القارئ أثناء الكتابة ضيف لا مفر منه

هل يشغل القارئ بال الكاتب أثناء عملية الكتابة؟ هل يكتب الكُتاب لفئة معينة من القراء؟ عندما يضع الكاتب مواصفات للقارئ الافتراضي في ذهنه هل يستطيع كتابة ما يريده؟ هل نجاح النص مرتهن بمدى تفاعل القارئ؟ هل وجوده يختلف بحسب نوع الكتابة شعرا كانت أم سردا؟ في هذه التساؤلات يعد “القارئ” قوى مؤثرة حتى وإن أخذ مكانا قصيا في لاوعي الكاتب. هنا نستطلع آراء بعض الكتاب العرب لتبيّن صورة القارئ كما يراها ممارسو الكتابة.

اليوم مع الكم الكبير من القراء في العالم، سواء في الافتراضي أو الورقي، زادت مسؤولية الكاتب وبات من اليسير إعلان القراء بشكل صريح أن هذا العمل “ضعيف” كما حدث عندما أعلن القراء على المنصات الإلكترونية أن رواية ماركيز “ذاكرة غانياتي الحزينات” لا تستحق النشر.

هذه التكنولوجيا أوجدت قراء جددا باستمرار، متنوعين في توجهاتهم وأفكارهم، وبكل سهولة يستطيعون على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي كتابة آرائهم بكل حرية في وقت تتراجع فيه الصحف عن نشر مثل هذه الانتقادات إلا في ما ندر. ولا ننسى الكتاب المقرصن، وهو الآخر أضاف قارئا جديدا لأحدث إصدارات دور النشر.

يقول الروائي الأميركي پول أوستر “إن القارئ هو الذي يخلق الكِتاب في آخر المطاف”، وقد نختلف وقد نتفق معه، ولكنه رأي يقترب من الحقيقة في جانب أن النص ينتهي في النهاية إلى القارئ.

منطقة حساسة

توضح الشاعرة الأردنية زليخة أبوريشة أن القارئ موجود في القسم الخلفي من وعينا أثناء الكتابة. إذ ونحنُ نتوجّه في الكلمة الافتتاحيّة لمجلّةٍ أو مقالةٍ أو دراسةٍ إنما نقصدُ قارئاً بعينه تتخلَّقُ ملامحه من خلال الموضوع وتفاصيله؛ فالكتابة إلى أهل اختصاصٍ غير الكتابة إلى طيف واسع من المشارب والاهتمامات.

تقول الشاعرة “أهل الاختصاص ينتظرون لغة مركبة بمصطلح مغاير لما تتقبّله شرائح الهم العام. ونحن نكتب القصةَ أو الرواية نضع في الاعتبار قراء يمثلون تحدّياً لقدراتنا السردية لأنهم كُتاب سرديون راسخون، أو قراءً عاديين ننوي أن نوصل إليهم الأدب دون تعقيد. أعرف من هؤلاء من يتعمّدون السهل الممتنع من الذي يصل إلى القارئ مع محتواه الفكري النبيل، مثل محمد البساطي. وكذلك الأمر عندما نكتب شعرا، فنحن نعي أزمتنا في اللغة والصورة واجتياز المعنى، مما تشربنا تفاصيله من خبرات وكتاب وشعراء سيكون بعضهم قراؤنا. إنهم بعض مصادرنا في أسرار اللغة وأسرار الشعر، وبعض من نخشى ونحسب لهم حساباً، حيث يكون تجاوزهم هدفاً خفياً، فلا نكرر بلاغاتهم، ولا نستحضرها إلا لسبب بلاغي جديد”.

تتابع أبوريشة “عندما نكتب للأطفال سيتحكم قراؤنا في ما نكتب، وسيتدخلون في وعينا ولاوعينا، حيث يتقدمون من خلف الرأس إلى مقدمته، ولن يتساهلوا إزاء اللغة ولا إزاء الموضوع ولا إزاء طريقة التناول. وسيحددون لنا المفردات وطريقة السرد، وسيلقون بما نكتب إذا خلا من التشويق، وسيؤنبوننا إذا أخطأنا في معلومةٍ. ومع ذلك، فنحن مطالبون بأن نبدو تلقائيين وطبيعيين وأطفالاً، من دون أن يسفرَ ذلك عن أي استعلاء أو فوقية”.

وتشير الشاعرة الليبية عائشة المغربي إلى أن الكتابة في غموضها تشبه إلى حد كبير الحب، تظهر مظاهره ونلاحظها بسرعة ونحسها ونشمها، لكن لا نصل أبدا إلى أسبابه.

تتابع ضيفتنا “لقد صدرت الكثير من النظريات التي حاولت أن تفسر الكتابة والعوامل المؤثرة فيها وكانت بعض هذه النظريات الجمالية التي درست العملية الإبداعية خاصة في الأدب قد قسمتها إلى ثلاثة أقطاب في مقاربة لفهمها تشمل المبدع والنص والقارئ”.

وترى المغربي أن القارئ في زمن وسائل التواصل الاجتماعي صار قريبا وملاصقا للكتابة وأصبح التفاعل بين الكاتب والقارئ مباشرا وسريعا. وهنا تتكلم عن القارئ بصفة عامة وعن العلاقة بعد كتابة النص، لكنها تظن القصد هنا حسب ما يطرحه التساؤل دخول القارئ إلى منطقة جغرافية شديدة الخصوصية والحساسية وهي مساحة تخص الكاتب وحده وأي افتراض لولوج القارئ المتخيل غير مقبول بالنسبة إليها، وإن كان من الصعب تحليل العملية الإبداعية في الكتابة حيث قد يكون هذا القارئ الافتراضي مندسا في لاوعي الكاتب ويمارس تأثيره وتوجيهه بناء على تجارب كتابية سابقة”.

وتضيف “من تجربتي في الكتابة القارئ المؤثر لحظة الكتابة هو قلبي، هو من يعطيني إشارة الانطلاق، وهو من يقبل النص ويحضنه ويمارس تأثيره المطلق. النصوص التي تفقد قبلة قلبي تذبل وتموت خارج القلب وتصبح الكتابة احترافا وصناعة خالية من الروح والإحساس والتأثير ما لم يلمس جنونها القلب. تلك الكتابة التي تفترض قارئا تستعد له وتتأثر بما قد يريده ويرغب فيه، من وجهة نظري كتابة ذهنية من ذلك النوع الذي يذهب إلى المكتب ويضع قرار الكتابة. في النهاية أنا لا أحاكم تجارب الآخرين لكنني أتكلم عن ذائقتي الجمالية التي ترفض الكتابة الذهنية وتنطلق من العفوية والجموح الذي يربيه قلبي في لحظة الكتابة. وهنا أتحدث عن تجربتي الخاصة وليس حول اقتراح لهذا التأثير والتعميم وإن كنت أظن أن لحظة الكتابة والعوامل المؤثرة فيها لا يفسران”.

اللعبة النصية

يقول الروائي المصري علاء فرغلي إن تأثير القارئ في الكاتب يختلف باختلاف شخصية الكاتب، لكنه في كل الأحوال موجود لا يمكن إنكاره. لماذا نكتب؟ لكي نقرأ. وبالتالي فإن الهدف الأول من الأفكار التي قرر الكاتب الإفصاح عنها في صورة قصة أو مسرحية أو رواية أو قصيدة شعر أو أي صورة تعبير أخرى، مخاطبة القارئ، ومن أجل هذا الهدف يحشد كل أداة ممكنة تساعده على إيصال الفكرة.

ويضيف “إن الكاتب هو أول قارئ لنصه، والكاتب الجيد هو ما يعبّر عن أعقد الأفكار بأبسط الأساليب من أجل الوصول إلى القارئ، الذي هو ليس بناقد محلل أو صاحب رؤى”.

ويتابع فرغلي “الآن لم تعد هناك حدود بين الكاتب وبين القارئ، ولم يعد الكاتب مشغولا برأي الناقد المتخصص -رغم أهميته- بقدر انشغاله بمدى استحسان القارئ لنصه، ذلك أن وسائل الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي أذابت الحواجز بين الطرفين وجعلت الكاتب دائم الانشغال برأي القراء على كافة مستوياتهم الثقافية والمعرفية، ومن ثم فالكاتب خلال عملية الكتابة يضع القارئ نصب عينيه، رغم ما قد يؤدي إليه ذلك من إخلال بعملية التجديد والتجريب التي يطمح إلى تحقيقها الكاتب في الكثير من الأحيان”.

وتقول الشاعرة والروائية المغربية سكينة حبيب الله “ثمة غيمة تخفي وتظهر القارئ في ذهني، وهي الشكل الأدبي الذي أكتب. في الشعر يغيب القارئ تماماً، أرتب الكلمات في الهواء، كما يجلب الفقراء الأطفال للحياة، بنيَّةِ أن تُنقِذني بعد أن تكبر وتصير مكتوبة، وفور أن تتحوّل إلى نص أعتبرها رسالة في قنينة. بالحب والعناية اللازمة، أرميها في البحر الذي يناسبها، ثم آمل أن تصل إلى إنسانٍ يشبهني، ينتظر من الكلمات أن تنقِذه، وحين يحدث ذلك، يكون الشِّعر قد أنقَذني أنا أيضاً وللمرة الثانية. أحياناً تعلق القنينة في شباك صياد ينتظر سمكاً يملأ البطن لا شعراً يرمم الشقوق في القلب. فيعيد رميَها إلى البحر بحنق، لكن لحسن الحظ تظل المرات التي تصل فيها الرسالة إلى من لا يسيء فهم تجاعيدها هي الأكثر والأهم”.

وتتابع حبيب الله “حين أكتب السرد تنزاح الغيمة قليلاً ليظهر القارئ، قارئ لا أعرِف إن كان موجوداً أو سيوجد أو أنه لن يوجد لاحقاً، لكن ما يهمني أنه يكون هناك في تلك اللحظات، حضور القارئ في ذهني لحظة الكتابة لا يكون فجاً ولا معيقاً ولا رقابياً، بل شبيهاً بالمصباح المضاء في الرّدهة، يصلِ نوره إلى غرفتك بما يكفي كي تنهض دون أن ترتطم بجدار. الارتطام بالجدار بالنسبة إلي أثناء كتابة السرد هو أن تعتبرَ القارئَ أقل ذكاء منك، وحضوره في الذهن ضروري لتفادي رضوض فادحة في النص قد يسببها ذلك الارتطام”.

إشكالية التلقي

الشاعر الليبي عبدالحفيظ العابد يرى أن حضور القارئ، بوصفه جزءاً من اللعبة النصية، لم يعد محلّ جدل منذ أنْ تراجعت المناهج السياقيّة التي تحتفي بالمؤلّف لصالح مناهج نصيّة ترى في النص نقطة البدء والعودة، لكنّ الخطوة الأهم تمثّلت في نظريات القراءة والتأويل التي أعادت الاعتبار للقارئ بوصفه منتجاً للنص الذي يرتهن وجوده بحضور قارئ ما يباشر فعل القراءة، يملأ بياضات النص، ويسد فجواته، ويعيد إليه انسجامه المفقود. بالرغم من ذلك يقدح حضور القارئ في الدرس النقدي عدة أسئلة، أهمها ما يتعلّق بماهية هذا القارئ، ودوره في ابتناء النص عبر تشكيله أفق توقع يشكل تحدياً للذات الكاتبة التي تحرص على كسر أفق التوقع هذا من خلال خلْق فجوات: مسافات توتر، وعبر الانزياحات التي تتيح للغة التخلي عن حيادها لتضحي لغة فردية منحازة إلى الذات الكاتبة.

ويتابع الشاعر “أفق التوقع كما يراه ياوس يستدعي بالضرورة معرفة القراء السابقة للجنس الأدبي، وهي معرفة قائمة على اختبار أشكال الأعمال السابقة، وهذا يعني أن خبرة القراء بالجنس الأدبي هي التي تشكل أفق انتظار يطمح النص إلى قطعه”.

ويضيف “يضحي القارئ مع وولفغانغ أيزر جزءاً باطنياً من بنية النص؛ إذ أنه يطرح تصوره عن القارئ الضمني بوصفه بنية نصية تتموضع داخل النص، وتتوقع وجود متلقٍ دون أن تحدده، فالقارئ الضمني مختلف تماماً عن القارئ الفعلي؛ ذلك أنه ليس إلا مجموعة من الأبنية النصية”.

ويشير العابد إلى أن القارئ جزء من بنية النص، فهو منتج للنص يهبه من خلال فعْل القراءة دلالاته المتعددة، وهو ما أبطل فكرة أحادية القراءة لنكون إزاء قراءة لا نهائية، كما أنّ خبرة القارئ بالنوع الأدبي تتحكم في سيرورة النص الذي يعيد تموضعه في كل مرة محاولاً أن يكسر أفق توقّع القارئ المكوّن من خبراته وقراءاته السابقة، كما أن جدة النص وعلاقاته التناصية تستدعيان بصورة أو بأخرى القارئ.

___________

نشر بصحيفة العرب

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن خلود الفلاح

الاسم: خلود خميس الفلاح

تاريخ الميلاد: 22/04/1973
مكان الميلاد: بنغازي/ليبيا
مجالات الكتاب: الشعر

تعريف قصير: ليسانس آداب-قسم إعلام/ تخصص صحافة للعام 95-1996، لها العديد من الكتابات الصحافية، مديرة مكتب مجلة (الأمل) ببنغازي، ومراسلة مجلة (الإذاعة) بمدينة بنغازي.. هذا إضافة لمشاركتها في العديد من المناشط الثقافية والاجتماعية..

إصدارات:
– بهجات مارقة-شعر/ 2003
– ينتظرونك-شعر/.
– قريباً من النافذة – حوارات.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى