أشواق علي الرقيعي الصغيرة

هذه القراءة في أصلها مُداخلة قُدّمت إرتجالا، وبمحض الصدفة وتحت إلحاح الجمهور الحاضر بُرمجت في اليوم التالي كمساهمة في إحتفالية ذكرى (علي الرقيعي)، قاعة سينما الودان/ طرابلس 1991، وإعيد صياغتها فنشرت في مجلّة (الفصول الأربعة) الليبية العدد 59 عام 1992 بعنوان “شاعر الأغنية.. قراءة في أشواق علي الرقيعي الصغيرة”… رحيل الشاعر محمّد الفقيه صالح المباغث، والباهض الذي ألزمني الكتابة في تجربته الشعرية تنويها بغنائيته الفارقة، هو مايدفعني إلى إعادة تقديم هذه القراءة في شعرية علي الرقيعي لموضعة الغنائية في مشهد الشعر الليبي المعاصر الذي يباغثه الموت للمرّة الثانية بعد الشاعر علي الرقيعي في تغييب الشاعر محمد الفقيه صالح.

الشاعر علي الرقيعي

تمهيد الرومنطيقية…

من مؤسسات الرّؤية الرّومنطيقيّة التنويه بحرّية الإنساني، وإبراز ذاتيته إزاء الآخرّية المجتمعية المتبنيّنة على زيف هو تعبير عن وعي جمعي تُبهضه الضواغط والإكراهات، فتنزيل المشاغل الرومنطقية للذات الإنسانية المكانة المحورية في الخطاب التعبيري للآنا التخييلي يبدو كمواجهة لضمير الجماعة وحمولاته المُثقلة بوعي زائف هو نتاج ثقافة هجينة لاتقوم على طبيعة أصلية خالصة.ففي الرّؤية الرّومنطيقيّة يلتبس ببعث التوّجه إلى الحضور الأصيل للوجود الإنساني إنحفافه بالمخاطر، وهو ماألزم الكتابة، الأخذ بأسباب البحث فيه، وتأكيد جوهره الممثل في الطبيعة الأصلية(1) التي يتربص بها الآفل والمعتدي المزيّف، والمهدّد بالضّياع الكلّي للوجود من طرف مُشترطات الثقافة.وفي هذا السياق الذاتي تبدّت المفاهيم التي ستُشهر الرّومنطيقيّة كرؤية خلاّقة للأدب والشعر .فيكون إجتراح القصيدة بمثابة خلق لكل كوني يعطي الشعر معناه، وهو مايهيب بالشاعر أن يخلق مـسـتـقـلا عـن غيره صورة عالمه بلغته المنفردة ضمن الموروث اللغوي، ولكن في صورة أسطورة تـتـصـف بالتفرد والخصوصية وتعتمد علـى الـرؤيـة الـشـخـصـيـة، ولـذا تـكـون قـابـلـة لتفسيرات شديدة التباين، بل التناقض أحيانا لتوصيف المفارقة الغريبة التي يتصف بها حنين الشاعر الرومانسي لموضوعه الشعري . فاللغة عنده تسعى إلى أن تصبح هي الطبيعة وحسب تعبير هولدرلن “لا بد للكلمات من أن تنهض كالزهور “فالمطمح الرومنطيقي يتغيّا في رسالته الشعرية التوفيق بين الفن والطبيعة بين اللـغـة والـواقـع مظهراً ميزات الرومنطقية الخاصة أو حتى طبيـعـتـهـا وجـوهـرهـا وهـي: محاولة التوفيق، بواسطة شعر هو أول المـعـرفـة وآخـرهـابين الذات والموضوع، والإنسان والطبيعة، والوعي واللاوعي وفي هذا الشعر ينطرح العلاج الرومانسي الصـرف لمجتمعية المأزق الإنساني، بمحاولةاستخراج الدواء الشافي للوعـي الـذاتـي مـن الوعي نفسه.(2)

لإستيعاب، نقلة الأجتماعي ومُحدثاتها، المُغيّرة في الرّؤية الرّومنطيقيّة، يتدخل الغنائي المفصوم من جهة بالشعري: حنين دائم إلى الغنائية الرعوية التي غالباً ماطبعت الشعر بقبضها على اضمومة التوّجس بالحنين. ومن جهة أخرى بالنثري: النفي الدائم للغنائية الرعوية ذاتها أو الشعر الذي لم تخل منه ليبيا رغم صمود نزعة للاستقرار تُلهبها رغبة الريف النازحة جهه التمدين منذ بدء تصدير النفط بكميات تجارية ملفتة في المنتصف الثاني من ستينيات القرن ال20 . المُلفت أن ثمة مُراوحة بين النثري والشعري في التجربة الأبداعية الليبية، بل تراجعها الأمر الذي جعل القصة القصيرة وهي تطوير حديث للفن الحكوي الأصيل في ليبيا تحن إلى الشعر أحياناً وجعل الشعر في أحيان أخرى يلهث باتجاه النثر، لكأن تداول الشعر والنثر على النص في ليبيا هو تداول الرعوي(الريفي) والمدني على الساحة الاجتماعية.(3)

في هذه اللحظة الفارقة بين الرعوي (الريفي)، والمديني تبرز غنائية الشاعر علي الرقيعي، بل موقفه الشاعري الذي جسّده بحسّه الغنائي الذي صوّر بشفافية مُرهفة ملامح وجدان مديني بدأت سماته تتشكّل ومعالمه تتحدّد بوتيرة قلقة وفي إيقاع متواتر، في طرابلس منتصف الخمسينيات، وبدايات الستينيات . ولكن غنائية الشاعر التي كانت إمتداداً أصيلاً للموروث الرومنطيقي بدأ يسكنها حزن خفيّ، وقلق حائر غامض.ففي الوقت الذي تغنّى فيه الشاعر بالوجدان المديني، فإنه عبّر عن خوفه، وقلقه إزاء إحتمالات إنهيار المشروع الاجتماعي ـ المديني، الذي بدأت تكتسحه بعنف تحوّلات النفط بتمظهرها السلعي الإستهلاكي، الأمر الذي جعلنا ومن خلال قراءة متأنية، نلاحظ تشكُّل الشاعرية بإعتبارها هاجساً مُلحّاً في ديوان “أشواق صغيرة”، إذ يتضخم عبر أغنيات الديوان خوف علي الرقيعي الشاعر المُرهف الأحساس، وقلقه، بل توجسّه وهو يستشرف ملامح “مستقبل نفطي” يتمدّد بعنف وصلابة على إمتداد حياة الناس البسطاء، مبعداً الروح الشاعري إلى غربة لانهائية، مجهظاً وجداناً مدينياً في طور التشكُّل والنضج.

إن الهاجس الشاعري الذي يتغلغل في عمق الأغنية تنبئي عنه تلك المقاطع التي تتكرّر فيها كلمة الشاعرية، بإلحاح يدعوا إلى التأمل وإعمال الفكر. ففي مقطع من قصيدة (أغنية حُب إلى أصدقائي) نقرأ قوله: “للعيون الشاعريات الحيية”وفي قصيدة (إلى فتاة تونسيّة) نقرأ قوله: “القلوب الشاعرات”.(4) يزداد هذا الهاجس الشاعري إلحاحاً، وتتفاقم حدّته، بتجلّيه في تلك المقاطع التي تفيض مرارة، وحزناً معبرّة عن عمق الألم، الذي يستبّد بالشاعر وهو يرى مدينة أخرى “مدينة أضواء” تقوم على أنقاض مدينته”مدينة الحُلم”ففي مقطع من قصيدة (غُربة) نقرأ: “في سبيل العيش جئت/ مدينة الأضواء/ بلاداً مُرّة الطرقات لاترحم/..). ومدينة الأضواء هذه موصوفة بمدينة مسروقة النجوم في قصيدة (الطفلة التي تضحك): “مدينتي المسروقة النجوم/ تضحك في استهتار/ صبيّة تخون حُبّها القديم/ أما في قصيدة (الأميرة الحسناء) فالشاعر يلّمح برهافة وشاعرية إلى سيادة قيم السوق، وانهيار قيم القلب والوجدان في مدينة الأضواء المسروقة النجوم التي تستفزّه بالقول “سيّدتي إننّي لا أبيع/ في السوق هذا القلب/ ..” فيكون الختام بمقطع من قصيدة (العندليب والحب) “على جدار بيتنا المُنهار/ كان يحلم عندليب/ ..”.

المفهوم الذي حدّدته الرومنطيقية للشعر ـ وإن كان من الخطأ تعميمه ـ هو أنه لغة الوجدان، والتعبير عن الذات الفردية .وكلمة الوجدان هنا تعني الرجوع إلى المألوف، والسكون إلى وطن النفس الذي يشترك فيه أكثر الناس إنفراداً مع كل من يشعر ويحس. ولكن فيما قرأناه من توصيفات آنفة نلحظ رثاءً خائباً هو تردادٌ لصرخة نيقوس كازنتزاكي”هذه المدينة نثر رديء”والتعبير عن الأحساس بالغربة عنها يفتّح الطريق لغنائية جديدة تتشكل في قصيدة أخرى تبتعد عن الرومنطيقية بل تنفر من “حنينها الضاميء”(5) إلى ذلك الوطن الساكن المطمئن.إنها تبتعد عن “الأنسانية” أو “البشرية”بمعناهما المصطلح عليه، كطبيعة أصلية، أو فطرة قاعدية، وتصرف النظر عن التجربة والعاطفة، بل تذهب في كثير من الاحيان إلى البعد عن ذات الشاعر نفسه,الذي لم يعد يشارك في قصيدته مشاركة الذات الفردية أو الشخصية بل مشاركة عقل مبدع، وصانع لغة، ليست تلك اللغة التي تعرض للشاعر كيفما أُتفق بل هي صنعة فنان يجرّب خياله الذي جدّدته المعطيات الجديدة أو نظرته التي غيّرتها الواقعية في تفتيح دورب أخرى، لتعبيرات تُغني موارد العاطفية التي صيرتها المتغيّرات الغنيّة المتناقضة محدودة المُفردات، فقيرة في المعنى، ناضبة في الإيحاء، ولايعني هذا بالضرورة أن قصيدة من هذا النوع لاتوقظ سحر النفس المكنون أو لاتنبع منه، بل معناه أنها أصبحت شيئاً آخر يختلف عما نسميه بالقصيدة الوجدانية، بل قصيدة نفى عنها ـ إدجار ألن بو ـ صفة التفجع العاطفي الرومانسي، واعتبر أنها ليست سوى الشعر في أصفى أشكاله، يستخدم لغة أخرى غير اللغة التي اصطلحنا على وصفها بلغة الوجدان.(6) لقد صارت أغنية لحناً متعدّد الاصوات والأنغام وصورة مطلقة من الذاتية المحضة الخالصة التي لايمكن تجزئتها إلى قيم شعورية مفردة .فـ”الكلمة لها عينان”(7) يصير الشعار الجديد للشعرية: الكلمةالتي لاتكون لها فقط عين واحدة عين الصنعة والتكنيك، وتغيير زاوية النظر إلى المرئيات بالفن فيما أسماه ـ كريج رين ـ إقتباسا عن الشاعرة ـ إليزابيت بيشوب ـ بـ “العدسة الزجاجية” بل لها العين الطبيعية المقسومة نصفين عينا ثانية يغيّر بها الشاعر زاوية تبئير الفكريات الأجتماعية فيما سيؤدلج لاحقاً بأسم المضمون الذي يحقق إلتزام الشعر.

كتب الشاعر علي الرقيعي

الغنائية تُنقذ الشاعرية…

ليس من مهاوي هذه القراءة الخوض في محتوى السجالات التي نجمت عن المفارقة بين المديني”النثري” وبين الرعوي ـ الريفي “الشعري”؛ بل الخوض في المقاربة بين الرومنطيقي والغنائي، فلا نجافي منطق الأشياء إذا قلنا على سبيل المفارقة، بأن الغنائية هي رومانطيقية تخلصت من رومانطيقيتها أو أرادت أن تتخلص منها. وللدخول في عُمق المفارقة يكفينا هنا التلويح بأبرز سمات القصيدة الغنائية فيما تمخضت عنه جملة السجالات التي أجمعت على، قصر حجمها النسبي فالقصيدة الغنائية مقتضبة، عالية التكثيف في طرائقها التعبيرية ذاتية في إنتقاءها لمفردات العالم الخارجي، بل هي شخصية في موضوعها، وقريبة من الغناء في بٌنيتها التعبيرية، وهي تتحرك في موشور مُكثّف من الأغراض الوصفية، ولأن الشكل مقيّد فإن الفكرة تنبثق قوية، حسب الشاعر بودلير فيما ساقه عنه ـ رومان ياكوبسن ـ في(قضايا الشعرية)، و”القطعة من السماء المرئية عبر كوّة، تقدّم فكرة أعمق عن اللانهاية من المشهد العظيم المرئي من أعلى الجبل” (8).كما تكون الموسيقى في القصيدة الغنائية العنصر العضوي التكويني، بالمعنيين الفكري والجمالي. والعمارة الايقاعية تصبح بؤرة تركيز لمدركات الشاعر اذ تتخذ شكلها اللفظي اللغوي، وهي تشرع في نقل القيم الوجدانية والشعورية والعقلية.

وفي القلب من الأهتمام بالشاعرية، تبرز الغنائية بطاقة هوّية لعلي الرقيعي شاعر الأغنيات، ومّذ قرأته عبر (أشواق صغيرة) فأنّني أتفاعل معها كونها (دفتر أغنيات)، أكثر من كونها (ديوان شعر) كمجموع شعره الذي يمكن موضعته بالرومنطيقي تحت عنوان (الحنين الضاميء)، ووصف الـ (أشواق صغيرة) بدفتر اغنيات ليس من باب الانتقاص او التقلّيل، إذ تتحدّر الأغنيات من دفق الغنائية، وهي في الشعر تتويج وإكتمال. وإذ نفتح الصفحة الأولى من الديوان نقرأ عنوان القصيدة الأولى: (اغنية حب إلى اصدقائي) ثم لا يكتفي بأغنية واحدة فيقدّم لنا: (أربع أغنيات للحب) وهي: ـ القلوب المتعطّشة ـ الخبّاز والأطفال ـ الشوق الجامح ـ وإنتظار ـ، ثم يردف ـ هذه الأغنيات الأربع ـ بـ (اغنية من كنغولي الى باتريس لومومبا)، وإذ يحتفى الشاعر في قصيدة: (الخبّاز والأطفال) بـ: “اغنية بيضاء يشربها شعاع الشمس”.إلآّ انّه يعود في مقطع من قصيدة: (ماذا أخبر عنك) ليزرع في اعماقنا خوفا من” ريح تسرق أغنيات الصبح” . ويأخذ الأحتفاء بالأغنية لدى الشاعر اقصى مداه من خلال الحاحه على غنائيّة الكلمة وشاعريتها، إذ تأخذ كلمات: ـ دفء ـ وضؤ ـ وعبير ـ وشفيف ـ . مكانا هامّا وموحيا يعبّر عن إكتمال الحسّ الغنائي لدى علي الرقيعي ففي قصيدة (أحّن اليك) نقرأ: “تدفأ بالقلق الحلو”، وايضا: “دفيئا كصفو الظلال”. وفي قصيدة (غربة) نقرأ:”عليه أنظم الأشعار، أرقد عنده أدفأ”. وفي قصيدة (حلوة) نقرأ:”أسنده، أزرع الدفء له من مرفقي” .ونقرأ في قصيدة (واعظ): “سألته عن دفء كف حطّ فوق كف.. ورنّق العيون بالآمان”، وفي قصيدة:(الأرض والسمرا) نقرأ”ذات يوم دفأت روحي..وقالت لي تعال”نلحظ هنا رفاهة الشاعر في إشتقاقه من كلمة:(دفء)منظومة أكثرها أفعال ذات إيحاء شاعري/غنائي: تدفأ ـ أدفأ ـ دفيئا ـ دفئوا ـ دفأت.إلى جانب كلمة “دفء” تندرج كلمة “ضؤ” ضمن منظومة الكلمات الشاعريةوفي قصيدة (أغنية حب إلى اصدقائي) نقرأ: ” كان يا ما كان.. أن ضوأ روحي بحنانه”، ونقرأ في قصيدة : (الأرض والسمراء: “للهضيبات الوضيئات الوريفة”. وفي قصيدة (أشواق صغيرة) نقرأ: “ياعناقيد الضياء”. وتأخذ كلمة “شفيف” بعدين في قصيدة: (أحنّ إليك) . ففي أحد المقاطع نقرأ: “سرا شفيف التلفّع”. فكلمة “شفيف” بوقوعها بين كلمة”سرّ”، وكلمة”تلفّع” تأخذ مداها الرومنطيقي بينما نقرأ في مقطع آخر من نفس القصيدة قوله: “شفيف المسافات”، وهنا إذ تقترن كلمة “شفيف” بكلمة”المسافات”فأنّها تبتعد عن المجال الرومنطيقي لتدخل مجالا تعبيريا من نوع آخر يمكن وصفه بالغنائي.وفي قصيدة (غربة) نقرأ قوله: “بلا قمر شفيف الضؤ في شغف عبدناه”.ونأتي إلى آخر الكلمات الغنائية التي اخترناها من قصائد الديوان وهي كلمة ” عبير”، إذ نقرأ في قصيدة (فستان) ” صندلها الصغير/ يطيش في الهواء/مخلّفا وراءه خيطا من العبير”. وفي قصيدة (سائحة في مدينة الحريم) نقرأ قوله: “صيّرني عبيرها في لحظة عـصفور/ طارمع إنفتاح شـالهـا وضّج بالغناء”. إلى جانب هذه المقاطع التي تحتوي على كلمات: ” دفء”، “ضؤ”، “عبير”، “شفيف”، هناك مقاطع اخرى من قصائد الديوان تحتوي على كلمات لأشياء ملموسة كـ “صندل”، “شال”، “محارة”، و”فستان”، ففي قصيدة (سائحة في مدينة الحريم) نقرأ قوله: “طار مع إنفتاح شالها” وفي قصيدة (فستان): “الصندل الذي يطيش في الهواء”وفي قصيدة (عيناك): “عيناك يامحـارتي الخضراء”، وفي قصيدة (حلوة) ” تثب الفرحة من فستانها”.فالصندل، والشال ، والفستان، والمحارة الخضراء، والمكحلة الثمينة الأصداف، والسوار، إلى آخر الكلمات التي تذّكرنا”بشاعرية الأشياء”عند نزار قبّاني الذي تبدو بصماته واضحة في قصيدة (سائحة في مدينة الحريم)، ولكّن هذه البصمات النزارية لا تطغى على الأداء الشخصي المتفرّد الذي يسم شاعرية علي الرقيعي .ورغم تسرّب كلمتي (ازاهير) و(وأوراد) من القاموس الرومانسي عند الشابي، و إيليا أبي ماضي إلى المفردات الشعرية في (اشواق صغيرة)، وهذا ما نلاحظه في هذين المقطعين من قصيدتي: (الشوق الجامح) و(إنتظار) “من أجل أن تنموا آزاهير الربيع”، و”اورادنا ذبلت ولم نبرح على حرّ اللهيب” .إلاّ ان علي الرقيعي يتجاوز التعبير الرومانسي الى اداء غنائي ـ مديني يستمّد نفسه من العمق القروي لمدينة (طرابلس)، هذا العمق تمثّل في هامش زراعي عرف تاريخيا بمنطقة (المنشيّة)، وهذا الأداء الغنائي تعبّر عنه تعبيرا دالاّ كلمة “مشتل” إذ نقرأ في قصيدة (حـلوة) قوله: “مـشتل ورد فاغم” . وتتكرّر كلمة “مشتل” في موضع آخر، ولكن مع ” النعناع ” وليس”الورد”، ولا تخفى دلالة النعناع في الوجدان الشاعري لأناس المدينة البسطاء، وهو مانقرأه في مقطع من قصيدة (الأرض والسمراء: “مـشتل النعناع في ضفة ربوة”.

تنضاف إلى الإيحائية، والشيئية: الحميمية.فما يلفت الإنتباه في العديد من اغنيات ديوان (أشواق صغيرة) هو ذلك الأستهلال الحميمي والأفتتاح العفوي القلبي الذي يمدّ الشاعر من خلاله جسورا من التواصل بينه وبين متلقيّ شعره وكأنّه يتحدّث إليه، يغنّي، يدندن له بإعتباره صديقا وليس قارئا، وبهذا المفتتح القلبي السلس الذي يتشكّل في صورة بوح شجّي يأخذنا الرقيعي الى اعماق الحزن الشفيف الساكن في قلب أغنية الشاعر، ويتقدّم هذا المفتتح بهدؤ يشابه هدؤ افتتاحية (دون جيوفاني) الموسيقية التي تبدأ بأخفّ الأوتار. ففي قصيدة (الطفلة التي تضحك) نقرأ هذا الإستهلال الشعري الذي يأخذ شكل الحكي الشخصي: “مدينتي المسروقة النجوم/ تضحك في إستهتار/ ” ونقرأ في قصيدة (إلى فتاة تونسية) هذا المفتتح السلس الرقراق الذي يشبه مدخل أغنية ليلية: “الليالي الدافئات التونسية/ لم تقل لـي/ كيف لا تصفوا العيون العسلية/”. وفي قصيدة (إلى الشاعر ناظم حكمت) يفاجئنا الرقيعي بهذا الأقتراب الحميم من الشاعر الكبير ناظم حكمت هذا الإقتراب الذي يأتي في صورة حديث ابن لأبيه: / صـرت أفـهم/ روعة الحرف الذي يصنع للإنسان سلّـم/ صـرت أعلـم يا أبـي/.

وحتى نموضع الشاعر في غنائية ليبية مخصوصة، ننهي بعفوية كلماته .إذ تظهر جملته الشاعرية تلقائيتها، وبساطتهاباستعمال الشاعر للكلمات المألوفة في التدوال اللهجي/ العامّي، فهي كلمات فصيحة إلاّ أن تداولها على لسان الناس جعلها تبدو وكأنها من ضمن مفردات اللهجة العاميّة .إذ يستعمل الشاعر في قصيدة (أحنّ إليك) فعل ” تطيح” وهو مضارع فعل”طاح” أي “سقط ” إذ يقول: ” كأن الذرى تطيح على كتفي لآل”، ونراه يستعمل في قصيدة (اشواق صغيرة) فعل “خلّـوه ” بمعنى ” اتركوه”: “هـدهـدوه بالـحـكايات وخلّوه ينـام” وفي قصيدة (حلوة) يستعمل كلمتي (يسلم) و(ر ّش) إذ يقول: “يـسـلم من رّش على هذه الضحكة لون الشفـق”. ويستخدم في قصيدة (ماذا أخبر عنك) هذه الجملة المتداولة في الحديث اليومي: “مابيدّي حيلة “: “يامن يعذّب حبها قلبي وما بيدي حيلة”. وفي قصيدة (أحّن اليك) يستخدم فعل(يوشوش) في هذا المقطع: “يوشوش في أذني عن لـيـال”.

إن الرقيعي إذ يستعيض عن “همس” بـ “وشوش” و”اتركوه” بـ “خلّوه” و”تسقط” بـ “تطيح” وبإستعماله للكلمات الفصيحة أصلا، العاميّة استعمالا وتداولا فإنّه يحاول أن يقرّب اغنياته من وجدان الناس لتصبح الكلمة نورا ودفئا يلهب ومض الشوق ويسّد الدرب في وجه الرياح الهمجية.

قصيدة أحن إليك. للشاعر علي الرقيعي.

حسم مصير الغنائية…

الكاتب كامل المقهور الذي لم يُعرف بعدُ كاتبا للقصة ولم يجد بعد القصة الليبية ذات المضمون الأجتماعي التي سيكتب عنها، فيكتبها فيما بعد، يقفل عائدا من القاهرة التي انهى للتو دراسة القانون فيها عام 1957 فينتهز إزماع صديقه الشاعر علي الرقيعي إصداره لديوانه الأوّل (الحنين الضامي) في العام ذاته فيكتب تقديمه المطوّل الذي يضرب به ثلاثة توجهات برمية واحدة: إختيار الشعر فضاءا لإدراك مهمة الفن التي ليست إلا انعكاسا لعلاقات اجتماعية معيّنة، ـ الوعي بأن الفكر انعكاس للواقع ولكنّه يغيّره في الوقت ذاته، ـ إختبار المرجعيات الفكرية النقدية التي تقرّ بأن لكل واقع حياتي، ولكّل بناء تحتي، تعبير ثقافي أو بناء فوقي.(9)

هذه التوجّهات الثلاثة، ستكون بمثابة التغيير الشعري الحاسم فيما عبرّنا عنه بالتحوّل من (الحنين الضامي) إلى (أشواق صغيرة) ليس فقط صوب الغنائية في رومنطقية الشاعر علي الرقيعي، بل التحوّل في الغنائية نفسها، الذي لوّح به الكاتب كامل المقهور بتبنيه المرجعية الفكرية المُعبرّةعن رؤية نقدية واعية بشروط النقد الأجتماعي الذي يتوّخى أسس ومبادئ مايصفه “بالواقعية الجديدة” التي بدأ طلائع كتّابها ينخرطون في الألتزام بقضايا الفئات الأجتماعية التي صنعها واقع “مابعد ـ الأستعمار”. حدث الموت المؤسف الذي غيّب الشاعر علي الرقيعي في 23 نوفمبر عام 1966 سيكون العامل الحاسم في إنكفاء الشعري، بل إستيعاب طاقة روحه، في القصة القصيرة الليبية السيتينية وإمتدادها في الجيل الأدبي السبعيني، وشاعره محمد الفقيه صالح الذي قصفت أجنحة غنائيّته تجربة السجن المُبهضة .لينثر رفاقه الشعر في القصة: مضامين وجماليات نثر المدينة.

_________________________________

الهوامـش:

(1) الحالة الطبيعية الأصلية: مفهوم إقترحه مؤسسو الفكر الليبيرالي الأوروبي وأبرزهم جان جاك روسو الذي ألهم النزعة الرومنطيقة إلى الرّد إلى انسان قاعدي مفترض كوسيلة لنقد المجتمع التقليدي ومطلقاته، وإفساح المجال لبناء مجتمع يقوم على التعاقد المتجدد بتجدد الارادة العامة لاصحابه.والنزوع الرومنطقي يتبيّن في إفتراضية مفهوم الحالة الطبيعية عند روسو كحالة لم تعد موجودة، أوربما لم توجد أصلاً، وقد لاتوجد مستقبلا، ولكن يجب إستهدافها بتكوين أفكار واضحة عنها قصد الحكم على الأوضاع المجتمعية الراهنة عن د. علي أومليل، الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، دار التنوير للطباعة والنشر ـ لبنان، ط(1)، 1985 . الصفحات 72-80.

(2) رينيه ويليك “مفاهيم نقدية”، سلسلة عالم المعرفة، فبراير 1978، الكويت الصفحات 141-144ـ145ـ146.

(3) منصور ابوشناف “نثر المدينة.. قراءة في القصة القصيرة الليبية”، مجلة الفصول الأربعة العدد‮:‬95‮ ‬ السنة ‮‬2001‭/‬4.

(4) علي الرقيعي “اشواق صغيرة”، (الطبعة المُستخدمة في القراءة) نشر اللجنة العليا لرعاية الفنون والآداب، ط(1)، يوليو 1966م، الطبعة الثانية الشركة العامة للنشر والتوزيع والأعلان، 1978م. لقد رأينا أنه من الأثقال للبحث بالهوامش الإشارة إلى المقاطع المُستشهد بها من القصائد في مواضعها وأرقام الصفحات ولصغر جحم الديوان يمكن بسهولة العودة لها في أماكنها من القصائد.

(5) علي الرقيعي “الحنين الظامي”، ط(1) 1957 (طبع على نفقة الشاعر)، الأصدار (2)، منشورات الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ط(1)، 1979.

(6) هوجو فريدريش في “ثورة الشعر الحديث”، تحرير عبد الغفار مكاوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط. 1972 الصفحات 32ـ37 ـ53.

(7) علي صدقي عبد القادر “الكلمة لها عينان” (شعر)، الطبعة (1) لبنان، 1971، الأصدار (2)، منشورات الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ط(1)، 1985.

(8) رومان ياكوبسن “قضايا الشعرية”، ترجمة م. الولي، م. حنوّز، دار توبقال للنشر ط(1) 1988.الصفحة 94.

(9) مقدمة كامل المقهور لـ “الحنين الظامي”، علي الرقيعي، منشورات الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ط(1)، 1979 الصفحات 18ـ24ـ35.

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن نورالدين خليفة النمر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى