“عشبٌ نافر في مقبرة”… قراءة في ديوان (ماذا صنعنا بالشمس)، للشاعرة: هناء قاباج

من أعمال التشكيلية خلود الزوي

في ليبيا المشغولة بدفن أبنائها: ثمة  “عشب نافر في مقبرة”. لا ريب في  أن البرهة جد مربكة، وبداهة الصورة أكثر تعقيدا وضراوة: نفتح ديوان “ماذا صنعنا بالشمس” للشاعرة هنا قاباج (هكذا أرادت اسمها الأول متحررا من سطوة الهمزة على آخره). أي في اللحظة الأشدّ خسارة للحياة، وخيبة للحلم، وكل ما ينتمي لسلالة الجمال – كما يبدو – محض فائض عن الحاجة، ولن يظفر بموطئ قدم داخل هكذا بيئة، لم تعد تحتفظ بأي معنى  لفنون المخيلة، سوى الخبل وحده يجترّ مثالب ترهاته. قد يظل من العبث لو حاولنا  تبجيل قطعة موسيقى أو الاحتفاء بلوحة في هذا التيه الذي تفنن قاطنوه وببراعة  في حفر أقبيته وأنفاقه.

أشير بأنه لم تكن لي سابق دراية، أو أية معرفة بشخصية الشاعرة وموقعها داخل خارطة مشهد شعري بائس على مستوى الحراك الأدبي، وإنتاج القصيدة، والاحتفاء بمبدعيها. بل حتى أنني لم  أسمع عنها. ربما (لأسباب خاصة وعامة – لا أود الخوض فيها – جعلت علاقتي بالمشهد الأدبي في الداخل مضطربة وقاصرة عن المواكبة والرصد، خلال السنوات التسع المنصرمة )، لذا اكتفيت بقصائد الديوان كمجموعة منتخبة للطبع، تمثل باكورة إنتاج الشاعرة. وهي قصائد، سيتضح عبر القراءة، بأنها طامحة وبمثابرة لا تعوزها إمكانات وحيل التفوق على ذاتها ومحيطها، كما لا تعوزها الجرأة، والثقة في الإعلان، وبقوة عن نفسها، لتشي دونما ريب بتميزها في فضاء من عدم “عشب نافر في مقبرة”.

داخل هذا الإقليم الذي يقطنه الأموات، ترتهن فضيلة العشب ونموه لعلاقة غامضة ومحيرة تتعلق بجدلية الضوء. لعل هذا ما يستدعي ويسوّغ مشروعية السؤال عن الشمس  كمفتتح للمتن، وتيمة  تتكرر في عديد المقاطع: “من أين ينبع الضوء/ والقصيدة موحلة../ والشعراء قد ماتوا../ وشيّعهم الغبار إلى المقبرة”. قصائد الديوان، في الغالب تحمل أرقاما لا أسماء، ربما كترجمة وجودية تعكس فعل المحو، أو هي(فنيًا) عبارة عن مقاطع متسلسلة، تتضافر لتجسيد وتنويع وتلوين قصيدة واحدة. طفقت أقلّبُ صفحات المتن، وأقرأ مأخوذا بتلك العبارات التي تنقضّ وبضراوة على ما حولها من مرئيات، هي جامدة في معظمها، لتؤنسنها على طريقتها. وفي الأثناء كنت أيضًا، أعوّلُ فقط على مدى إحساسي الشخصي، والصدى الذي تتركه في نفسي صورٌ وإيماءات مبتكرة،  مثل “أنا القصير الذي تراكمت على جلده الأحذيةُ وخدشت ملامحه الخطوات”/ “ترعبني الحرفية العالية في احتفاء الجدران بصور الموتى”/ “أما التحايل فهو مهنة الأبواب”. جملة شعرية ذات حمولة حارة  في ضخ المعنى، ليس بالضرورة أن نفهمها، بقدر ما نكتظ بانهمارها؛ وبقوة لا تعوزها نشوة الاكتشاف، عندما نلامس مفارقة الحقيقة الصادمة، إزاء تردد صدى العبارة ذاتها، والتي ستلاحقنا أينما ذهبنا “عشب نافر في مقبرة”. لعلنا سنحتفي بمعجزة العشب إكراما للحياة، وللموت أيضًا، وسنقتفي ألوانه وظلاله ونترصد رائحته. على الأقلّ لكي نلبّي حدًا أدنى من طموح القراءة وشغفها وادعائها، من دون أن نتخلى عن توجسنا فيما يتعلق بتحايل النص، عندما يتفوق في اللعب، إلى الحدّ الذي تتلاشى فيه المسافة بين الثنائيات كأضداد، طالما النقيضان ينتميان للمكان نفسه، للتربة نفسها، وللغة والسماء إذا شئت، لكن ضمن  حيز قاحل وشحيح، ربما بدا كريهًا وبغيضًا عند تجليات المشهد داخل جغرافيا اعتادت توطين الموت، وهو لأمر غريب ومدهش في آن، حين يصبح في مكنة العبارة  إيواء معنى مفارق “عشب نافر في مقبرة”.

هذا التفاعل سوف ينسحب على كل الموجودات المُنْتَظَرة فيما بعد، كل  معدن، كل قطعة حجر  وزهرة برية، وباب مشبوه ، ونافذة تُطلّ على الداخل، وجحيم من فصيلة كوميديا دانتي، وانتحار سيلفيا بلاث، وميراث الأجداد، ومشاهد الحرب بين الأخوة الأعداء  في ليبيا، حيث “الرؤوس تتدحرج من كراسات الرسم مثل حبات البرتقال!” وتلك اللقطات التي تجسّد مشهد الغياب. لن تُستدعي  النقائض إلا لكي تتفاعل وتتجادل، لا أن تتناحر. لتبدو المسألة برمتها أكثر تعقيدا من تلك الدراما التقليدية التي اعتدناها في صراع الأضداد، وأيضا سوف لن يشي جدل الثنائيات بالتصالح، بقدر ما يخلص إلى ما يشبه فلسفة الطاو، أو: كأي شيء قريب من سلالة أي متاه، مثل طفولة هرمة وقاسية تلعب بمخلفات الحرب. باختصار، ثمة اختراق للحياة وطموح شكس للتوغل إلى أقصى مدى في تفانين الجملة الشعرية. والتي ستحيلنا دائما إلى تجربة شعر اعترافي، يبدأ من الذات وينتهي فيها؛ ذات قلقة وثائرة وساخرة بوعي، كل العالم يحال إليها، ليُختزل بصرامة في عبارات بالغة الكثافة والعمق. لهذا تكاد قصائد الديوان في معظمها قد كرّست فضائها – بتهكم – لسؤال البحث عن معنى، وحياة الأسماء والأشياء. كل ما هو ماثل ومحيط  هنا، ومفكر فيه، يخضع للأسئلة؛ بدءا من الوسم (ماذا صنعنا بالشمس) كعتبة أولى للمتن، ستفضي قصائد الديوان إلى إعادة تحويل مجازات هذا الكوكب، أو إلى تدويرها، باعتبار أن المجاز القار والراسخ سيفقد مع الزمن وظيفته حين يُبتذل، ويستهلك بفعل التكرار.

الجملة الشعرية في قصائد (هناء قاباج) غالبا ما  تنزاح، أو هي تنحرف داخل نسيج متشابك من تفاصيل البيوت: غرف، جدران،  نوافذ، أسرة، وسائد، أبواب، مفاتيح، أدوات  معيشة، مرورا بفضاء المدينة، إلى  قضايا الذات، (الكيان) عبر ملامسة ونكش لسيمياء وجودها الخاص، وتلك الإيماءات والإشارات البديهية، والمصيرية، الكبيرة والصغيرة، والتافهة، والمحلوم بها.

سؤال ينكش السيرة كعتبة ثانية، تبدأ من استنطاق الاسم: اسم الشاعرة “ليس لديّ سيرة ذاتية/ كل ما أعرفه أنني/ عشب نافر في مقبرة”. حيث سيتكفل هذا الاستهلال المفارق بتجسير أكثر من معنى، لندرك من خلاله، مدى قوة الصدمة لهكذا سؤال، وتلك الضراوة الحية التي تنبثق مفعمة وحارة بموازاة عالم خامد. أظن هذه الإشارة وحدها لديها ما يكفي من الثقة لخلق التشاكل، عبر تضاد مناكف ومستفز، ليس لنفي الذات، بل لتأكيدها كمركز، طالما كل إضافة لتأثيث القصيدة، ما هي في حقيقة الحال سوى فعل مراكمة لإنماء معنوي. وليس عنف الصورة وحسب، من يرسم تفاصيل  المشهد بتقنية ماكرة، بل تضافر الصوت، كنقلة إيقاعية تربط بين الظاهر والباطن. وأيضا كفاصل يفضي إلى إحالة أخرى تتعلق بالاسم وحمولته، والتي ينبغي التخفيف من مكابدة أوزارها، ربما لأن ثمة خلل ما في الإيقاع والمعنى، “ولأن الهمزة آخر اسمي/ تقف في حلق الألف/ اللامنتهي كالصدى/ وتشعرني بضرورة التوقف/ وبمحدودية الكون/ وانسكابه في فنجان مكسور/ قررت أن أصلح هذا الخطأ/ الخطأ الوحيد الذي لم أقترفه/ الخارج عن إرادتي تماما/ هنا قاباج”.

هكذا وبمجرد قراءتي لبضع قصائد احتلت مطلع الديوان أدركت بأنني إزاء قصيدة جسورة ومباغتة، تشي بتجربة حقيقية وأصيلة. وبصورة خاصة حيال براعة الشاعرة في اقتناص، وتتبع فن اللقطة  البصرية وإيجاز مشهدها بدرجة عالية من الكثافة واللمح والإيحاء، تقول “البرد يأتي من كل مكان/ من عقب الباب/ من النافذة الموصدة جيدا/ وشقوق الجدار والستائر/ من الوسائد المحشوة بالليل الطويل/ … ومن غيابك”.

ديوان: ماذا صنعنا بالشمس، ليس محض عنوان عابر لكتابة عابرة. ليس مجرد عتبة مدخل لمتن شعري تائق، أو سؤال مواز لسيرة القصيدة وفضائها.. بل هو إشارة لكتابة منتظرة أكثر رسوخا وتشكلا، سندركها دونما ريب، طالما لن نسهو أو نغفل عن انهمار حزمة صاعقة من الصيغ الماكرة التي تنطوي عليها القصائد مجتمعة.  ففضلا عن المظهر الاعترافي، أو السيروي ، ثمة هنا جماليات تتضافر عبر تنويع متعدد للدخول والخروج، من مجاز إلى آخر، وركام متنام لاستعارت شتى تتضامن لتشكيل ظلال وأصوات، معظمها يتألف من فراغات ومقتنيات منزل، إضافة إلى استدعاء أعلام وأمكنة ورموز، واللجوء أحيانا للعبة التناص، سواء بقصد أو من دونه.

وهكذا سوف تفي كل قصيدة في نهاية المطاف بما هو أكثر إخلاصا للشعر، وارتهانا للغته ورؤاه. لندرك كقراء مستسلمين لمشيئة القصيدة وبهائها، وبإيمان راسخ أننا محض أسرى، لن يسعنا بعدُ،النأي مرة أخرى، طالما منذ البدء قد تركنا أمرنا لسلطة هذا الإغواء الذي لا نظير له. لأن القراءة هي الأخرى سوف “تستسلم مثل مسحوق غسيل/ مثل طاولة الكي../ مثل مفتاح الكهرباء/ للضغط الدائم/ والتوقعات الكبرى”. لهذا لا يمكنك الإحاطة بنص مهيمن ما لم تتهيأ لمجابهة ضراوته وجموحه. قصيدة قاباج، قد بلغت تلك الدرجة التي تنصهر فيها الألوان لتأخذ شكلا يصعب تحديده، لتبقى أخيرًا – وهذا من فضائل قصيدة النثر – محض شكل لا يستقرّ، لا يُعّرف أو يُسمى. كأنه علينا اختراع أسماء وابتكار أفعال لم تُرتكب بعدُ، لكي نصف كحدّ أدنى ملامح ما، لشكل ما، يشير إلى هكذا كتابة، مما يدفعنا للانحياز  لتلك التصنيفات التي تؤكد على هوية قصيدة النثر كنوع أدبي مستقل، وليس تفريعا شعريا، أو امتدادا للشعر في تاريخيته.

بقدر بساطتها الظاهرة ستحتفظ قصيدة: هنا قاباج بإخفاء إعجازها. قصيدة متشيطنة، ماكرة، لمّاحة، وفوق ذلك كله، ذكية، تستدرج كل الموجودات كخامات طيعة، تتضافر جميعا في تأثيث درامية مشهدها الخاص بها. وعلى الرغم من سماتها الاعترافية بكل انثيالها ووضوحها ومكاشفتها وسخريتها السوداء فأن القراءة مهما تعددت، واجتهدت في صياغة سؤالها سعيا لاستنطاق مقروئها، مرة أخرى سوف تلجأ القصيدة وحدها دونما ريب  لتدوير الخفاء. وإذا كان ثمة أثر ما  لتحقق القراءة، فذلك لأنها تستمدّ طاقتها عبر الحضور الطاغي للقصيدة، حين تقفز إلى داخلك وتتوغل فيك إلى ابعد مدى. لتبدو كأنك مطالب بامتلاكها، وأنها تخصك وحدك ؛من دون أن يفتر سعيك لمحاولة تكرار التعرف عليها مجددا. كإرجاء للحظة، أو انتظارها، أو استدراجها عبر رشوتها بأمكنة وأوقات أكثر إغواء للكشف والإفشاء.  قصيدة، قد لا يكفي القول أنها موقظة، تنتزع الحواس من سباتها وتعيد إليها وظائفها المعطلة، لتضعها على تماس حاد مع الحياة، واستنطاق عالمها.

أعترف في الأثناء بأنه أحيانًا ما من كلمات يمكنها أن تسعفني  كقارئ، لتشخيص هكذا مقروء. وبالمقابل لشد ما كنت أتهيب، خشية إفساد القصيدة بالكتابة عنها، بالثرثرة المتذاكية، وتشويه ملامحها كلما تواطأت أمعانًا في تقطيعها وتجزئتها. لأن ثمة قصائد يتطلب التعامل معها توفّر حساسية خاصة، شأنها شأن الموسيقى والرسم. وهذا لا يعني أنها متعذرة  القراءة والحوار والتفاعل. بل هي لا تحتمل مزيدا من شطط التأويل حين يشطح بعيدا. فإكراما للموسيقى كمحض شكل خالص، لا يسعنا إلا أن نستسلم لسحرها.. لأن إضافة أي كلام سيعدّ ضربا من اللغو والإساءة ؛ مما يقتضي بالضرورة التريث بين الحين والآخر لترقّب ما يمكن أن يكون بمثابة توصيف، قد يصلح كحد أدنى لمقاربة أعراض القراءة حيال قصائد هذا المتن: قصائد هي دائما مستنفرة، ومستفزة، إلى حد أنها تسبب أرقًا. ومقلقة لدرجة التوجس في كونها: لا تزال تخفي المزيد من الأسرار. متفردة حينًا، وبطريقة تجعلها لا تشبه شيئا إلا نفسها. سوداوية تحيل كل شيء خرابا. لكنها ذات طبيعة حية، خفاقة تحلق عاليا، لتحط على أعلى ذروة في اللغة، وتطلق من علوها، نظرة هازئة، ولسانُ حالها يقول  ” كأنني طائر../ أرى العالم من فوق../ يطفو بالعبث../  والسخرية “. كما لو أنها تحرك رمادا راكمته سنونُ التيه، وتخض دهرا، وتجعل من العدم وجودا،  لحظة أن تحتل هي كلّ مساحة ممكنة لخلخلة جغرافية الموتى.

أجل قصيدة مستفزة، تحرك سباتا، وتهزّ يقينا. وعلى الرغم من خيباتها الطافحة، هي منجذبة للحياة بقوة، تنتج مذاقا جديدا، وحدسا يفكك عنف عالمها. مع أنها كتبت بلغة متقشفة، اشارية، سردية في الغالب، غنائية أحيانا، وعاطفية لدرجة الهشاشة، يمكن ببساطة ملاحظة أصابتها بالكثير من الرضوض التي خلفها اصطدامها بأبواب الحياة وجدرانها. وعلى الرغم من كل مفاتيح القراءة التي تتيحها الكتابة الشعرية في هذه التجربة، إلا أنني وكما أشرت قد أرتاب أحيانا – كقارئ – ليس في أصالة النص، وانفتاحه وتأثره بأكثر من أسلوب وخصيصة، بل في إمكانية التعاطي معه، لكأنه علينا تأكيد الاعتراف بعوزنا وعجزنا، وأنه مازالت تنقصنا الكثير من الحيل لقراءة قصيدة النثر. طالما كل كتابة، هي أخرى تتجدد وتتغير، تنمو وتشير بأكثر من يدٍ وطريقة، لتعبِّر باقتدار عن كونها، وباستمرار غير قابلة للتنميط، والتأطير ضمن شكل قار ومحدد. لهذا قد تتشوش المفاهيم، وتخذلنا أدوات التشخيص والتحليل، كلما حاولنا مجددا الاقتراب من المقروء. مما يدفعنا للاستئناس  بما تتيحه القصيدة نفسها من أريحية وترحيب. وأن المسألة برمتها ستظل أخيرا رهنا بالذائقة، بخزيننا ومعرفتنا وحساسيتنا.

قلت فيما قلت أن القصيدة هنا  تتضامن مع نفسها، مما يجعل من ثقتنا  تتصاعد وتنمو كحياة تتجدد، وحتى إن ظل ثمة ريب يراودنا، فأن كل كلمة هنا يقين لتجربة تنتمي لصنف الندرة. وبقدر ما هي مدهشة، بفضل تلك الوفرة من جمال لا متناه، هي محيّرة، إلى حد أنها تقتضي  لحظة أكثر خصوصية واستئناسا وتفهما. ففي كل مرة – كما أشرت – تتفوق الكتابة على حيل القراءة. لأننا إزاء قصيدة نثر تبرهن دونما توقف على مشروعية وجودها، وتدافع عن نفسها بجسارة كرد اعتبار للجمال المُزْدرى. عندما تتكفل الومضة، والحدوثة، ولقطة العدسة، والمشهد القصير، والمونولوج، فضلا عن الإيجاز، والتذويب بالغ الدقة لمقولات، وحكم وشذرات وكوبليهات وموسيقى  وروائح  وألوان، واستدعاء أعلام، من دانتي، الى بورخيس، مرورا بسيلفيا بلاث؛ استخدام عناوين، واقتباسات من أشعار وميثولوجيا، ضمن عملية تناص خاطف.

عبر قراءة أولى نخلص إلى أكثر من خاصية في هذا المتن. فإضافة إلى تضامن القصيدة مع نفسها كإبداع تائق، دائما لديه القدرة على اكتشاف وابتكار مساحات جديدة لجماليات اللغة.. نجد فن تدوير التناص، كمحاولة لتدوير المعنى وإكسابه أكثر من دلالة وصوت. لكن الخاصية الأهم تكمن في طابع الملهاة السوداء. مسحة ثرية من التهكم الواعي تفيض من خلال السخرية المرة التي تتخلل معظم نصوص المتن.

وأخيرا لنا أن نتساءل: ما هو السر في قصائد هناء قاباج، السر الذي  يجعل منها شاعرة استثناء، من صنف الندرة، ليس بالنسبة لبنات وأبناء جيلها، بل كتجربة شعرية لذلتها. هل يتعلق الأمر بخصائص فنية محددة، يمكن ملاحظتها على سبيل المثال عبر ثنائيات بعينها كالبناء والهدم، الكثافة والإيجاز، الصورة والصوت، الامتثال والتمرد، الموت والحياة، أم في الكلمات، والتي تتداعى كما لو أنها صلاة، أو صدى أسطورة  وتحليق طائر، وسقوط تماثيل في معبد، وتفكيك مفاصل غرف وخرق لذاكرة أبواب، وتفكيك ساخر لدلالات النوافذ والأسقف، وخلخلة لمفاهيم الجدران.

أفكّر أحيانا أنها أبعد من ذلك بكثير. لذا علينا أن ننتظر قليلا، لعلنا نظفر برؤية ما لهكذا “عشب نافر في مقبرة”.

___________________

طرابلس 30 أغسطس 2016

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن مفتاح العماري

 مفتاح أحمد عبد السلام العمّاري .  اسم الشهرة : مفتاح العمّاري .  ولد في بنغازي 16 يوليو 1956 .  يكتب الشعر منذ منتصف عشرية السبعينيات ، وله أيضا انشغال بكتابة السرد والمقالة .  حضر العديد من ملتقيات الشعر ومنتديات الأدب والفن في ليبيا وخارجها .. مثل مهرجانات المدينة / أحمد رفيق المهدوي /المربد / ربيع الفنون : القيروان / شعراء المتوسط : لوديف / ربيع الشعراء : باريس., وغيرها من المناسبات الثقافية والملتقيات الشعرية في تونس / الجزائر / المغرب / سوريا /مصر / الأردن / اليمن ،وغيرها .....  نشر نتاجه الشعري والأدبي منذ منتصف عشرية السبعينيات من القرن الماضي ،في عديد الصحف والمجلات الوطنية والعربية .  قدّم إلى المؤسسات والهيئات الثقافية الوطنية بعض المقترحات الثقافية التي تنصب في خدمة المشهد الثقافي الوطني .. تتلخص في تصورات وأوراق عمل لجوائز وإصدارات أدبية .  شارك في عضوية العديد من لجان تقييم مسابقات الشعر والكتابة الأدبية للمواهب في ليبيا .  تحصلت مسرحيته ( برج العقرب ) على جائزة العرض المتكامل خلال الدورة الثامنة لمهرجان المسرح الوطني . سنة 1999 ف .  صدر له : 1. قيامة الرمل .شعر 1992/ الدار الجماهيرية / طرابلس . 2. كتاب المقامات / شعر 1993 دار الملتقى – ليماسول . 3. رجل بأسره يمشي وحيدا / شعر 1993 دار غربة – بيروت . 4. السور / مسرحية 1996 الدار الجماهيرية طرابلس . 5. فعل القراءة والتأويل/1996 مقالات في النقد الأدبي الدار الجماهيرية طرابلس . 6. منازل الريح والشوارد والأوتاد / شعر1996 / الدار الجماهيرية – طرابلس . 7. ديك الجن الطرابلسي / شعر 2000 . الدار الجماهيرية _ طرابلس . 8. رحلة الشنفرى / شعر 2000 / الدار الجماهيرية . طرابلس . 9. جنازة باذخة / شعر 2001 / مجلة المؤتمر . 10. مشية الآسر / شعر 2004 .مجلس تنمية الإبداع/ بنغازي . 11. عتبة لنثر العالم / مقالات/ مجلة فضاءات 2005 طرابلس . 12. نثر الغائب / سيرة شعرية 2007 / الهيئة العامة للثقافة / طرابلس 13. برج العقرب / مسرحية 2007 14. مفاتيح الكنز / قصص وحكايات 2007 15. السلطانة / شعر . 2007 16. نثر المستيقظ .نصوص .2007 17. فن العزلة . مقالات 2009 18. فسيفسائي . شعر .2009

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى