رواية ديجالون – الحلقة 4

غلاف رواية ديجالون.
للكاتب: المختار الجدال.

-4-

حاولت عدة مرات أن أذكر، كيف عبرنا هذه الصحراء التي ليس لها نهاية، فبعد أن تجاوزنا مدينة تمبكتو الشهيرة، وفي محاولة لاستعادة شريط المناظر الطبيعة الكئيبة المحاذية لنهر النيجر ونحن بالقرب من العاصمة المالية باماكو، غير إن ذلك الشريط ابتلعته تلك الأيام العشرون في الصحراء. حتى إني أرى منظر الماء ونحن نعبره بين التماسيح النهمة لأجسادنا أشبه بالمعجزة فقد ساورني خوف كبير.

الصحراء تشكل تحدياً لا يمكن الاطمئنان إلى أمكانية تخطيه أو تجاوزه. فالصحراء تكرس في الإنسان هاجس الخوف والرهبة كلما مضى في التوغل فيها، خاصة عندما يستوطنه إحساس بالوحدة حتى لو كان مع عدد من الناس، فلا أهمية لذلك ما دام لهؤلاء الناس حدود يحيطها البصر وقدرة يقيمها العقل.

للصحراء أجواء لا يمكن فهمها إلا من خلال المعايشة المستديمة، كثيرون فقدوا حياتهم عندما اعتقدوا إن لديهم الخبرة الكافية في صحراء لا تحتفظ بخطوط مستقيمة ودلالات ثابتة وتفرقات معروفة للطرق التي تتداخل فيها الآثار بين الأقدام البشرية وأرجل الإبل والخيل والحيوانات والسيارات.

وأعرف إنه لم تنفع في كثير من الأحيان الأجهزة، بحيث كثيراً ما غطت هذه الرمال ارتالاً من السيارات المزودة بأحدث الأجهزة ومعدات الاتصال بالأقمار الصناعية.

وفي بعض الأحيان تبعث فينا الحياة خاصة عندما تتضح معالم واحة ما وتظهر بيوت مختلفة في طراز البناء مثل الخيام أو بيوت مبنية من القش على شكل نصف دائرة وهي قليلة الارتفاع ويسكنها عادة الفقراء.

الحياة في الصحراء واضحة المعالم محددة التكوين، فليس هناك أكثر من خمسة أو ستة مجالات تكون الحياة. الاجتماع بعد العشاء وانجاز أعمال الرعي وإدارة شؤون البيت من قبل المرأة والسقي والنزول إلى مدن قريبة للتسوق وهذه العملية تتم في الشهر مرة أو مرتين ومن قبل أفراد متخصصين يمتازون بمعرفة جيدة بأبناء المدن القريبة التي يتسوقون منها. برغم إن بعضهم يفضل التسوق من “تمبكتو” برغم إنها بعيدة.

إن عالم الصحراء الكبرى. الممتدة من الساحل الغربي من نهر النيل مروراً بليبيا وتشاد والنيجر والجزائر والمغرب وموريتانيا ومالي والسنغال. هذا العالم المجزأ، هو وكل سكان هذه الصحراء يعيشون حياة معقدة، غير إنها في نفس الوقت بسيطة، ليست هناك صعوبة في توفير احتياجاته، لأنها أصلاً بسيطة، فالليل هناء يبدأ مبكراً، وينتهي مبكراً، فقبل شروق الشمس يبدأ ضجيج حركة الحيوانات، مواش “حمير وخيل وجمال”

***

-5-

وصلنا بعد عشرة أيام من المسير في صندوق الشاحنة إلى تامرست في الأراضي الجزائرية بتنا ليلتنا في فندق سياحي وسط العشب، الفندق مبني بسعف النخيل ويحتوي على فرش ردي ومتسخ وهو عبارة عن قطع طويلة من الأسفنج، وفي اليوم التالي ذهبنا إلى محطة القطارات في تامرست وانتظرنا وصول القطار يوم كامل جالسين على الأرض، وفي المساء ركبنا القطار إلى الجزائر العاصمة و أحببت أن أستريح في أحدى الغرف ولكن قالت الشيخة عيب رجال لا تنامي أمامهم…. والمفارقة العجيبة هي إن السيدة الشيخة اختارت وأطفالها أحسن الغرف ونامت حتى وصل القطار، ولكنى نمت وابنتي في غرفة كان يرافقنا فيها كثير من الرجال.

وصلنا الجزائر العاصمة سكنا فندق متواضع أنا وزوجي وابنتي في غرفة والشيخة وزوجها وأبنائها في غرفة وباقي الرجال في غرفة.. مكثنا في الفندق يومان فقط وفي اليوم الثالث ذهب زوجي والرجال إلى المسجد فتعرفوا على رجل اسمه محمد سيد الناس وكان يرافقه شخص آخر وعندما عرفوا بقصتنا وأننا مهاجرين في سبيل الله دعانا إلى بيته وبقينا به خمسة عشرة يوم.

عندما انتقلنا إلى البيت الجديد سكنا وسط كرم لا حدود له من قبل سيدة البيت التي تدعى زهيرة والبيت عبارة عن غرفتين مفتوحة على بعضها يفصلها ستارة سكنت أنا والشيخة والأولاد في غرفة وسكن زوجي والرجال في الغرفة المقابلة.

ثم انتقلنا إلى بنسيون بمنطقة باب الواد بالعاصمة الجزائر وسكنت في غرفة أول الدرج وسكنت الشيخة في الغرفة المجاورة وذات يوم شعرت بأن شخص جزائري غريب يضايقني وينظر إلي باستغراب أحسست بالخوف، فجريت مسرعة إلى غرفة الشيخة وأخبرتها بذلك، عندها قامت الشيخة بالنظر من خلال ثقب المفتاح في باب الغرفة والمثير إنها وجدت ذلك الشخص ينظر من خلال تلك الفتحة فصرخت بصوت عالي، وصرخت أنا معها بصوت عالي وأخذت أصرخ فحضر زوجي والشيخ محمد وعمال الفندق، وهنا قالوا لها ما بك فأشارت إلي وقالت هي من تصرخ، استغربت ما فعلته الشيخة نحوي ونظر الجميع نحوي باستغراب.

في باب الواد تعرفت على مجموعة من الشقيقات هن كانوا ثلاثة أحداهن كانت خطيبة محمد سيد الناس، ربطتني صداقة متينة مع ليندا وهي أصغرهن، كنت كثيراً ما أذهب إلى بيتهم لغرض الاستحمام واستبدال ملابسي فالبنسيون كان بحمام مشترك وهذا كان لا يعجب الشيخة.

في البنسيون كان طعامنا عبارة عن خبز وجبن فقط ونتناول في بعض الأحيان طعام جاهز هو عبارة عن دجاجة محمرة وفي كل يوم جمعة كان أصدقائنا الجزائريين يحضرون لنا وجبة من الكسكسي أو أي طعام آخر يعدونه خصيصاً لنا.

 

اقرأ: رواية ديجالون – الحلقة 3

 

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن المختار الجدال

المختار صالح مصباح الجدال. 02 يونيو 1957م. ماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر . الحياة العملية والوظيفية: 1- موظف بوزارة السياحة . 1975-1988م 2- شركة المهاري للفنادق والسياحة 1988- 1992م 3- مدرس بتعليم العجيلات 1992-2003م 4- عضو هيأة التدريس بجامعة الزاوية 2003- 2012م البحوث والدراسات العلمية: 1- طرق تجارة القوافل عبر الصحراء الليبية في العهد العثماني الثاني 2- العلاقة بين غدامس وتمبكتو " الرحالة الانجليزي الكسندر لينج نموذج " 3- الطرق الصوفية ومقاومة الاستعمار " الطريقة السنوسية نموذج " 4- المرابطية في عهد الدولة العثمانية . 5- وثائق عائلة قنابة التجارية خلال الحرب العالمية الأولى . 6- بشير السعداوي كاتباً ومخرجاً مسرحياً . 7- دور الخمس في تكوين شخصية بشير السعداوي . 8- الصحافة الليبية والحرب العربية الاسرائيلية " جريدة الحقيقة نموذج " 9- جامع المجابرة ودورة في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية . إصدارات الكتب: 1- بلدة العجيلات في النصف الأول من القرن العشرين . 2- ثمة موت في تقاسيم الوجه " مجموعة قصصية " 3- طرق القوافل في الصحراء الليبية " إصدارات وزارة الثقافة " 4- بحوث ومقالات في التاريخ الليبي . 5- ديجالون ( رواية ) تحت الطبع: 1-عيشة ( رواية ) 2-بلدة العجيلات في العهد الملكي النشاط الصحفي: 1- الكتابة في عدد من المواقع والصحف الالكترونية . 2- مشرف الصفحة التاريخية جريدة قورينا 2007 – 2008م 3- مشرف الصفحة التاريخية جريدة برنيق 2012-2013 م 4- مستشار بمجلة بذور الصادرة عن مركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.
إلى الأعلى