الفيتوري.. أزمة العبودية عنده وعلاقته بالحكام

الشاعر محمد مفتاح الفيتوري، عاش حياة طويلة مثيرة فيها التجارب المختلفة، والإنجازات العظيمة وفيها ما فيها من الإحباطات المتتالية، فيها أيام فرح وبدخ وسعادة وسرور، وفيها أيام سوداء كادت أن تعصف بحياته مبكراً، وتحرم العربية من إبداعات شاعر هو بكل المقاييس في قائمة الشعراء الكبار.

الشاعر محمد الفيتوري
عن الشبكة

لا يمكن لمهتم بالشاعر محمد الفيتوري أن يقرر بشكل صحيح اليوم ولا الشهر ولا حتى العام الذي ولد فيه، وهذا ما أورده المؤرخ والناقد الفلسطيني الدكتور احسان عباس في كتابه اتجاهات الشعر العربي المعاصر من أن الشاعر محمد الفيتوري «يجهل تاريخ ميلاده، ولكن الباحثين أجمعوا على أن العام 1930، هو تاريخ ميلاده الفعلي».

عاش الفيتوري طفولة، مختلفة لا يحب اللعب ولا الضوضاء، طفولة بائسة محشورة في قرية الجنينة النائية في غرب السودان، أكثر أوقات طفولته ومراحل متقدمة من سن الرشد، كانت جدته زهرة هي العالم الذي يركن اليه، تحكي له ما تريده أن يعرف، ويختزن هو كل ما تقوله، والجدة زهرة بحسب الروايات هي مختلفة عن كل الجدات، كانت تحتضن الفيتوري الصغير وتبوح له بل وتنوح بشكواها والأمها في اذنه الصغيرة، كيف هجرهم الطليان من ليبيا؟ وكيف كان الناس ينظرون اليها بدونية واستصغار وهي الزنجية الدميمة في عيونهم؟

هذا كله كان كافياً لطفل يعيش في جلباب جدته أن يورث منها وفي وقت مبكر عقدة العبودية لتلازمه وتكون محور اهتمامه طيلة حياته كلها، وربما لتكون أيضاً سبب تميزه في معظم نتاجه الإبداعي. والطفل يكبر ولايعي في العالم المحيط به كله تقريبا ألا انين جدته زهره التي أحبها جداً، ويجزم أنها جميلة كل الجميلات، ولم ينسها حتى أنه أهداها أهم قصائده القيمة وكتب عنها في ديوانه يأتي العاشقون إليك:

«إلى الزهرة الإفريقية.

جدتي المسكينة..

القائمة في ذاتي..

رغم شواهد النسيان».

الجدة زهرة وما تعانيه من عقد بسبب دمامتها ولونها الأسود، أورتته بشكل طبيعي ومباشر الذي كبر وفي راسه عقدة أنه زنجي أسود مختلف عن البيض، ويرى نجيب صالح في كتابه محمد الفيتوري والمرايا الدائرية أنه أقاصيص جدة «كان لها أثرها البعيد في نفسه، كان يبحث عن الحقيقة في اليقظة المبكرة، كل ذلك تضافر وساعد على استيقاظه الدائم للكلمة والنظرة، لقد كان في هذه المرحلة مُتذمراً تحت وطأة شعوره بأنه مشدود إلى قيد ما هو قيد لا يدرك مداه، ويرفض محتواه، وكان يحس أن بركاناً بدأ مرحلة الانفجار الأولى».

من جانب أخر جد الشاعر محمد الفيتوري كان تاجر عاج ورقيق، وأم والدته أصلها جارية، وبذلك صارت العبودية بمساويها وعيوبها وميزاتها وتميزها واختلافها كله محور كل أشعار الشاعر محمد الفيتوري تقريبا، وسبب في هذا الكم الجميل الهائل من الشعر المميز المختلف الذي اختص به وحده دون غيره، فكان اللون الأسود بملحقاته ورموزه، محور اهتمامه طيلة حياته كلها و تحوا لمنبع دائم لأبداع الفيتوري لم ينضب ولم ينقطع الا بعد مرضه ثم موته رحمه الله.

حفظ شاعرنا القران الكريم كاملاً، تدرج في دراسته وحقق نجاحات في بداية مراحل تعليمه من المعهد الديني الأزهري، ثم المعهد الثانوي في القاهرة، لكنه ورغم التحاقه بجامعة القاهرة في قسم الآداب الإنسانية، فشل في استكمال دراسته فيها لكسله الشديد وعدم رغبته في الحضور للمحاضرات في أوقات محدده، متصورا أنه كان أفضل من كل أقرانه ويفوقهم علما، فغادر الجامعة برغبته، وولج عالم الصحافة وبرز كنجم مدلل في أحضان صاحبة الجلالة وبسرعة تناقل ابيات شعره الملايين وصار نجما في سماء الوطن العربي الكبير وافريقيا كلها.

عاش متنقلا جوالاً من بلاداً لبلاد أخرى، ولد في جنوب الوطن العربي الكبير، ومرض ومات في أقصاه بالمغرب، صادق أغلب الرؤساء العرب تقريبا، وتخاصم مع بعضهم الاخر، لا صديق دائم لديه من الحكام، أحبه الرئيس المصري محمد أنور السادات وقربه اليه،وشجعه في بداية ظهوره،وأرسله على راس وفد عال المستوى ليشارك بلاده في عيد استقلالها عام 1956م،وأمر ان تدرس كثيرا من قصائده في المدارس والجامعات المصرية، لكن الشاعر محمد الفيتوري خذل السادات، إرضاء لمعمر القذافي وزاد تقرباً من الأخير ليهجو السادات في قصيدة أزعجته كثيراً ورددها متابعيه في قصيدة شهيرة مطلعها «الراقدون على بطونهم والدجى من فوقهم حجر».

قبل قصته مع السادات كان للفيتوري مكانة مميزة مع جعفر النميري الذي طرده من السودان، أو فر منها الى ليبيا، ونكاية في النميري، وحباً في الفيتوري منح معمر القذافي شاعرنا جنسية ليبية وجواز سفر دبلوماسي، وصار من أقرب المقربين له، قلده القذافي وسام الفاتح وعينه مستشاراً ثقافياً للسفارة الليبية في إيطاليا، ثم مستشاراً وسفيرا في السفارة الليبية في لبنان، ومستشاراً للشؤون السياسية والإعلامية في سفارة ليبيا في المغرب، ولذلك لم يتردد الفيتوري في أن يصدح وبصوت عال ممتدحا من أحسن اليه وأكرمه فقال فيه أنه «مثل بعض النبيين».

الرئيس العراقي صدام حسين كان من أشد المعجبين بالشاعر محمد الفيتوري فقربه إليه وكتب الفيتوري عن صدام قصيدة، فمنحه الأخير جائزة قدرها مئة ألف دولار، وكان من أنصار الرئيس المصري محمد نجيب، لذلك فمحمد الفيتوري لم يكن على وفاقاً مع جمال عبد الناصر بل هجاه في قصيدة قال فيها:

«مات

وملء روحه المسودة المحترقة

رمز يغطيه دم المشانق المعلقة

وصرخات الثائرين في السجون المطبقة».

لكن الفيتوري كان صديقاً حميماً لرئيس الجزائر السابق أحمد بن بلة، فكتب عنه يقول:

«يا بن بيلا

ما أجمل أن يصحو الإنسان

فإذا التاريخ بلا قضبان

وإذا الثورة في كل مكان».

قربه من الرؤساء وتقلبه بينهم أورثه زهواً منقطع النظير، كان سلاحه شعره ولونه الأسود وأفريقيا والوطن العربي الكبير، وما كان يحتمل أطلاقاً أن ينقد أحد شعره،كما كان يتصور أنه فوق النقد وناكف رفاقه في مركب الشعر فصرح يوماً أن أحمد عبد المعطي حجازي ليس شاعراً وإنه مجرد ناقد، وأن البياتي أيضاً ليس بشاعر، وحتى محمود درويش عنده ليس شاعراً، ولكن القضية جعلت منه شاعراً، ونزار قباني في نظره شاعر، لكنه كان في خدمة آخرين. عاش الفيتوري ومات وهو يعتقد دائماً في الخلود وإنه إن كان الشعراء لا يموتون فهو أكثرهم بعداً عن الموت، فكتب مرة يقول:

«مثلي أنا ليس يسكن قبراً

لا تحفروا لي قبراً

سأرقد في كل شبر من الأرض».

ورغم أن شاعرنا مات ورحل بجسده عنا في مساء يوم الجمعة 24 أبريل 2015 بالعاصمة المغربية الرباط لكن شعره خالد وباق.

__________________________

هوامش
إحسان عباس: اتجاهات الشعر العربي المعاصر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت، 1998
محمد مفتاح الفيتوري: يأتي العاشقون إليك، دار الشروق، القاهرة، ط1 1992 م.
محمود أمين العالم: «هذا الديوان» مقدمة ديوان أغاني إفريقيا المجلد الأول، دار العودة بيروت، الطبعة الثالثة، 1979
محمد الفيتوري: ديوان الفيتوري، المجلد الأول، دار العودة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1979 ص16.
نجيب صالح. محمد الفيتوري والمرايا الدائرية. الدار العربية للموسوعات بيروت. الطبعة الأولى 1998.
محمد الفيتوري: ديوان «أغاني إفريقيا»، مكتبة الحياة، بيروت، 1967 م
محمد الفيتوري: ديوان «عاشق من إفريقيا»، دار الشروق، ط 1 1992 م
محمد الفيتوري: ديوان أقوال شاهد إثبات، منشورات الفيتوري الثقافية، 1988 م، ط 4 ص26.

___________________________

نشر بموقع المستقل

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن سالم أبوظهير

سالم ميلود أبوظهير، ولد في غريان 20-10-1966.
كاتب وأستاذ جامعي متحصل على ليسانس في الدراسات النفسية، وليسانس في اللغة الفرنسية ، وماجستير في الإدارة التعليمية من جامعة طرابلس ، وعلى درجة الدكتوراه من قسم الدراسات الاستراتيجية بجامعة هدرزقيلد البريطانية
في منتصف التسعينات بدأ الكتابة في صحيفة الشمس، إلى جانب نشر نتاجه الصحفي والادبي في مجلة البيت ومجلة لا ، ومؤخرا مجلة ميادين الأسبوعية. كما نشر نتاجه في بعض المجلات العربية والمواقع الالكترونية والمدونات التي تهتم بالأدب والثقافة ….

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى