذي سبق أن تعرضت له، وطبق طريقته في البحث لاستطاع أن يحقق نصيباً وافراً من النجاح، كأن يكتشف الجسور التي تربط المثل الشعبي في بلادنا ببقية الأقطار العربية وأن يسبر أغوار النفوس الصادقة التي ظلت تصارع وتعيش فوق هذه الأرض الكريمة المعطاءة.

لقد انتبه إلى هذه الطريقة محمد إبراهيم أبو سنة في كتابه ( فلسفة المثل الشعبي ) فاستطاع في كتابه الصغير الذي صدر سنوات أن يدرس فلسفة المثل الشعبي والقيم التي يزخر بها، فأرجع النزعة الفردية إلى ظروفها ومسبباتها، والنزعة الجماعية إلى شروطها و أوضاعها، فلم يتورط في الأحكام العامة، ولم يلجأ إلى أساليب الوعظ وعبارات الخطابة، وإنما راح يدرس من خلال التطور العمراني، والواقع الاقتصادي وتغير أساليب الإنتاج، ورغم أن صفحات الكتاب لا تزيد عن مائة وأربعين صفحة من الحجم الصغير، باعتباره صادراً من ( سلسلة الجيب ) إلا أن قارئه يستطيع أن يخرج بزاد واسع من المعرفة الصادرة عن وجهة نظر تكونت من خلال الدراسة الواسعة والثقافة العميقة، لنقرأ له وهو يناقش موضوع الصبر:

(( والحقيقة الواعية لا تبيح لنا أن نقول في صراحة مطلقة أن الصبر والتسامح كانا سلاحين من أسلحة المقاومة على طول التاريخ، ولا يبيح لنا نفس المنطق أن نعتبرها هروباً مطلقاً من الواقع وتعبيراً عن العجز عن مواجهته، فكلا الموقفين سيبدو متكلفاً ومنفعلاً إذا أردنا الانطلاق أن يحيط بهما، فنحن نميل إلى الإيمان بأصالة الروح الثورة المتحفزة دائماً على التمرد والانطلاق. ووجود المقاومة ثابتة كحقيقة جبرية كما ذكرت سلفاً ولكننا لا نغفل أن أثواباً ثقافية معينة كانت تصافح بوعي الذين تؤذيهم المقاومة، وتلحق بهم الضرر، وكانت تفرض بطرق مؤثرة على الوعي الشعبي في فترات كثيرة من مراحل التاريخ، وفي ضوء هذين الاعتبارين اعتبار الأصالة الثورية داخل القواعد الشعبية وعنف السيطرة الرجعية نستطيع أن نقف باعتدال أمام فلسفة الصبر والتسامح كنوع من المقاومة الشعبية )).

ذلك مقطع مما كتبه محمد إبراهيم أبو سنة، وهو مقطع يدل كما نرى على مدى التفكير الذي أعمله هذا الكاتب وهو يدرس المثل الشعبي منطلقاً من فكرة أبعد. ولكي لا يتبادر إلى ذهن أحد أننا نرمي إلى فرض وجهة نظر معينة على الأستاذ المصراتي أو نريد أن نلزمه بمنهج في الدراسة، أحب أن أشير هنا إلى دراسة أخرى صدرت للكاتب التونسي البشير الزديبي بعنوان ( التربية التونسية والأمثال الشعبية ). وهو كاتب يختلف عن مدرسة محمد إبراهيم أبو سنة ومع ذلك استطاع أن يقدم في دراسته هذه الكثير من المثل الشعبي التونسي.

لقد أفلح في تقديم ملامح الشخصية التونسية من خلال المثل الشعبي ذلك بعد أن تسلح لها بالاطلاع الواسع فأمكنه أن يمهد بنظرة عامة حول تطور الدراسات التي عنيت بهذا النوع من التعبير الإنساني، ومن ثم أخذ يدرس مواضيع المثل الشعبي.

إن هذه الدراسة التي كتبها الأستاذ المصراتي عن الأمثال الشعبية هي – بلا تجنٍّ – دراسة ناقصة وغير محددة الخطوط، فلم تكن قاموساً للأمثال، ولم تكن تحليلاً لفلسفة المثل ولا تضيف إلى رصيد الأستاذ المصراتي في مجال الدراسة الأدبية أي زاد.

ولا شك أن الأستاذ المصراتي قد جنيَ على نفسه وعلى قرائه بها، ولقد ضاعف من ذلك عدم متابعته لكتابه الذي سبق أن نال عنه الجائزة سنة 65 ولم يطبع حتى الآن، إذا لو سعى إلى طبعه لأمكنه أن يعطى الفرصة لنا معشر قرائه أن نتعلم منه أكثر فأكثر، ونناقش إنتاجه على نحو أكثر تفصيلاً.

أما وأنه اكتفى بكتابه هذا فليس أمامنا إلا مناقشته بالطريقة التي أتاحها لنا، تاركين أمر دراسته الثانية إلى حين صدورها إن كتب الله لها الصدور.

__________________________

المراجع:

* خليل مطران، تأليف الدكتور محمد مندور.

* الحنين الظامي، مقدمة كامل المقهور.

* الحنين الظامي، مقدمة خليفة التليسي.

* عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث، الدكتور إحسان عباس.

* الشريف الرضي، الدكتور إحسان عباس

* الشابي وجبران، خليفة التليسي.

* مجلد جريدة فزان سنة 58 م.

نشر في صحيفة الاسبوع الثقافي 1972

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن أمين مازن

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى