غمضة وسؤال

آسيا الشقروني

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

 

بدأت الجلبة تهدأ تدريجياً، كانت تسمع الكثير من الكلمات هنا وهناك ، إلتقطت بعضها ولم تسمع كل الأحاديث، عندما أخرجتها أيادي كثيرة من تابوتها لوضعها في القبر .

بطريقة ما أحست أن القبر أكثر نعومة من ملمس الخشب القاسي، تنبهت لصوت إبنها الأصغر ينشج والبعض يقول لا إله إلا الله ، أحست بيده على الجانب الأيسر من جبينها أراد ان يخرج كلمة لا بل أخرج كلمة ولكن لم تسطيع تميزيها ربما دعاء خنقته عبرة طفيفة كل ما شعرت به هو قطرة ماء سقطت على ذقنها او ربما كانت دمعة بل هى دمعة، إبتعدت الأصوات وشعرت بالتراب الناعم يتساقط على رجليها ثم ركبتيها أحست بشعور لطيف مشابه لشعورهاعندما كانت تذهب لشاطئ البحر صيفاً لتدفن رجليها في الرمل ظناً منها أن ركبتيها ستخزن حرارة الشمس لتخفف الآلام في الشتاء،، في الحقيقة كانت دائماً تدفن نفسها في الرمال عندما كانت صغيرة كان أخوها يلعب معها هذه اللعبة حيث يحاول أن يصنع حفرة لترقد هي فيها ويطغي كل جسدها بالرمل لتسمع أمها تصيح أمها من بعيد إجعل رأسها عالياً لاتغطي رقبتها وهي دائماً تظن أن الحفرة غير عميقة بشكل كافئ لتشعر بدغدغة الرمل الناعم لأنها بحركة بسيطة منها كان ينساب الرمل يميناً وشمالاً، والآن هذه هي الحفرة المثالية لذلك.

في هذه المرحلة لم تشعر بجسدها، لم تشعر بوضع كمية أكبر من التراب، الشئ الوحيد الذي إختلف أثناء سرحانها مع أفكارها هو أن الظلام أصبح حالكاً فلربما وضعوا التراب حتى بلغ وجهها.

وربما لنفس السبب لم تعد تسمع أي ضجيج أو حتى همس يبدو أن طبقة التراب أصبحت عالية،،،، لالا سمعت صوت خفيض ولكن النبرة كانت تنم عن صياح ” أدعوا لها بالرحمة ” .

بالفعل هي ميتة الآن وتحتاج للرحمة ولكن لماذا لاتشعر بالجزع، تذكرت كم كانت تخاف من الموت وتخشاه وتخاف رهبة القبر، والآن هي في القبر سرحت بفكرها مرة أخرى هذه لقد وصلت لما كانت ترتعب منه، وراحت تطمئن نفسها بأن مثواها الجنة تقول لم أرتكب ذنوب جسيمة تستحق العقاب،،، ألم تكن محافظة على صلاتها،،،لالا لحظة ربما لم تصل إلا بعد أن أنجبت طفلها الأول او بالأصح بعد أن أصبح عمره عام.

ولكن لها الكثير من الذنوب، قاطعت أخت زوجها لأكثر من عام وذلك إثر مشاجرة قوية ولكن سبب المشكلة مجرد ترهات ونميمة تافهة،،، نعم لم تكن تافهة في حينها ولكن هى من بدأت بمصافحتها عندما إلتقتها في إحدى المناسبات ، ماذا أيضاً لقد غشت في معظم إمتحانات الثانوية والجامعة، آه الجامعة أكبر ذنوبها كان في الجامعة لقد كانت على علاقة حب مع زميلها وقبلها بالعدد ثلاث مرات الآولى في أحد قاعات الدراسة والثانية في سيارته والأخيرة على عجل في احد الممرات ولكن هل يجب أن تحتسب هذه أيضاً طبعاً تحتسب فهذا لا يصح بأي شكل.

يا إلآهي هذا هو القبر وقليلاً وسوف يأتي الملكان وينزلانها إلى أسفل الأراضين.

ماذا أيضاً ماذا،،، أمي أبي لالا لن أقلق بشأنهم كانوا يحبونني وكنت أحبهم و أخافهم ولم أتركهم حتى أخر لحظات حياتهم.

شعرت أن هناك حلقة مفقودة هناك من أذنبت بحقه أه زوجها هو زوجها، كذبت عليه كثيراً ولطالما دعت عليه بالشر بعد كل مشاجرة، ولو كان بينها وبين نفسها،وذهبت للكثير من الزيارات بدون علمه هذا لو لم تحتسب الكذب بشأن الاولاد والبيت وغيره تفادياً لصراخه الحاد لدرجة أصبح معاها لا يمكن إعتبار الكذب على زوجها كذب أصلاً.

يا ربي تطول قائمة الذنوب، ورغم كل افكارها كانت تشعر بالسكينة والسلام.

سمعت صوت ناعم يكلمها يسألها عن إسمها من أين أتى هذا الصوت أنه يلفها وكأنه نابع من داخلها جاوبت ونطقت إسمها، ورجعت لتدبر قائمة السيئات التي إقترفها لكي تقارنها بقائمة الحسنات علها تصل لموازنة لما سوف يكون عليه الأمر في النهاية، عاد الصوت مرة أخرى يسألها من ربك، قالت بنفاذ صبر لا إله إلا الله محمد رسول الله، من ربي؟؟؟…ربي الله الواحد الآحد…شعرت وكأنها سمعت ضحكة خفيفة، تسألت من صاحب الصوت الذي لم تستطيع حتى أن تحدد هل هو صوت رجل أم إمراءة.

رجعت للتفكير في جسدها الذي لم تعد تشعر به، هنالك فقط ظلام وكأنها في مرحلة نعاس وبداية نوم جميل بعد يوم مرهق، مزال هذا الصوت يزعحها قال شيئاً لم تميزه في البداية ولكن وكأن عقلها سمعه وسجله لقد كان يسأل من نبيك قالت في نفسها من هذا المزعج المتطفل ولكن هدوء هذا الصوت والطريقة العميقة واللبقة التي يتحدث بها جعلتها تحجم عن الصراخ في وجهه،،،ماذا سأل ؟؟ من نبيها؟؟؟ جاوبت محمد إبن عبد الله صلى الله عليه وسلم وجاء بالقرآن أعظم كتاب به كلام الله وصالح لكل زمان ومكان …ضحكت في سرها فهي ردت على السؤال كما لو كانت تلميذة في الصف الرابع الإبتدائي وبنفس طريقة الصغار في تلو الاجابات… فعلاً كما كان يردد أبيها التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، ولولا الاستحياء لغنت محمد إبن عبد الله مات وما رباه لم تسعفها ذاكرتها بباقي الآغنية.

أين إختفى الصوت، أين أختفى ربما كان علي أن أحتفي به أكثر من ذلك… ما كل هذا الظلام، أحست بقليل من الوحشة لماذا لم أنم ألم أشعر بالنعاس،،،خلال الظلام ظهرت نقطة ضوء صغيرة وبعيدة شدت كل إنتباهها وركزت عليها لا ليست بعيدة إنها تكبر وتقترب.

الضياء يغمر كل شئ.

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى