محمد العنيزي… عن المدينة والبحر وقصص من بنغازي (1)

– قصص قصيرة بدون عنوان.. بعبارات موجزة واضحة المعالم يمتزج فيها الواقع مع الخيال وحكايات مرتبطة بسابق وجود تاريخي.. قديمه والحديث… اتخذ الكاتب من محطاته… يشاركه البحر الذي احتضن المدينة وضمها بين جوانحه.. اتخذا من المتسع من أبعاده المجال لنسج المتخيل من الروايات.. ذلك البحر الذي هو عنده (مخلوق كبير ممتد وواسع وديع مليء بالأصداف والحيتان والحكايات التي لا تشيخ).

– وتحمل مدونات التاريخ… للمدينة أسماء متغيرة.. في زمن النضج المعرفي كانت النشأة الأولى (القرن السادس ق.م.).. مدينة مستقلة بحكومة وعملة وذات أسوار منيعة.. هكذا وصفت.. لكن حضورها الوجداني كان مؤثرا وعميقا.. وكانت المدينة المقدسة عند كبار الشعراء.. قادة الفكر.. صناع حركة عالم الآلهة الذي تحول إلى اعتقاد ميثيولوجي مقدس… كان فيه للمدينة (يوسبيريدس) مكانة مميزة وموقعا متخيرا تطرق إلى الكثير المتضمن لأحداث أساطيره.

القاص محمد العنيزي

– ومن يوسبيريدس.. يتحول إسم المدينة إلى (برنيكي..أو برنيس أو برينتشي أو برنيق) بحسب متغيرات النطق اللغوي.. برنيكي القورينائية.. البطلمية.. ومشاهد تاريخية تحمل طابع الإثارة وتطلعات للإستئثار بالحكم.. وصدام للقوى العظمى في ذلك الزمان.. البطلمية المصرية والسلوقية السورية. وأباطرة وقادة وحكام وأميرات: ومؤامرات.. وأسماء تحتفظ سجلات التاريخ لها بالذكر والمشاركة الفاعلة في مسار الحدث.. فيلادلفوس.. ماجاس.. يورجيتس أرسينوي الثانية.. أباميا.. برنيكي الثانية… وديمتريوس الملقب (بالجميل).

– وتتصدر الأميرة برنيس مجموعة قصص العنيزي التي تحمل عنـــوان (عن المدينة والبحر وبرنيس)… ويستهل أولها بتقديمها وصفا فيقول: (كانت الأميرة برنيس إمرأة بجسد ناري.. تصهر كل من يراها عن قرب..) وينسج لها مع شاعر تغزل بها في زمنها حكاية.. ويضيف إلى تلك الحكاية في الزمن الحاضر حكاية.. عن الرجل الذي هو من سيدي خربيش وعثر على القطعة الحجرية المكتوب عليها بلغة قديمة وخبأها في منزله ((وفي ذات ليلة خرج له شبح إمرأة نارية الجسد.. تناولت المرأة القطعة الحجرية واختفت..).

– وخصل شعر برنيقي الشهيرة التي أهدتها إلى معبد أفروديت قربانا لعودة زوجها يورجيتس بطليموس الثالث سالما في حربه مع سلوقي سوريا (246-245 ق-ق.م)[1].. ترد الإشارة إليها في إحدى القصص لتنتقل من الإسكندرية.. وتتخذ موضوعا للحكاية حيث.. يتم العثور عليها في مقبرة سيدي خريبيش من قبل الأرملة التي كانت تتودد إلى الخضار (الأرمل).. (وفي المساء وقفت الأرملة أمام المرآة تفحصت شعرها المزدان بغدائر ذهبية، ثم أوت إلى فراشها.. وفي هزيع من الليل خرج لها شبح إمرأة نارية الجسد تمسك بمقص في يدها.. قصت المرأة الغدائر الذهبية من شعر الأرملة.. وقبل أن تختفي صفعتها على خدها). [1]

– وتعتمد كتابة وقائع التاريخ على نصوص الوثائق المعتمدة روايتها المؤكدة لوصف واقع أحداثها.. بينما يتوسع الخيال عند صياغة القصة ليخرج عن المجال المحدد بالإضافة واجتياز ما كان قائما من الواقع… وعندنا هنا يقدم الكاتب قصة عن الإحتفال بزفاف (الأميرة برنيس إلى الملك السكندري بطليموس الثالث)… ويتخذ من برنيق المدينة موقعا للإحتفال.. فيصف المشاركة الإجتماعية ويقدم ما يفصح عن الابتهاج بهذا الحدث الذي تحول إلى ما يشبه العيد (… عرض التجار بضائعهم وإزدحمت الأسواق بالأهالي الذين خرجوا لاقتناء الملابس الجديدة والأحذية وأدوات الزينة والشموع وحلويات عرس الأميرة والنبيذ المعتق والتين المجفف، وأكياس الزبيب). ويقدم مشاهد من المشاركة الشعبية في ذلك الاحتفال.. وبعد أن أوقدت المشاعل عند حلول المساء وأضيئت الشموع في الساحة الكبيرة (.. تراقص الكهول.. ورقص الشبان برفقة الجميلات.. وأفلت الأطفال أياديهم من أيادي ذويهم، راكضين بمرح… ثم ترنم الجميع بأنشودة عرس الأميرة…). ولا يغفل عن الإشارة إلى البحر الذي صار في ذلك المساء المستغرق بالرقص والنبيذ والشموع (صار مخلوقا وديعا وهادئا.. ويردد مع الجميع المترنمة أنشودة عرس الأميرة الفاتنة برنيس). [2]

– وللأساطير في زمن النضج الثقافي الإغريقي مكانتها وتشغل حيزا كبيرا من الأعمال الشعرية متضمنة للملاحم الكلاسيكية والمسرحيات والشعر الغنائي مستخدمة كرموز عامة للحياة السياسية والتاريخية والدينية ينطلق معها الخيال متجاوزا المألوف من المعتاد المقيد بالقواعد التي تفرضها الحياة العامة.. ولآن الكاتب قد اتخذ من النشأة القديمة للمدينة مجالا للعديد من قصصه.. نجده يتوجه إلى الأسطورة الوارد استخدامها في ذلك الزمن كصيغة من صيغ التعبير في قصتين من هذه المجموعة… يمكن استخلاص تتبع تمثلها واقعا يغلف الإشارة إليه رمزا غير مباشر يفرض تجنب توضيحه.. وهذه مدينة برنيس التي (ساد فيه تفسير الأحلام وتأويلها.. وانتشر مفسرو الأحلام في المجالس.. وأفرط الناس في الحديث عن أحلامهم (إنها أمنياتهم التي أصبحوا يتحدثون عنها باحترام كبير. وتلك هي تطلعاتهم… ثم وقع الحدث… تغيرت أحلام أهل برنيس وصاروا يرون في مناماتهم أحلاما مفزعة.. ولم يعد أحد منهم يرى حلما أو رؤيا جميلة أو مفرحة)… وسادهم الإضطراب وتحيروا في أمرهم. وكان أن فوضوا أمرهم إل الحكيم كلوديوس، الأكثر شهرة في تفسير الأحلام.. لعله يجد لهم حلا… وكان سؤالهم عما يمكن فعله للتخلص من تلك الأحلام المزعجة التي باتت تنغص حياتهم.. وللقصة بقية بعدها المستغرق في الحدث الأسطوري يدعو للتأمل.

– وحكاية أخرى.أ كان للآلهة الدور الرئيسي في صناعة أحداثها بتسميات إغريقية ورومانية مختلطة جاء ذكر اولئك الآلهة… رواية أسطورية عن أماروس ذلك الفتى الوسيم الذي أعجبت به إلهة الصيد (ديانا) وتعلقت به.. وعملت على حصوله على قطع الذهب التي تتساقط عليه من دموع الشمس بطلب من ألإله (أبوللو)… (حتى صار من أغنى أثرياء مدينة برنيس)… وتخبر الحكاية متوجهة إلى الرمز عما آل إليه مصير أماروس وما تعرض له من العقاب بفعل الغيرة التي لحقت بمجموع الآلهة فتآمرت عليه وأرسلت إليه (كلابا).. تنهش لحمة حتى قضت عليه.. وآلت ثروته إلى خزائن الآلهة وتقول خاتمة الحكاية (إن أثرياء مدينة برنيق خبأوا كنوزهم في خزائن تحت الأرض لئلا تبصرها عيون الآلهة فتطالهم لعنتها).

– ويتراجع الإهتمام ببرنيق إحدى مدن إحدى البنابولس (المدن الخمس).. بتدني أهمية الإقليم القورينائي وتعرضه عبر مراحل من مسارات الزمن إلى النكبات الطبيعية والسياسية.. ويختفي ذكره أو يكاد إلا من بعض الإشارات المرافقة لحملات في اتجاه الغرب عابرة… أو مستقرة وتهجر برنيق ويحل بها الخراب وتتحول إلى أنقاض ويغفل عن ذكرها التاريخ… لكن البحرالذي يطوق المكان.. ذلك لمخلوق الوديع القاسي المليء بالأصداف والحيتان.. حكاياته لا تشيخ… وعنده المزيد مما سيخبرنا به عبر مراحل الزمان.

يتبع…

بنغازي، الجمعة 5 مايو 2017

_______________________________

حاشية (1)

(وبعد أن قدمت برنيقي خصلة شعرها إلى معبد أرسينوي أفروديتي وفاء لنذرها بعودة زوحها سالما إختفت الخصلة بطريقة غامضة وقد أعلن كونون فلكي القصر بأنه تعرف عليها بين مجموعة النجوم التي يكونها كواكب الدب الأكبر والعذراء والأسد التي عرفت فيما بعد عند الفلكيين باسم خصلة برنيقي).(كاليماخوس القوريني – د. عبد الله محسن المسلمي. ص 288.

حاشية (2)

وبزواج برنيقي من يورجيتس عادت تبعية الإقليم القوريني (المدن الخمس).. إلى الإسكندرية (255 ق.م.) ونتيجة لهذا الزواج والغاء إستقلال قورينة عمد البطلميون على تأكيد إلحاق الإقليم بمملكتهم.. فعمدوا على استبدال أسماء بعض مدنه فأطلق إسم برنيكي على يوسبيريدس.. وأرسينوي على توكيرة، وبتلومايس يورجيتس على طلميثة. (التاريخ الليبي القديم عبد اللطيف البرغوثي ص 281 وما بعدها).

نشر بموقع ليبيا المستقبل

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن سالم قنيبر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى