قساوة القيد صلابة الروح.. سيرةُ سجناءٍ لعبدالعظيم قباصة

كتاب قساوة القيد صلابة الروح
الكاتب: عبالعظيم قباصة

كتاب «قساوة القيد صلابة الروح»، الصادر عن دار الفرجاني عام 2012م، هو كما أشار مؤلفه عبد العظيم قباصة في مقدمته أنه سيرة سجناء سياسيين ليبيين، وتجربة أستمرت عقد كامل من عمره وعمر رفاقة في السجون الليبية. لكن المؤلف وعلى غير عادة من يكتب سيرته في السجن أو خارجها، لم يتحدث كثيراُ عن نفسه، ففي معظم فصول الكتاب وسطوره، كان أما متحدثا عن شخص اخر قريب منه في سجنه بضمير الغائب منفصلاً او متصل على نحو (لا نه كان فعلا رمزا ً حقيقيا… أعطوه القليل فرجاهم…) أو متحدثاً بصيغة الجمع فحضرت (نا) الدالة على الفاعلين على نحو (اقترح علينا.. في غير صالحنا.. هكذا حاولنا.. أخوتنا وأصدقاؤنا.. دخلنا من تلقاء أنفسنا.. لدينا جميعا…)

سجل عبد العظيم قباصة بدقة محسوبة، وبلغة سهلة صارمة وجميلة، تجربة سجنه الطويلة الثالثة، مكتفياً بالإشارة في سطور قليلة عن التجربتين السابقتين، ليتحول هذا الكتاب إلى ما يشبه وثيقة تاريخية هامة، حرص المؤلف أن يحدد للقاري بدايتها ونهايتها بدقةـ ليبين من بداية صفحات الكتاب ان الحدود الزمنية لهذه التجربة بدأت في الخامس عشر من شهر مارس عام 1978م وأنتهت في الثالث من شهر مارس عام 1987م .

وأعتقد أن قباصة نجح في أن يستثمر ذاكرته القوية، ويستغل الظروف التي مر بها ورفاقه في السجن، فيستدعيها على مهل ليحولها من سجل تاريخي طويل كل يوم فيه حكاية مختلفة، تحولت لقصص واقعية مكتوبة بلغة سهلة إعتمد عليها كثيراً في تحويل هذه الوثيقة التاريخية الشاهدة على فترة من عمر سجين ورفاقه السجناء، إلى عمل ابداعي راقي يجد المتلقي متعة في متابعته بلا ملل، والتفاعل مع فصوله المتتالية بفضول لا يتوقف.

رغم ان المؤلف كان يحشر بعض الجمل ويكررها، على نحو (سوف آتي الآن على أهم مراحل الفترة المتبقية من فترة توقيفي….) (سوف أتحدث الآن بتلخيص عن سير جلسات المحكمة…) (قبل أن أبدا الحديث عن يوم انتقالي إلى السجن المركزي …) (…لنعد قليلا لوصف تصميم وشكل هندسة القسم الرابع) (وأنا هنا أحب أن أؤكد…) وكأنه يخشى من ان يتوقف القاري عن متابعة ما يكتب، واحسب أن هذه الجمل تشوش على ذهن القاري ،وتؤدي (ربما) لتعثر تسلسل أفكاره ومواصلة القراءة .

المكان
يبرع عبد العظيم قباصة بشكل كبير في قدرته على وصف الاماكن التي تدور فيها أحداث حكاياته وصفاً دقيقاً ، مستخدماً لغة سهلة ، تمكن من خلالها أن يجعلني أعيش كقاري مكانه الذي يصفه ، أحب بشده بعض الأماكن التي وصفها بحب وحنين، وأكره ما كان يكره .

( كان الرجل المخمور قد استرخى قليلا على أحد المنادير، وفجأة بدأ يتقيأ ما في معدته، وبدأت تفوح أكثر فأكثر رائحة الكحول، لم نقترب منه، وحين انتهى من ذلك، وبدأ يغفو ممداً رجليه على ذلك القيء…. ) وأنا أقرأ أحسب أن براعة هذا الوصف ،يكاد يجعلك تشيح بنظرك أو تتحسس أنفك وتشعر بما كان يشعر السجين ورفيقه داخل الزنزانة الضيقة .

يمضي المؤلف في وصف الأماكن بدقة متناهية، وبطريقة سهلة وغير مفتعلة، فيرسم القاري صوراً مختلفة فيتخيل السجون بزنازينها واقسامها وممراتها، وقاعات المحاكم وما فيها ، ومكاتب التحقيق ويتألف مع كل الأمكنة بشكل يقترب من شعوره أنه قد ألفها وعرفها وتعايش معها .

بعض الشخصيات
خصص المؤلف مساحات مهمة لبعض الشخصيات دون غيرها وأسهب في وصفها والتحدث عنها ونقلها للقاري بحسب علاقتها بالمؤلف وتا ثيرها فيه سلبا وايجابا، ورغم أن كتاب صلابة القيد قساوة الروح، ربما يصنف من كتب السيرة الذاتية، لكن مؤلفه يمنح فرصا كبيرة ومتنوعة ليتحدث عن أخرين أكثر مما تحدث عن نفسه وسيرته وتجربته وهنا بعض منهم .

درغوت ميزران
درغوت ميزران شخصية من شخصيات صلابة القيد قساوة الروح، أحببتها جدا، ربما أكثر من حب عبد العظيم لها، ولم أتمكن من فهم كيف تمكن درغوت من فرض سطوته واحترامه على سجن الجديدة كله بما فيه من سجانين ومساجين، وغاب عن المؤلف ان يشير ولو بقليل من الضوء على الشخصية التي تنافس درغوت على زعامة السجن ، فلم يذكر أسمه وحالاته ولم يحدد للقاري نوع شخصية المنافس الوحيد لدرغوت وهل وضعه في السجن مقارب لوضع درغوت بخروجه المتواصل من السجن وعودته القريبة اليه في فترات متقطعة، وهذا يعزز من شخصية درغوت التي احترمتها كثيرا بما فيها من نبل تجلى في أسمى معانيه حين عفا عن ابن السنوسي الذي لم نعرف ماذا فعل لدرغوت ، حتى التجأ لعبد العظيم ونجا من سطوة درغوت .

عبد العزيز الغرابلي
حظيت هذه الشخصية المميزة بإهتمام خاص من المؤلف ،فأهداه الكتاب وتحدث بمودة وحب عنه وعن علاقته المميزة معه منذ طفولته وخلال سجنه فيقول عن صديقه المرحوم المعجب بشخصيته أشد الاعجاب : (لقد أحببته كثيرا كإنسان ولما له من خصال أحبها الجميع فيه، كان طيبا شفافا متواضعاً وبسيطاً خدوما ً ومحبا للجميع ،أحببته كمناضل وطني، لقد كان مثقفا ومفكرا ً كبيرا ً بدون ادعاء، وتقدميا ً صلبا ّ. حديثه محبب ومقنع ً، كان فناناً كبيرا، رساماً ونحاتا ً وخطاطا )

تم يمضي المؤلف مخصصا مساحات مهمة ليتحدث عن صديقه الذي يقترب ان يكون بطلا للكتاب وحكاياته، فعبد العظيم يكتب تفاصيل التفاصيل عن صديقه الغرابلي كيف يتمشى ويمارس الرياضة وكيف يرسم وكيف هو ودوداً مع الجميع ،وأكثر ما شدني بألم ما كتبه بألم أيضا عن مرض صديقه الغرابلي ومعاناته وصبره وتكتمه عن مرضه الخطير، وتفاؤله وابتساماته وكيف غادرهم محمولاً على كرسي ثم لم يروه بل سمعوا بخبر وفاته من زوار السجن .

مفتاح الشارف
مفتاح شخصية مختلفة جداً وردت في الكتاب ، قال عنه المؤلف أنه أقدم سجين واستعرض مراحل سجنه النضالي من أيام المملكة الى أيام القذافي ويبرع المؤلف في وصف شخصية مفتاح بدقة متناهية ،مستعرضا أحوال مفتاح النفسية ، ومحاولة الكاتب أخراجه من الحزن الذي يعتصره بسبب أنتحار صديقه وفقدانه له، وكذلك محاولته المستمرة في أن يخرجه من عزلته ،تم يفاجئ قباصة القاري بأنه أضطر ان يترك مفتاح بعد أن بدأ يتعافى لينتقل لقسم أخر من أقسام السجن.

عبد الحميد المحيشى
بحسب الكتاب فأن المحيشي سجين ساسي تقابل معه المؤلف في سجن الجديدة المخصص للسجناء المتهمين بارتكاب جرائم جنائية مدنية لا علاقة لها بالسياسة ، لذلك كان في السجن لا يتحدث إلى أحد ولا أحداً يتحدث إليه ،وحرص المؤلف ان يحادثه ويعرفه بنفسه ، ونجح في ذلك لمعرفة المحيشي السابقة ببعض أقارب المؤلف الذين يعرفون المحيشي جيداُ ،وتدريجيا أصبح صديقه ويزود المؤلف بمعلومات مهمة عن نظام السجن وطبيعة السجناء

مجتمع السجن
في ثنايا صلابة القيد قساوة الروح، تتعرف كقاري بشكل كامل وواف، عن مجتمع السجن، وترسم في مخيلتك أقسامه وزنازينه، وتتعرف على نزلاء كل سجن ،وكيفية تقسيمهم وأعاده تقسيمهم الى مجموعات مختلفة، بحسب فترة محكومياتهم ،أو بحسب انتماءاتهم السياسية ، فتتعرف على سبب سجنهم وتعيش مع الكاتب أجواء مختلفة في كل سجن بل في كل قسم من أقسام السجن الواحد ،ومقارنات تتداخل فيها الهندسة حول تصميم السجون، والفروق بينهما مع الالفاظ العذبة التي ينتقيها الكاتب ببراعة، فترتسم الصورة في ذهنك كاملة، حتى تتخيل نفسك أحد المساجين، فتختلق عراكاً من أجل كسرة خبز،أو رشفة شاي، أو تحتفل بعيد ميلاد أو بعودة سجين لقسمه بعد نقله لقسم أخر .

نجح عبد العظيم قباصة، أن ينقل بشكل مختلف بعض فوائد هذا السجن، وينقل بشكل غير مبالغ فيه كيف تحول أحيانا إلى ما يشبه المؤسسة العلمية من حيت المناقشات والمناظرات وامسيات الشعر ودروس تعلم اللغة وغيره من المناشط ذات الفائدة القصوى ،ولم يغفل الكاتب ان ينقل قصة حصوله (طريحة) (بخيط الكاو) التي لم ينساها، فينقلها للمتلقي ببراعة كحدث عابر بسيط لكنه مؤثر وينقله دون ادعاء بطولات او استجداء تعاطف (طريحة) كان لا داعي لها لأنها اتهام باطل له، وهو يحاول تعديل وضع بطانيته النظيفة لتوجه له تهمة محاولة الهرب فيضحك القاري سرا ويتعاطف علنا مع كاتب يكتب بشفافية ونزاهة وصدق ووضوح لأجل وجه الكتابة ، فكسب ثقة القاري مكافأة مستحقة يحتاجها .

الافراج وقصة الكتاب
في القسم الأخير من الكتاب يروي عبد العظيم بإسهاب وفرح قصة الافراج الجماعي في اليوم الذي سمّي «أصبح الصبح» وما سبقها من ترتيبات، وما تلاها من مشاعر فرح الاهل والاصحاب ، وينقل ريبة المساجين قبل خروجهم في ان يشملهم العفو كلهم ،وكيف تغيرت معاملة السجانين في الأيام القليلة التي سبقت الافراج الجماعي .ولم يغفل عبد العظيم أن يحيط القاري علما بقصة صمود مسودة الكتاب التي نجت من التلف والضياع بصدفة جميلة قدر الله لها ان تحدث ،وتكون حكايات صلابة القيد وقساوة الروح شكل مختلف جداً عن أي حكاية أخرى حكت عن تجربة سجن طويل أو قصير.

__________________

نشر بموقع المستقل

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن سالم أبوظهير

سالم ميلود أبوظهير، ولد في غريان 20-10-1966.
كاتب وأستاذ جامعي متحصل على ليسانس في الدراسات النفسية، وليسانس في اللغة الفرنسية ، وماجستير في الإدارة التعليمية من جامعة طرابلس ، وعلى درجة الدكتوراه من قسم الدراسات الاستراتيجية بجامعة هدرزقيلد البريطانية
في منتصف التسعينات بدأ الكتابة في صحيفة الشمس، إلى جانب نشر نتاجه الصحفي والادبي في مجلة البيت ومجلة لا ، ومؤخرا مجلة ميادين الأسبوعية. كما نشر نتاجه في بعض المجلات العربية والمواقع الالكترونية والمدونات التي تهتم بالأدب والثقافة ….

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى