أمسيات

علاقتي بـ “المشهد الثقافي”، إن جازت التسمية “مشهد ثقافي”، تكاد تكون معدومة، وحتى منشوراتي المطبوعة نادرة جداً، إذا ما استثنيت بعض البحوث العلمية، ومع محبتي وتقديري للوسط كله، كنت من حين لآخر آتي دون إثارة أي زوبعة، وأنسحب بهدوء، استمر هذا الأمر لأكثر من عقدين من الزمان، والواقع لم أتغيب عن تلك الأمسيات والمعارض التي يكون لي بها علم مسبق، أو حفزني إليها صديق حميم، أستطيع أن أقتل معه بعض السأم في مقابل كلمات طويلة لعشاق مكبر الصوت، والنافخين فيه قبل الكلام، والواقع أن الأمر لأول وهلة يذكرني بمعس كبدي عند صعود الطائرة، وهوسي وعدم ثقتي في شيء إلى هذه اللحظة، وانتباهي إلى تلويك الكلام، وتخيلي أن المتحدث يكاد أن يخرج من فمه قطعة بلاستيكية جاهزة بعد المضغ تتشابه وتلك التي يضعون فيها الماء في الفريجوريفيرو لكي يصبح مكعبات ثلج، أوذلك النايلون دي الفقاعات الممتلئة بالهواء، تلك التي يرفدون بها البضائع الهشة مخافة أن تتهشم، فنجدها ونحن صغاراً ونقوم باللعب بها بفرقعتها بين أصابعنا، مستمتعين بصوتها، إن المتتبع سيلاحظ أن “بعض” الأماسي، أو الأمسيات الثقافية، وراثة، المشهد يكاد يكون متوارث، أقصد بالوراثة هنا هو وراثة الشخص نفسه للشيء لا وراثة ورثته أو أبنائه، وكان يمكن له أن يرث المشاهد الثقافية لأولاده وبناته لو وجد إلى ذلك سبيلا، الحقيقة أن بلادنا ليبيا جائز فيها كل شيء، من الدروشة الثقافية إلى الكاريزما البلهاء، كأن نرى أحدهم مع احترامي له طبعاً، يضع معرقة على جاكيت، مثلاً، ويقوم بنقد الأستاذ أحمد النويري مثلاً، يا أخي، (“أنت غير تنقب في الفرنجي كويس بيش تحكي على نقاب النويري”)، خطرها النويري مبهر جداً في نقابه، ويتحدث بما يليق بالمقام، لا يجوز أن يلبس بشكل ممسوخ، رجل يتحدث عن التراث، ولا يجوزمن جهة أخرى أيضاً، أن تكون لهجة مقدم برنامج حول التراث أو الأقوال المأثورة في التراث القديم للبادية، مدنية قحة، حتى وإن كان ابن مدينة، عليه أن يدخل البوادي ويلتصق بأناسها، إلى أن يتدرب لسانه على اللكنات الشعبية، أو يكون وسطاً، وبالمقابل لا يجوز أن نأتي بأحدهم للحديث عن المدينة القديمة (طرابلس)، وهو يبرطم بلهجة بدوية مثلاً، لكل مقام مقال فعلاً، وعلى أية حال مازال مشهدنا الثقافي يرتبك أمام الكثير من الإشكاليات، حاله يتشابه مع دكان الجملة في كساد السيولة، بهرجة قزحية في الأغلب، وألوان، لكنها في أقصى حالات جاذبيتها، غير جذابة بالمطلق، كأن يأتي شاعر إلى المنصة مقتطفاً جملة مبهرة جداً، فاتحاً بها نصه، ثم لا نلبث أن تتكاسل آذاننا لسماع بقية لغته الهيروغلوفية، الملقاة على عابري سبيل عطاشى، بدل الماء.

ثمة مشكل حقيقي، حين أقارن صحف الستينيات أجد أن كتابها شباب بين التاسعة عشرة إلى الرابعة والعشرين، ليس أكثر، غير أنك أمام مقال صحفي محكم بكل ما تحمل الكلمة من معنى، في الوقت الذي نحن الآن نمتلك صحفيين بعمر الستين والسبعين، ولا تستطيع أن تكمل معه سطراً واحداً، لكنه مازال صحفياً، ومازال إعلامياً، ومصوراً، ومازال شاعراً غصباً عنا جميعاً.. وفنان وموسيقار، في كل المحافل تلقاه… أتذكر زمان في المحافل الخطابية أو حتى في بعض زيارات المسؤلين، حين ينهض أحد ما ليقول كلمة أو افتتاحية، أو نهض صدفة لتوضيح شيء ما، وكان من حظه في ذلك اليوم بالذات أنه قال كلاماً لائقاً دغدغ مشاعر المسؤول، في اليوم التالي تأتيه رسالة تقول: بناءً على….. قمنا بمنحكم… تمكينكم من…..، إرسالكم سفير إلى….. أو مستشار ثقافي في…..، الواقع مثل هكذا حماقات هي التي أنهكت أعصاب الدولة نتاج لأحد ما تحدث لأول مرة كان فيها مسموعاً أو محظوظاً فقاموا بتنصيبه في أكثر الأماكن حساسية.

المشهد الثقافي في ليبيا معطوب من زمان، والثقافة بالذات لا يمكن لها من الناحية البيولوجية أن تنموا بالمجاملة والتصفيق بلا سبب مقنع، فقط لمجرد وجود اسم ملقي الكلمة على المنصة. يجب مراجعة حساباتنا، ومع ذلك من الجحود القول بالمطلق، أن المشهد بأسره يعاني بالمطلق في كل العصور أيضاً.

الثقافة ليست كرسياً وزارياً حتى نتقاتل من أجل الوصول إليه، أو نمكث فوقه إلى الممات، وهي ليست أمسيات فقط، الثقافة، لست هنا بصدد التعريف بها، الثقافة ليست الوقوف أمام مكبر صوت، إنها التعب الكبير من أجل أن نرى الجمال ونشمه ونستمتع به في لقطة مقربة جداً، الثقافة انهاك بلا حدود، تصوف، وتعب مقتصد في العشق، عشق الله، عشق العشق، معرفة ناموس مقنن، الثقافة حالة من الوله في عشق الوطن لا عشق الذات والمكابرة.

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن نورالدين الورفلي

نورالدين محمود سعيد الورفلي. أستاذ الفنون المرئية بالجامعات الليبية، أستاذ مساعد بكلية الفنون والإعلام، جامعة طرابلس.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى