ملهاة الرعيان

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

تستدرجني ذاكرتي على أعتاب الكهولة فأرحل معها بتحنان صوب مرافيء الحلم الجميل هناك على عتبات طفولتي الموغلة في البداوة، وأنا أهش على غنمي بعصا من جريد نخلة جدي الوحيدة التي غرسها على شاطئ وادي العين بشط الشواعر، أراني هناك طفلاً بدوياً غريراً يمشي بشموخ خلف قطيعه الصغير المختلط من أغنام وعنزات جدتي الحاجة فاطمة الشاعري، وأنا أتأمل وادي العين الفسيح والأراضي الخضراء المترامية على مد البصر، والتقاء الصحراء بالبحر الأزرق الشاسع، وتقافز الجديان المستمر ونوبات النطاح التي تلجأ إليها فحول قطيعي الصغير وهي تشعر بالشبع والارتواء من ماء المطر الذي هطل ليلة البارحة، وأنا أتابع فوضى القطيع وتدافع بعض نعاجه لقضم براعم الأعشاب الناتئة بين صخور الشاطئ المتعرج، وأرقب ذلك العصفور الصغير بريشه الجميل وهو يطير من عوسجة إلى أخرى باطمئنان غير مبال بي ولا بجلبة قطيعي السعيد، أقترب من العصفور حتى أكاد أمسك به فيطير دونما خوف على ما يبدو ليحط من جديد على بعد خطوات من قدمي، فأحاول مخاتلته ومخالسة النظر باتجاه الأغنام، وأرتمي عليه بسعادة ظناً مني بأنه لن يفلت هذه المرة، لأفاجأ به يزقزق أعلى أجمة من نبات ” الحلاب” وأنظر في عينيه بحنق فلا أجد سوى نظرة محايدة كأنه جبل عليها، أو بقايا بريق يشع من عينيه الصغيرتين يدعوني للتحدي من جديد، وأظل هكذا في صراع مع هذا الكائن العنيد، محاولاً خداعه دون جدوى حتى تسقط الشمس في البحر ويحل المساء، فأرتد على أثري قصصاً، مقتفياً أثر أرجل نعجاتي التي تعرف في الغالب أقصر الطرق للحظيرة، فأجد والدتي بابتسامتها البدوية الجميلة التي تشوبها شماتة محببة وهي تقول:

كملت يومك وراء ” ملهاة أم الرعيان ؟؟ –

– انظر ملابسك كلها حمراء من التراب

– لن تتحصل على طير واحد منها … وإن تحصلت لن يشبعك

– أنت تضيع وقتك يا وليدي فيما لا ينفع !!!

تلوح لي الآن عبر الغياب ابتسامتها الحنون، وترن في مسمعي كلماتها التي مضى عليها عمر طويل، وأنا أنفق مزيداً من الوقت هنا عبر الكتابة، والصحافة، والانترنت، و” الفيس بوك ” فيما ينفع وما لا ينفع، وصدى صوت والدتي ينادي في الآفاق:

أنت تضيع العمر وراء ” ملهاة أم الرعيان”

وأكرر المحاولة ولا أتوب

مطروح: صيف 2010م

 

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن عوض الشاعري

عوض عبدالهادي الشاعري مواليد 1960. صحفي و قاص وشاعر ليبي. دبلوم عالي علوم إدارية ومالية+ د. معهد الأهرام الإقليمي للصحافة+ د. فنون العمل الصحفي من أكاديمية دوتشي فيله الألمانية DW+ دورة إعداد مدربين من معهد تقارير الحرب والسلام الدولي . مدير فرع المؤسسة العامة للمسرح و السينما و الفنون/ طبرق. عضو النقابة العامة للصحفيين الليبيين وعضو اتحاد الأدباء والكتاب. مدير ومؤسس (بيت البطنان الثقافي). رئيس تحرير صحيفة أخبار البطنان. رئيس تحرير صحيفة طبرق الحرة. رئيس تحرير صحيفة الملتقى. مدير تحرير صحيفة المختار الأسبوعية. مدير الشؤون الإدارية برابطة أدباء البطنان. مدير مكتب الشؤون الإعلامية بطبرق. مدير مكتب الشؤون الثقافية بالثقافة والإعلام. منسق تحرير مجلة الفصول الأربعة. مدير تحرير موقع الصياد الإلكتروني. شارك في العديد من المهرجانات والمعارض الدولية والمحلية والندوات الأدبية والثقافية. تحصل على العديد من الجوائز وشهادات التكريم والتقدير. صدر له: (طقوس العتمة) مجموعة قصصية دار المؤتمر للنشر يونيو 2005. (سطوة الكلاب) مجموعة قصصية عن دار تانيت للنشر و التوزيع يونيو 2015. (إلى لا طريق) ديوان شعري 2016 عن دار كتابات جديدة للنشر والإعلان والتوزيع. مخطوط ق ق ج (اشتعال). مخطوط شعري ( قبل الوداع). مخطوط روائي (فوبيا النباح). مخطوط روائي (أصـــــــوات). مخطوط (وجوه من مدينتـــي). مخطوط (الطريق إلى كمبالا) رواية. نشر إنتاجه الأدبي في العديد من الصحف والمجلات مثل: البطنان، العرب اللندنية.. مجلة الثقافة العربية.. مجلة الفصول الأربعة... الشرق الأوسط، مجلة لا، الملتقى، المؤتمر، الشمس، الشلال، الأحوال.. طرابلس الغرب.. اللواء.. برنيسي.. فسانيا.. ليبيا الجديدة.. دارنس، الصقور، أخبار الأدب، المشعل، كواكب العقيلة، الغرفة.. كل الفنون، وغيرها. أعد وقدم للإذاعة برنامج بعنوان (أدباء من بلادي)، (على طريق الإبداع). ترجمت بعض نصوصه للسويدية والانجليزية والفرنسية والعبرية. مسرحت قصته (طقوس العتمة) بمعرفة المخرج المسرحي محمد المسماري ومجموعة من نصوصه.. بمعرفة المخرج رمزي العزومي. ونص (التماسيح) بمعرفة المخرج حافظ عطية.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى