نغم في ذاكرتي

محمد حسين كانون

الكاتب الليبي الراحل .. خليفة الفاخري

خليفة الفاخري، مبدع غادر بدون استئذان. يوم رحيلة خرجت بنغازي بكل اطيافها تودعه، وتبكيه، كانت مشاعر الحب والود والانتماء هي التي تربطه بالمدينة وهي التي تربطه بأهلها، الذين ارتبطوا به وِجدانيّا من خلال ابداعاته القصصية التي جعلت الكل يري نفسه في أشخاصها، اتّسمَتْ كتاباته بأسلوب جديد لم يألفوه من قبل، كان ينقلهم بثقة الى رحاب كلماته، التي ينحتها مثلما قال صادق النيهوم، وكان وراء ذلك الابداع موهبة حقيقة لم تخلق من عدم؛ الله وحده التي يهبها لمن يشاء.

حبا الله الفاخري، الذي كنتُ احب أن أناديه “جَنْقي العظيم” بموهبة الكتابة النثرية بأدوات جمالية لغوية رائعة تحرك المشاعر وتنفذ الى القلوب في اطار من الرمزية المحببة التي تضيف لقصصه ابعادا تصويرية جميلة، فوصلتنا كلماته كنافورة ملونه تعكس اعماق جنقي الانسان.

محمد عقيلة العمامي سخَّر موهبته الرائعة في ادب الرواية لكتابة سيرة صديقه الراحل في كتاب اسماه ((منابت الريح)) فجاء كملحمة صادقة عن سيرة الفاخري الادبية بكل تفاصيلها ومراحلها وجاءت انعكاسا حقيقيا لمشاعر الود والصداقة العميقة التي كانت تربطهما وما نتج عنها من معايشة يومية ساعدت في عرض موهبة الفاخري واسلوبه ومعاناته بواقعية بأمانة.

كان لقائي الاول مع خليفة سنة 1964 بمقر نادي التحدي القديم الذى يقع بالطرف الشمالي من ميدان الفندق البلدي حيث قدمني اليه صديقي وصديقه – مفتاح الدغيلي – كنت سعيدا جدا بذلك اللقاء لأنّ مفتاح كان على مدى العام السابق لذلك لقاء يحدثني كثيرا عنه وعن دماثته وثقافته وسعة اطلاعه على الادب العربي والادب العالمي المترجم، وولعه بشعر المتنبي وشعر نزار قباني، لذلك حرصت على ذلك اللقاء الذي افضي فيما بعد الي صداقه واخوة حقه استمرت وزادت في التقارب الى درجة الفناء كل منا في ذات الاخر حتي الوداع الأخير.

كان لزيارة نادي التحدي هدف آخر هو رغبتي في المشاركة في اقامة نشاط مسرحي من خلال انشطة ثقافية وفنية بالنادي للتواصل مع الشباب والمثقفين من منتسبي ومشجِّعي النادي، الذين يشكلون أرضية خصبة جاهزة للتعاون في مجالات التوعية والمشاركة في مسيرة قهر التخلف الطويلة والمتعبة. رحّب خليفة بالمشروع بل اصبح يمثل الركن الاساسي فيه وقد اتفقنا على تكوين لجنة ثقافية بالنادي بعضوية ثلاثتنا. بدانا النشاط بمسرحية اولاد الفقراء، من اعمال مسرح يوسف وهبي التي تصور معاناة الطبقة الكادحة من تسلط الاقطاع، وقد نجحنا رغم ضعف الامكانيات البشرية والفنية وذلك بفضل تعاون منتسبي النادي، كان الجميع في منتهي السعادة يملاهم حماس لا مثيل له.

واصلت اللجنة مسيرتها من خلال مساهمة في مسابقة النشاط المتكامل الذي تقوم فيه النوادي كافة. فقدمت اللجنة مسرحية (عهد الشيطان) لتوفيق الحكيم الذي تميز في المسرح الذهني. وهي مسرحية من فصل واحد وثلاث مشاهد وثلاث شخصيات هي الفيلسوف وزوجته والشيطان، وفحواها أن الشيطان جاء الي الفيلسوف يشكو له من ظلم البشر الذين يقومون بتدمير العالم باختراع جميع مواد التدمير من الديناميت الى الذرة ثم يضعون اللوم عليه. وقد ادي خليفة دور الفيلسوف، أما الفنان عمر المخزومي رحمه الله أدّى دور زوجة الفيلسوف وقد حول العزيز خليفة والفنان المرحوم عمر المخزومي آخر مشهد في المسرحية الى ملحمة فكاهية غير عادية حيث خارجا عن النص بحوار تقليدي ساخر بين زوج وزوجة ليبيين، جعلت الجمهور يستغرق في ضحك عفوي، حتى نهاية المسرحية. لقد تميز النشاط الثقافي في نادي التحدي بروح ثقافية، وكان الفاخري يمثل عمودها الفقري، ثم ألقى محاضرة متميزة عن المتنبي، التي أعد لها اعدادا جيدا، وضع فيها الكثير من فكره الخاص وايضا من قراءاته الأدبية العميقة التي وظف رموزها في موضوع المحاضرة، ووظف أيضا ما استلهمه من رؤى في كتابات طه حسين عن المتنبي وما اورده أبو العلاء المعرّي في مخطوطته “شروح في شعر المتنبي” مع سرد موجز للتطورات التاريخية للشعر الرافض الذي يعانق معاناة الانسان ابتداء من اسطورة سارق النار وانتهاء بأشعار البياتي وآخرين.

شمل النشاط أيضا إصدار جريدة حائطية رائعة أسماها ” المتنبي “الذي يعد شاعره المفضل” صدرت في ثلاث أعداد وكل عدد فيه تجديد في الإخراج والشكل عن سابقه وكان المبدع وحده يقوم بإخراجها والكتابة فيها بخطه الجميل المتميز وبكتاباته الأدبية عن مواضيع يختارها بعناية وموهبة مثل تناوله لقصة الشيخ والبحر وما تهدف اليه، للكاتب هيمنجواي الذي يعشق خليفة كتاباته، وغيره ممّن قرأ لهم من الادباء الذين يؤمن بهم وتستهويه ابداعاتهم.

ثم تأسست جريدة الحقيقة في عام 1964 وفي مسافة سنتين اصبحت منارة ثقافية هامه وبدأت تنشر مقالات الفيلسوف الراحل صادق النيهوم وقصص المبدع خليفة الفاخري وآخرين. ولقد انبهر جمهور القراء في ليبيا ولأول مرة بأسلوب الصادق الجديد بما فيه من جرأة وسخرية ناقدة لممارسات المجتمع الليبي الخاطئة، موظفا كتاباته لهدف واحد هو قهر التخلف العلمي والاجتماعي والديني بالدرجة الاولى. مستخدما موظفا فلسفته، وأيضا في حياته الخاصة.

وبدأ معه في نفس التاريخ خليفة الذي فاجأ أيضا القراء بإبداعه ومنحوتاته الادبية الرائعة بأسلوب جديد بحق، حيث كان يوظف جمال الأسلوب فى بناء المشهد ويعززه بإسقاطات رمزية تستحضر الماضي وتظهر الحاضر وتستشرف المستقبل، الي درجة اصــبح الرمــز عنده من اساسيات بناء نصوصه. واستمر الرمز والصورة لدى خليفة جزء مكمل لجماليات كتاباته، فبعد أن يختار موضوع قصته يبدأ فى صياغة هيكليتها ليشرع بعدئذ في نحت حروف كلماته ويحولها الى فسيفساء تعكس معاناة الانسان فى سرد إيقاعي مترابط مفعم بالصور والألوان، مستنداً على موهبته الخارقة، وصدقه البالغ، و التزامه بالقيم الإنسانية، ووفاءه لوطنه ولأهله ولأصدقائه، وهو ما يميز الرائع خليفة الفاخري. سنظل طويلا نذكر جنقي كرمز أدبي حقيقيا لبلادنا.

_____________________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى