رحيل المربي الفاضل الشيخ أحمد عزالدين بن عثمان

د.سعدون السويح

كان يوم الثلاثاء 2 مايو 2017 موعدا لرحيل المربي الفاضل الشيخ أحمد عزالدين بن عثمان عن دنيانا، عن عمرتجاوزالتسعين، فهو من مواليد عرادة بسوق الجمعة عام 1923، وبذلك يكون الراحل من أكبر مجايليه، الذين لم يبق منهم سوى نفر قليل.

الشيخ أحمد عزالدين بن عثمان

تربطني بالراحل الكريم أكثر من وشيجة، فهو والد زوجتي، وهو شيخي وصديقي الذي عرفته لأكثر من خمسين عاما، كما عرفت والده الشيخ محمد كامل الهمالي بن عثمان، المتوفى سنة 1965، وكان أديبا فاضلا ومربيا كريما، يعود اليه الفضل في حفظ اللغة العربية إبان العهد الأيطالي، وقد قبل أن يكون مديرا للمعارف بعد أن استتب الأمر لأيطاليا، وكان انجازه الأهم إنشاء المدارس العربية الايطالية المشتركة، وقد وضع كتابا رائدا في تدريس مبادئ اللغة العربية، موضحا بالصورة واللون، اختار له عنوان جميلا، وهو “الى الحياة” لاتزال نسخة منه في مكتبة ابنه.

وقد نشأ الراحل الشيخ عزالدين في كنف هذا الأب العالم، والذي تعهده بالتربية والرعاية، فنال حظا وافرا من الثقافة باللغتين العربية والايطالية، وتخرج من المدرسة الإسلامية العليا ليمارس التدريس منذ أواخر الأربعينيات، وحتى أوائل الثمانينيات، متقلدا خلال ذلك، مناصب إدارية مهمة في اطار التعليم، وقد عمل سنوات طويلة مديرا لمدرسة جامع التركي في سوق الجمعة، وعرفه الجميع بابتسامته الودودة، وأسلوبه المتميز في توجيه النشء، وحث المعلمين والمعلمات على تطوير أساليبهم التربوية، والأخد بمبادئ طرق التدريس الحذيثة وعلم النفس التربوي.

في أوائل الستينيات من القرن الماضي، كنت أختلف إلى بيت الشيخ محمد كامل الهمالي بن عثمان في شارع ميزران، وكنت آنذاك غض الأهاب تلميذا في المرحلة الاعدادية، وقد أدرك والدي، المربي الفاضل الأستاذ اسماعيل السويح رحمه الله الذي كانت تربطه عرى المودة والصداقة بأستاذه الشيخ محمد كامل الهمالي، أن في نفسي شغفاً بالأدب والشعر، فرجا الشيخ أن يتعهدني، وقد تلطف وخصص لي يوم الاربعاء من كل أسبوع موعداٌ للدرس.

في ذلك البيت الطرابلسي الجميل، كنت أصعد السلالم إلى الطابق الثاني، أو “العلي” كما كنا نسميه، متلهفا لسماع درس الشيخ الهمالي، وهنالك كنت أجد أحيانا شابا نحيلا في أواخر ثلاثينياته، يرتدي “كلباكا” أسود اللون، وقد كان شديد الحياء في حضرة والده، تفتر شفتاه عن إبتسامة خجولة، ولايطيل المكث. وأذكر أن والده الشيخ الهمالي كان يملي علي ذات مرة بيتا من قصيدة مطلعها: (أفديه إن حفظ الهوى أوضيعا *** ملك الفؤاد فماعسى ان أصنعا)… والتفت، فاذا بذلك الشاب الحيي، قد غادر الغرفة تأدبا مع أبيه، ليتركني و الشيخ و القصيدة. كان ذلك الشاب هو الأستاذ أحمد عزالدين بن عثمان، ابن الشيخ محمد كامل الهمالي، والذي تشرفت بمصاهرته بعد ذلك ببضع سنين، وصرت زوجا لابنته الكبرى منذ أواخر 1970.

ينتمي الراحل العزيز الى جيل لم يكن يستنكف أن يطلب العلم حتى بعد أن تتقدم به السن، ولقد دهشت كثيرا بعد عودتي الى طرابلس عام 1981، أحمل شهادة الدكتوراة من الولايات المتحدة، بأن وجدت الشيخ عزالدين الذي كان قد تجاوز الستين، يجلس الى مقعد الدراسة، مع مجموعة من زملائه، أذكر منهم الأستاذ الأديب الراحل علي التونالي.. وكان قسم اللغة العريبية بكلية التربية، الذي كان يرأسه حينئذ الأستاذ الفاضل والصديق العزيز عبدالله الهوني رحمه الله، قد فتح ابوابه للدرسات العليا أمام المعلمين القدامى، فما كان من الأستاذين عزالدين الهمالي وعلي التونالي إلا أن سجلا نفسيهما، بتشجيع من الأستاذ عبدالله الهوني، للتحضير لدرجة الماجستير في اللغة العربية.

اختار الشيخ عزالدين رحمه الله موضوعا لأطروحته التي تحصل بها على درجة الماجستير في اللغة العربية، منهج ابن عقيل في شرح الألفية (الفية ابن مالك)، وأشرف عليه في تلك الدراسة علم من أعلام النحو في مصر، وهو الدكتور عبد الجواد الطيب رحمه الله. وكان الشيخ كثيرا مايسألني عن دقائق نحوية نبحثها معا، بحكم تخصصي في مجال اللسانيات الحذيثة، فضلا عن البحث في المسائل المنهجية، وكان يعتبرني في تواضع جم، مشرفه الثاني. ولست انسى شفافيته وصدقه عندما كان يبث لي بشكواه، وخاصة إذا وجد في الدرس النحوي عنتا، او اختلف في وجهات النظر مع أستاذه المشرف د.عبدالجواد الذي كان على علمه وفضله، حاد الطباع متقلب المزاج، بالرغم من ماتنطوي عليه نفسه من طيبة و مودة وقد رأيته يجهش بالبكاء فرحا بنجاح الشيخ عزالدين بتفوق علي يديه، ونيله لدرجة الماجستير.

رحيل صهري وصديقي وشيخي أحمد عزالدين بن عثمان هو نهاية لمرحلة بأكملها من تاريخ ليبيا.. لقد كان هذا الشخص إنسانا يختزل في داخله أجيالا من الحب والطيبة والعفة والتواضع والمثل العليا.. إبنسامته الودودة.. أسلوبه المعبر بحركات يديه وملامح وجهه.. العباءة البيضاء المطوية بعناية على كتفه الأيسر أيام الصيف.. البدلة الانيقة والكلباك الأسود، طريقته في تحضير الشاي وصبه في الكؤوس، أسلوبه الخاص في النقاش والتوضيح.. نطقه المتميز للغة الإيطالية واتقانه لها.. ترنمه بأبيات من البردة، ومن ألفية ابن مالك: (والخبر الجزء المتم الفائدة *** كالله بر والأيادي شاهدة). جميع هذه الأشياء ستبقى عالقة في ذاكرتي ماحييت.. وماأجمل الأشياء وأقساها حين يغيب أصحابها… حقا لاتبقى الأشياء هي الأشياء ولا الأماكن هي الأماكن بعد رحيل من نحب، وإن ضلت أطيافهم تسكنها وتسكننا.

شيخي وصديقي الحبيب… لا أتصور بومشماشة و”شارع ميزران”، بل وطرابلس بأسرها، بدونك، ولن تبقى طرابلس كما هي بعد رحيل دفء جيلك عنها. ولقد لخص الشاعر القديم هذه المعاني جميعها في بيت واحد: (وماكان قيس هلكه هلك واحد *** ولكنه بنيان قوم تصدعا)… نعم شيخي الراحل، قد تصدع بنيان كامل من القيم والمعاني الجميلة بذهابك، ولكننا إزاء فاجعة الفقد لانقول إلا ماأمرنا الله به: إنا لله وإنا إليه راجعون.

________________

نشر بموقع ليبي المستقبل

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى