حنان الهوني: الحركة الشعرية الليبية لوحة فنية

إيلاف – (حوار: محمد الحمامصي)

الكاتبة حنان الهوني

تجمع الكاتبة الليبية حنان الهوني بين كونها شاعرة وقاصة وباحثة أكاديمية وإعلامية أيضا، تتمتع كتاباتها بجماليات خاصة على مستوى اللغة والرؤية، فهي تسعى شعرا وقصة إلى تشكيل صوتها الخاص عبر معالجة مختلفة لهموم وقضايا تشكل الوجدان الإنساني، حصلت على درجة الماجستير في القصيدة الليبية المعاصرة وتدرس في جامعة التحدي ـ سرت ـ كلية الآداب، وفي هذا الحوار نتعرف معها على المشهد الثقافي والإبداعي الليبي الآن.

** تكتبين القصة والشعر، قصتك قصة قصيرة جدا، وقصيدتك تحمل رؤية القصة في ظل حضور طاغ للإيقاع، ما هو مفهومك للقصة والقصيدة وأثر ذلك على رؤيتك؟
** اسمح لي في البداية – محمد – أن أشكرك على تقديمي للقراء الأعزاء على امتداد الرقعة المكانية العربية، و تعريف المبدع العربي بالإبداع الليبي الذي يغيب في كثيرٍ من الأحيان على المشهد الثقافي العربي، أما عن تجربتي المتواضعة في مجال كتابة الشعر والقصة، فقد كانت وليدة كتابات تجريبية طفولية بدأتها بالشعر، ولم أكن أمتلك الأدوات الشعرية اللزمة لنضوج هذه الكتابات،فبقيت حبيسة الدفاتر الخاصة، ثم جاءت المرحلة الجامعية التي قربتني إلى الشعر أكثر،وازداد ولعي به، بعد أن كان يدرسني في السنوات المتأخرة شاعر كبير هو د.مقداد رحيم، وقد أطلعته على بعضها، فاثنى على همتي في الكتابة، وووجهني لقراءة ولكتابة المزيد، فيما بعد بدأت بكتابة الشعر الحر، وقد تأثرت بقراءتي لشعراء من مثل نازك الملائكة ونزار قباني وفدوى طوقان وعلي صدقي عبد القادر وسعاد الصباح في تلك الفترة، وما شجعني على النضر هو تجميع قصائدي في ديوانٍ صغير في 2000 م، فقد اطلعت على مسابقة سعاد الصباح في مجلة العربي الكويتية، وقررت الاشتراك بها، ولكني جمعتُ فيه الغث والسمين، وكانت النتيجة سلبية، زدتُ على مجموع القصائد وانتقيت أفضلها حتى جاءتني فرصة النشر، واختيرت من مجموعة كبيرة من الدواوين المقدمة للجنة العامة للثقافة بليبيا، وقد حمل الديوان عنوان (لسان الليل)، إذا كان ولعي بالشعر يسبق القصة، وبالتالي فإن نتاجي القصصي اكتسب روحاً شعرية مثل نفسه القصير الذي تتميز به الدفقات الشعورية الشعرية، وتضمنه لبعض الوقفات الإيقاعية داخل النسيج السردي، والاهم لغته التي تأتي على الشاعري، الذي يتكئ على الصورة والإيحاء والترميز، ولذا قد يختلط هذا النوع من القص على المتلقي فيحيله إلى قصيدة النثر القصيرة، التي اصطلح البعض على تسميتها بالأقصوصة، لوجود هذا التداخل النوعي بينهما، وأظن بأن التفريق بينهما يكمن في إضفاء شيء من الإيقاع على القصيدة، وتركيز القصة القصيرة جداً (الومضة) على الحدث.
ولذا جاءت كتابتي للقصة (الومضة) إلتقاطاً لأفعال الذات خارج الشاعري، وداخل الواقعي، هي ايقاعات متواترة لحركة الشخوص داخل إطار الحياة اليومية، تسجيلاً لعينٍ ناقدةٍ تحفرُ في لقطةٍ عابرةٍ مشهداً سينمائاً يحفلُ بالتفاصيل الدقيقة التي قد تعبرها عيون الأخرين باعتيادٍ، اذا ثمة خيطٌ دقيق يفصل الأجناس الأدبية بعضها عن بعض،وثمة خيطٌ آخر يربطهما في تواشج أدبي مثير.

** تتجلى في كتابتك الهموم العميقة للمرأة لكن لا تكاشفين بها بشكل غامض؟ هل تخافين؟ هل لا زالت كتابة المرأة في ليبيا تعاني من سطوة النظرة الذكورية؟
** دعني اختلف معك في هذا.. أي في أن كتاباتي غامضة غير كاشفة، ربما تتحلى بعض القصائد بالتورية أو المجاز، ولكن أجدني في أغلبها واضحة صريحة، وأعتقد أن في كل كتابة نسائية (أنثوية) شيء من الخجل العذري الذي يميزها نوعياً عن الكتابة الذكورية، ولا عيب في ذلك، وأنا أخاف الله أولاً وأتعايش مع تقاليد البيئة الشرقية التي تضمني، الخوف هنا ليس سيفاً على رقبتي يمنع بوحي، ولا سوطاً على ظهري يكبت حروفي، إنه الخوف المشروع الذي يدفعك نحو الحفاظ على معنى الإنسانية أولاً، والاحتفاظ بعذوبة كونك شرقيا تحب الخجل والعفاف والاحتشام.
الكتابة (النسائية) في ليبيا – إن صح الاصطلاح – تغذيها روح التآزر والتعاون، ولم أقف شخصياً على أي نوع من أنواع التفرقة أو التسلط، أو حتى التعالي، بل على العكس تماماً هناك دائماً تكاتف أدبي بينهما، للرقي بالمشهد الثقافي في البلاد، والمرأة الليبية على العموم أثبتت جدارتها بفاعلية في جميع مجالات الحياة، ولا شك بأن الأدب جزء من الحياة، وعنصراً فاعلاً فيها، ووجود بعض النظرات الذكورية الفوقية بين الحين والآخر شيءٌ صحي، لأن الجسد قد يشكو من الاعتلال أحياناً، وعلينا أن نقدم له الوصفات العلاجية الناجعة. ووجود هذا بليبيا لا يختلف بحال عن أي قطر عربي، فجميعنا يشكو من هذا (البعض).

** أيضا أين المبدعة الليبية من المشهد الشعري والقصصي والروائي أين هي من الحركة الثقافية؟ أين كتابتها؟ أين دورها؟
** هل تقصد أين هي من المشهد في ليبيا؟ أم أين هي من المشهد العربي؟ أبدعت المرأة الليبية كماً هائلاً من الكتابات توازي تماماً الإبداعات العربية، سواءٌ على الصعيد الشعري، أو على الصعيد القصصي، أو على الصعيد الروائي، وكذلك على الصعيد النقدي، ولكن لم تخرج معظم هذه الكتابات خارج حدود الوطن، فقد ظلت حبيسة الرقعة التي أنتجتها ولم تٌصدر إلى خارج البلاد، وأعزو ذلك إلى غياب الإعلام الليبي والعربي في التعريف بالمبدعات الليبيات، وقد سألتني في حوارٍ جانبي عن عدم مشاركة المرأة الليبية في المؤتمرات والندوات العربية، وقد أجبتك بأنها لا تعلم عنها في الغالب، وقد تعلم بشكلٍ شخصي وتشارك بشكلٍ شخصي كذلك، في ظل غياب دور الإعلام الفاعل وفي ظل غياب دور المؤسسات الفاعل، فما أراه أن هناك نخبة يتكئ عليها المسئولون في المحافل الداخلية والخارجية، ربما عن عدم علم أو…، وقد لا تمثل هذه النخبة البلاد خير تمثيل فقط لأنها عُرفت بوجوهها نيرة في الوسط الثقافي، وقد لا تمت إلى الأدب بصلة، المهم أن المشهد في ليبيا يزخر بأجيالٍ من المبدعات، فهناك المؤسسات مثل مرضية النعاس وشريفة القيادي ولطفية القبايلي وفوزية شلابي وغيرهن، وهناك جيل الما بعد التأسيس وهن كثر ولن أذكر الأسماء خوفاً من النسيان، وسأحيلك والقراء لمعجم الكاتبات الليبيات للدكتور عبد الله مليطان، وهو مليء بهن.

** ماذا عن المشهد الشعري الليبي؟
** يشهد المشهد الشعري بليبيا زخماً تتداخل فيه الاتجاهات المختلفة، هناك أكثر من مدرسة،هنالك المدرسة الكلاسيكية التقليدية ويمثلها راشد الزبير وحسن السوسي وغيرهم، وهناك مدرسة الشعر الحر ويمثلها نخبة كذلك من أمثال خالد زغبية وعلي الفزاني وعلي الرقيعي وعلي صدقي عبد القادر، وهناك مدرسة الشعر الحر ويمثلها نخبة كذلك من أمثال خالد زغبية وعلي الفزاني وعلي الرقيعي وعلي صدقي عبد القادر، أما تجربة قصيدة النثر فقد ازدهرت من الثمانينيات، ويمثلها عدد كبير جدا من الشعراء من أمثال علي صدقي عبد القادر والسنوسي حبيب وفوزية شلابي ومفتاح العماري وفرج العربي وغيرهم كثير، وفي الأونة الأخيرة لاحظت بروز تيار جديد من الكتابات الشابة على المستويين التقليدي ممثلا في عصام الفرجاني وعمر الفاخري ويوسف عفط وأمحمد الزليطني وحاتم محارب وغيرهم، وإلى جانب تيار قصيدة النثر الذي واصل الكتابة فيه مجموعة من الشعراء مثل رامز النويصري وخالد درويش وسعاد سالم وسالم العوكلي وغيرهم، وهذه المدارس ولاشك تضفي حراكاً أدبياً على الساحة الشعرية، فاختلاط هذه الألوان يؤلف لوحة فنية تدعوك لقراءتها من مختلف الزوايا، هناك منافسة بينها، ولكن لا تصل إلى حدة الصراع فكما نعلم أن لكل لون طرائقه الخاصة وحدوده الفاصلة، ولكل منهما مريدين.

** وماذا على مشهد السرد؟
** على صعيد الكتابة القصصية فالمشهد يزخر بمختلف الأنماط القصصية، من القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، والرواية، والمسرحية، وبل قد تشهد في مجال القصة والرواية الكثير من أفعال التجريب التي تحاول ابتداع أشكال جديدة من القص على مستوى الشكل وعلى مستوى المضمون في اللغة وآليات السرد

** هل تعتقدين أن هناك مشهدا ثقافيا ليبيا حيويا ومؤثرا؟
** نعم هناك فاعلية للحركة الأدبية الليبية، وإن كانت تقتصر على المحلي باتجاه الداخل، أما فاعليتها عربياً فيظل الأمر رهن الإعلام كما أشرتُ سابقاً، ويشهد هذا المشهد حراكاً في الآونة الأخير أعزوه لوجود شباب طامحين، وهمم تتطلع إلى إنتاج حركة في اتجاه الأفضل، كما أن وجود وسط أكاديمي راق يشارك في دفع مسيرة النقد إلى مواكبة الجديد، وتمثيل البلاد في المؤتمرات والندوات في الداخل والخارج خير تمثيل، بل وأصبحت بعض الجامعات الليبية تُدرس مادة (الأدب الليبي) ضمن مقرراتها، في قسم اللغة العربية، الأمر الذي ساعد على كشف النقاب كثير من تفاصيل هذا المشهد عند الليبيين أنفسهم، وساعد كذلك على تقديم العديد من الدراسات والأطروحات الجامعية والدقيقة في الأدب الليبي، وأقوم شخصياً بتدريس مادة الأدب الليبي في جامعة التحدي سرت وفق رؤية حديثة ومعاصرة لتقديم المشهد الليبي لفئةٍ من المجتمع تعي أن من واجبنا أن نقوم بدراسته وتكوين فكرة ولو جزئية عنه، أما بالنسبة للمهتمين بالاطلاع على المشهد الأدبي الليبي فإن القنوات المعرفية أضحت في متناول الجميع، وأوسعها انتشاراً شبكة المعلومات العالمية.

** حصلت على درجة الماجستير في موضوع “ظاهرة الغموض في القصيدة الليبية الحداثية” ما الذي خلصت إليه في هذه الرسالة؟
** تناولت الدراسة ظاهرة الغموض في نتاج شعراء الحداثة في ليبيا وقد حصرتها في أنموذجين هما الشاعر علي صدقي عبد القادر والشاعر مفتاح العماري، وقبل الولوج إلى عرض الظاهرة تناولت حركة الشعر الحداثي في ليبيا، ممثلاً في قصيدة النثر تقريباً من حيث التأريخ لها، وعرض مظاهرها، وشعرائها، واتضح لي بأن حركة الحداثة في ليبيا لم تكن تنفصل عن روادها في المشرق العربي من أدونيس و يوسف الخال مروراً بأجيالٍ من الشعراء الشباب في مصر والعراق وسوريا والمغرب العربي، واشتملت الدراسة كذلك عرض تفصيلي لنشأة الحداثة غربياً وعربياً، ثم تجلياتها في الشعر الليبي على وجه الخصوص، الدراسة كانت فريدة في مجالها لأنها أتت على كل ما هو حديث لم يتطرق إليه النقاد من قبل، مثل استخدام المنهج السميائي والبنيوي والأسلوبي في ذات الوقت على ذات النصوص، وتحليل بعضها نفسياً وتاريخياً وفنياً كلما اقتضت الحاجة لذلك، وقد أجيزت الرسالة بدون تعديل، سأقدمها للنشر في أقرب فرصة لتكون في متناول النقاد والطلاب، علها تساعدهم في شيء ما.

** لك حضور فاعل في شبكة المعلومات الدولية، فهل تشاركين فعلياً في المحافل الأدبية المختلفة؟
** نعم ، شاركت في العديد من المهرجانات الشعرية داخل ليبيا، وأشارك كذلك في الأمسيات والأصبوحات الشعرية والقصصية في مختلف المدن الليبية، كما شاركت في العديد من المؤتمرات والندوات الأدبية بورقات بحثية، ونُشرت في مجلات محكمة، كان آخرها مشاركتي في ندوة النص الأدبي عند معمر القذافي ضمن فعاليات المؤتمر الرابع والعشرين للأدباء العرب، وكانت الورقة بعنوان (إبداع القصة وقصة الإبداع عند القاص معمر القذافي)، ومؤتمر تداخل الأنواع في الأدب بمدينة مصراتة، وكانت الورقة بعنوان (تداخل الأنواع في الأدب القصة القصيرة جداً وقصيدة الومضة نموذجاً).

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى