جبران

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

بدأ هذا الأمر الملعون منذ أسبوع، كان كل شيء طبيعيا و المناخ جميل جدا. يوم ربيعي يشتهيه كل الناس هنا، يوم من تلك الأيام التي يُطلق عليها هنا يوم للنزهة.. أي يومٌ لم يوجد للبقاء في المنزل. وبالنظر إلى التركيبة النفسية للناس هنا، فهذه الأيام التي ينطبق عليها وصف يوم للنزهة، هي الأيام القليلة التي يشعرون فيها بالرضا على الحياة. المناخ رائع ولكن الجو العام ليس بنفس هذه الروعة…

انطلقت السفينة في رحلة كان الجميع متحمسا لها، فمن بعد أن تم إسقاط النظام الذي كان مسيطرا لأربعة عقود أصبح الجو العام كئيبا وباعثا على الإحباط إلى حد يثير المرض. وأن تنطلق في رحلة وتبتعد عن المكان هنا لفترة، هي نعمة يتمناها معظم الناس. و(هنا) أقصد بها الوطن…

كانت الرحلة متوجهة إلى بلد ساحلي جميل يمتلك ثلاثة شواطئ، يحبه معظم الناس من أبناء وطني، ولا زلت حتى الآن لا أفهم سبب هذا الافتتان. يقول الناس في وطني ربما لأننا متشابهان في الصفات ونمط التعبير الحركي.. ولكن باستثناء حب السباب والقمامة التي تتكدس في الشوارع والميل إلى الكلام الكثير. فلا شيء يجمع بين أبناء وطني وأهل هذا البلد الساحلي الجميل…

السفينة كبيرة الحجم نسبيا، تحتوي علي أربع طوابق، مئة غرفة نوم معظمها صغير، ومطعم واحد كبير، وثلاثة مقاهي. مرت الساعات الأولى للرحلة سلسة وممتعة على أحسن ما يكون السفر بالبحر، البعض تجوّل بالسفينة بهدف التعرف عليها، آخرون اختاروا بقعة معينة وجلسوا ينظرون لهذا المد الأزرق، البحر. لساعات دونما أن يملوا. وآخرون اختاروا التمشي على السطح وأنا من بينهم..

قُبيل وقت العشاء بقليل كانت مجموعة من الناس تتبادل الحديث بالقرب مني عن الرحلة، عن خط سيرها والساعات التي ستستغرقها. تكلم أحدهم عن أنَّ خط الرحلة هو هذا الخط المستقيم بدون أي انعطافات، هز الآخرون رؤوسهم دلالة على الموافقة، وثم انتقلوا إلى مواضيع أخرى. ولكن أي منها لم يكن يتعلق بالوضع العام للبلد، كأنهم بلا وعي منهم و بوعيهم اختاروا أن ينسوا حال البلد، ولو لهذه الأيام فقط. وقبل أن نتوجه ناحية المطعم لتناول طعام العشاء، انعطفت السفينة ناحية الشرق…

عن نفسي لم أهتم للأمر كثيرا، ولكن من كانوا يتحدثون عن أنَّ خط الرحلة هو خط مستقيم بانت أمارات الحيرة على وجوههم.. ولكنهم اهتدوا إلى أنَّ السبب ربما تعليمات من السفن الأوربية الموجودة بالقرب بضرورة سلوك خط آخر. انعطافة بسيطة ومن ثم نعود للخط المعتاد. بعد العشاء قضيت ساعة في تبادل الحديث مع الرجل صاحب الغرفة الملاصقة لغرفتي، ومن ثم توجهت للنوم…

استيقظت على صوت طرق قوي على باب غرفتي، قوي وبطرقات متسارعة. عندما فتحت الباب وجدت الرجل صاحب الغرفة المجاورة لغرفتي فزعا ويسألني – هل سمعت صوت الرصاص… للحظات لم أستوعب ما يقول، وعندما تكلمت سألته عن الوقت الآن أجابني أنه الثانية بعد منتصف الليل، واستطرد يتكلم بنفس الاضطراب، يبدو أن شيئا سيئا يحصل…

بدأت أبواب الغرف الأخرى تفتح تباعا ويخرج منها الناس لاستطلاع الجلبة التي بدأت ترتفع شيئا فشيئا وتكتسي ملامحهم الاضطراب…

مجددا انطلق الرصاص من بندقية رشاشة وكان الصوت واضحا و قويا. تكلم أحدهم – الصوت قادم من جهة قمرة القيادة.. في إحدى الغرف القريبة بدأت امرأة تبكي وتنتحب وتقول مكررة، حتى هنا يتبعنا الرعب، ما هذه الحياة يا إلهي… مرت دقائق زاد خلالها الهلع ممزوجا بالخوف، تحركت مجموعة من الأشخاص باتجاه سطح السفينة لاستطلاع ما يحدث وأنا من بينهم…

عندما وصلنا للسطح وجدنا السفينة متوقفة في مكانها ولا تتحرك. في البدء خمنت أن عناصر الأمن على السفينة ربما يطلقون الرصاص لإخافة قارب ما، أو ربما أحدهم كان ثملا وقرر إطلاق أعرية نارية على سرب من الأسماك، أو ربما أعجبه اكتمال القمر وقرر الاحتفاء بهذا المشهد بأن يطلق بعض الأعرية النارية. في الأوضاع المضطربة التي كنا نعيشها من الطبيعي أن تصبح التخمينات مضطربة…

ولكن سبب هذه الأعرية النارية التي انطلقت، هو ما عرفناه لاحقا، والذي كان مقترنا بتلك الانعطافة التي أخذتها السفينة ناحية الشرق.. كان السبب عملية تم التدبير لها منذ مدة لا أعلم كم هي تحديدا، ولكن مدة كافية قبل موعد الرحلة كانت تكفي للتنسيق وتنظيم العملية. عملية بيع السفينة…

كما قلت سابقا عندما صعدنا إلى السطح وجدنا السفينة واقفة في مكانها ولا تتحرك، وعلى مسافة ليست ببعيدة زوارق أضواءها مسلطة على السفينة. لم تمضي دقائق حتى طلب منا شخص يحمل بندقية رشاشة في يده أن نعود إلى غرفنا وألاَّ نقلق.. توجهنا إلى حيث غرف النوم ووجدنا الوجوه والأعناق مشرئبة من خلال الأبواب تنتظر أي معلومة أو أي خبر. تبادل الركاب الذين أمام غرفهم الحديث مع من كانوا قبل قليل على السطح، و أنا دخلت إلى غرفتي ومعي الرجل صاحب الغرفة الملاصقة لغرفتي والذي علمت لاحقا أن اسمه جبران، وقد ازداد عدد النساء اللواتي يبكين وهن يرددن، حتى هنا يلحقنا الرعب، ما هذه الحياة يا إلهي…

في غرفتي ولأن النوم من الطبيعي أن يجافي أي شخص في مثل هذه الظروف جلست أنا وجبران نحتسي القهوة ونتبادل أطراف الحديث، حتى غلبني النعاس… عندما استيقظت صباحا وجدت جبران نائما على فرشة على الأرض، يبدو أنه كان محتاجا إلى أن يبقى بقرب شخص آخر، وأنا كذلك ارتحت لوجوده. بعد أن استيقظ جبران خرجنا إلى المطعم لتناول الفطور…

كان المناخ جميلا، الشمس مشرقة والنسيم لطيف، وحيث المطعم كان المكان مليئا بالنور. ولكن الوجوه كانت قلقة، تختلف درجة القلق من وجه لآخر ولكنها جميعا كانت قلقة…

أدركنا أن السفينة مازالت متوقفة في مكانها، وتلك القوارب مازالت في مكانها. بعد تناول الفطور انضم إلينا رجل خمسيني أنا وجبران.. كان جبران منشغلا بهاتفه الخلوي وينظر إليه بين حين وآخر كأنه ينتظر مكالمة مهمة. عندما سألته عن سبب انشغاله بهاتفه، أخبرني عما يقلقه…

حكى لنا عن علاقته بزوجته التي أصبحت فاترة منذ فترة، أصبح الكلام بينهما مقتضبا غالبا، هو يسأل وهي تجي إجابات مختصرة، وإن هي سألته ينتقل من موضوع لآخر بهدف إطالة الحديث علهما يتحادثان مثلما كانا يفعلان من قبل، ولكنها تتحدث بجمل قصيرة ومقتضبة، وإن هو صمت، تنشغل في شيء آخر، وإن لم يسألها عن أحوالها لا تسأله. وأنه اختار القيام بهذه الرحلة لينظر إلى أين تصل الأمور بينهما، وأنه يأمل في أن يسهم بعده عنها في تحريك مشاعرها. ولكنه منذ الأمس منذ غادر لم يتلقى منها أي مكالمة…

نظر إليه الرجل الخمسيني وقال له – يا بني.. النار التي لا تحمل مادة اشتعالها بداخلها، لن يصمد نورها ولا دفئها مهما نفخت. رد جبران مباشرة و بدون تفكير – ولكن زوجتي ليست نارا في نظري، ولا المشاعر التي تكنها لي نارا… ابتسم له الرجل الخمسيني وتكلم – هذا ما تمنيت سماعه منك يا بني.. ستعود العلاقات بينكما كما تتمنى. فلو أنك اكتفيت بالصمت لأدركتُ ضعف ثقتك فيما يربطكما وما تكنانه لبعضكما البعض… ابتسم جبران راضيا عن رأي الرجل الخمسيني، وأنا ابتسمت إعجابا بما قاله الرجل الخمسيني، فالعلاقة بين الاشخاص إن لم تكن تحمل في داخلها أسباب بقاءها ونموها، لن تستمر مهما حاول أحدهم أن يجعلها تستمر…

***

علمنا لاحقا في اليوم التالي من الأخبار الموجودة على الانترنت ومن الاتصالات التي أجراها ركاب السفينة عن سبب توقفنا في مكاننا وسبب الأعيرة النارية التي تطلق بين حين وآخر. تكلمت الأخبار عن وجود اتفاق بين مجموعة متنفذة في الحكومة المسيطرة على الجزء من البلد حيث نعيش، مع دولة ما على بيع السفينة لها، بطريقة لا تكون مباشرة، بمعنى أدق بيع في الظلام إن صح التعبير. ولأنَّ ربان السفينة كان وطنيا، فإنه أخبر القوة المناوئة للحكومة عن هذه المؤامرة، وأتفق معهم على نقطة التقاء داخل البحر بهدف السيطرة على السفينة واقتيادها إلى شواطئ الوطن لكي لا يتم بيعها.. لهذا انعطف الربان في اليوم السابق. والأعرية النارية التي أُطلقت كانت بهدف إرهاب الربان، و عندما رفض الربان الانصياع لهذا الإرهاب تم ضربه بعيار ناري، وهو الآن مصاب وفي حالة حرجة…

في هذا اليوم أصبح الوضع على السفينة مزريا، سيطرت مجموعة مسلحة على المطعم وفرضت تسعيرة للطعام تقدر بعشرة أضعاف، وجبة شخص واحد كانت بخمسة عشر دينار، أصبحت بمئة وخمسين.. زادت حدة المناوشات بين المجموعة المسلحة في السفينة وبين المجموعة المسلحة التي على الزوارق. وتوفي ربان السفينة متأثرا بجرحه…

في المساء تلقى جبران مكالمة من زوجته عندما علمت بما حدث للرحلة، ولدرجة تأثرها وبكاءها كانت الكلمات تخرج بصعوبة وتكررها مرارا، انخرط جبران معها في البكاء وهما يتبادلان عبارات الحب ووعدٍ منه أنه سيكون بخير وسيعود لها سالما… عندما أنهى جبران المكالمة كان فرحا وراضيا، ولا يهتم بكل ما يحيط بنا وما نحن عالقين فيه… أبتسم الرجل الخمسيني وقال لي أنظر إلى ما يفعله الحب يا بني. وأنا أيضا لم أملك إلا أن أبتسم. ففرحة جبران جعلتنا ننسى ما نحن فيه…

في اليوم التالي علمنا أن الحكومة قامت بإرسال ربان آخر ليرجع بالسفينة إلى ميناء المدينة، ولكن المجموعة المسلحة المناوئة للحكومة قامت بإطلاق النار باتجاه المركب الذي على متنه الربان البديل مما لم يمكنه الصعود إلى السفينة…

بنهاية الأسبوع زادت حدة التوتر على السفينة على أثر الابتزاز المتكرر من قبل المجموعة التي سيطرت على المطعم للركاب، مما اضطر بعض الركاب إلى الدخول في عراك مع هذه المجموعة، وكانت النتيجة إصابة ثلاثة أشخاص بطلقات نارية. وحسب ما علمنا من الأخبار التي كانت تصلنا رفضت السفن الأوربية التدخل بهدف المساعدة، بحجة أن الوضع خطير، وأنه شأن داخلي لم يُطلب منهم رسميا التدخل فيه…

في المساء جلسنا ننظر باتجاه البحر، جبران يحادث زوجته عبر الهاتف، آخرون يتحدثون عما دفعوه للمجموعة المسلحة للحصول على طعام العشاء. وآخر يتحدث عن وجوب الصبر في هذه الظروف، وأنَّ الله سيقتص منهم ويدخلهم الجحيم جزاء لهم… نظرت إليه إحدى النساء وقالت له – الجحيم هو ما نعيشه هنا، هو هذه السفينة التي بدون ربان.

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن محمد إبراهيم الهاشمي

محمد إبراهيم الهاشمي
مواليد مدينة طرابلس، الرابع من فيراير النُّوار 1991. خريج قسم إدارة الأعمال. يكتب القصة القصيرة و الشعر و المقالة.

2 تعليقان

  1. أرجو تعديل اسم الكاتب إلى محمد إبراهيم الهاشمي
    كل المحبة تحياتي

     
إلى الأعلى