السور

حدثني أبي عن جدي عن جد جدي، أنه قال: “خاب وخسر، وعنقه انكسر، من حاول النظر إلى ما وراء الجُدُر”
كلما حاولتُ أن أفكر صفعني أحدهم: ومن قال ذلك؟! فأتذكر.. نحن أمة النقولات.. أمة القيل والقال.. أمة تمجيد الأجداد، وتقديس الأسلاف.. أمةٌ عيونها في قفاها؛ لا تنظر إلا إلى الخلف.. أمةٌ تعيش على أوهام التاريخ، وهواجس الأولين، وبطولات الأقدمين.. أمةٌ ضربت على نفسها سوراً، باطنه الجهل، وظاهره الغباء.. ولهذا.. إياك ثم إياك أن تنظر خلف السور.. لأنك بذلك ستنتزع سلطة من قامت سلطته على حجب النور، وجاه من تأسس جاهه على جهل الآخرين، ومكانة من ارتكزت مكانته على هوان الناس!.
فالنظر خلف السور حرامٌ وهرطقة، وكفر وزندقة، وكبيرة وموبقة، وبذلك ستُغضب كلَّ أحمقٍ هبنقة!
النظر خارج السور لن يُفيدك في شيء، لأنه لا شيء خارج السور، وكل شيء هو داخل السور.. النظر خارج السور سيُفقدك هيبتك ومكانتك، وعزتك وعظمتك، وعلمك وخبرتك، وشهامتك ونخوتك، وإيمانك وتوبتك… والأدهى من كل ذلك؛ أنه سيُجردك من كل يقين!
النظر خارج السور سيجعلك تفقد رحابة السور واتساعه، وسيضيق بك، وسيدفعك للهرب منه، وعندها.. سيتنكر لك قومك، وسيغضب عليك أهلك، وسيلعنك كل بُناة الأسوار، والمستفيدون من الأسوار، والقابعون داخل الأسوار!
النظر خارج السور سيجعلك وحيداً كجملٍ أجرب، غريباً كبجعة سوداء، غير مرغوبٍ فيك كظل الشتاء!
ألا يكفيك أن كل أجدادك عاشوا داخل السور؟! ألا يسعك ما وسعهم؟! من تظن نفسك؟! هل أنت أعلم وأفقه وأذكى من كل الذين مضوا؟!
إذن.. دعك من كل هذا.. ولا تكن عاقلاً بين المجانين.. فإنك لن ترى إلا عراكهم وشجارهم! ولا تكن مستيقظاً بين النائمين.. فإنك لن تسمع إلا شخيرهم! .. وكن من غُزيَّة، إن ضلوا.. وإن رشدوا!!.

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن عبدالرحمن جماعة

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى