نجوى بنشتوان: أن ننتصر لكرامة الإنسان ونتصالح مع التاريخ

هيثم حسن

غلاف رواية زرايب العبيد

تنبش الروائية نجوى بن شتوان في روايتها «زرايب العبيد» في تاريخ الرقّ في ليبيا، في مسعى لرفع الحيف الملحق بالعبيد، مستعينة بالذاكرة لردّ الاعتبار لتاريخ الرعب والأسى والقهر الذي قاسوه في بلدهم، وظلّوا أسرى عادات وتقاليد شكّلت قيوداً تضيق يوماً بيوم عليهم لدرجة حرمتهم من أيّ حلم أو سعادة أو أمل.

تتناول بن شتوان جانباً من انشطار المكان واستعدائه تاريخه ومستقبله، إذ فئة من الناس موقوفة لخدمة فئة أخرى، لا لشيء إلّا لأنّ اللون فرض إرثه واستغلاله وبؤسه، العبيد السود في خدمة الأسياد البيض، نساء العبيد للتسرية عن أسيادهنّ والترفيه عنهم، يصنّفن في خانة «ملك اليمين»، يحقّ لأسيادهنّ التصرّف بهنّ كأشياء وبضائع، ويكون لكلّ فئة عالمها المختلف عن الآخر برغم أنّهما تعيشان في المكان والزمان نفسه.

نجوى بن شتوان
تصوّر الروائيّة سوق نخاسة تاريخيّاً في بنغازي بليبيا، وكيف أنّ العنف كان سمة المكان، وكان التعنيف بمختلف الأساليب دارجاً ومتفشياً، كما ترسم تاريخ الرعب الذي كان يدمي قلوب أناس وجدوا أنفسهم ممتلكات وأشياء بيد آخرين، وسعيهم لتحقيق ذواتهم وتحرير أنفسهم بشتّى السبل، وكيف أنّ ثورات قسم من العبيد الفرديّة كانت تتعرّض للوأد والتواطؤ والخذلان حتّى من العبيد أنفسهم.

تسرد الروائيّة تاريخاً يراد تجاهله أو تناسيه، وحقيقة أنّه لم يكن ينظر إلى العبيد على أنّهم بشر، لهم مشاعر وأحاسيس، لدرجة أنّ دمعة تنحدر من عين أحد العبيد تكون غريبة، وبعيدة عن مدلولها في عرف مَن يتحّكمون بهم، حيث الإذلال هو السلوك الذي يتبدّى بسيطاً حين مقاربة تاريخ العبيد، وبؤسهم وشقاءهم، والمتاهة التي كانوا يظلّون مقيّدين فيها، والمستنقعات التي كانت تغرقهم وتجرّدهم من إنسانيّتهم.

يرمز العنوان إلى إرث تاريخيّ متراكم من حيث النظرة إلى العبيد على أنّهم حيوانات تخصّص لها زرائب، وفي بعض الأحيان كانت الحيوانات أكثر قيمة منهم في عرف سادتهم، يبيعونهم ويشترونهم ويزوّجونهم ويطلّقونهم ويقتلونهم بدون أيّ إحساس بالإثم، و«الزريبة» التي هي حظيرة حيوانات، هي نفسها المكان الذي كان العبيد فيه يولدون ويموتون ويخدمون، وتسعى الروائيّة من خلال إثباته إلى الإمعان في الإيلام، ووجوب الالتفات إلى قهر تلك الفئة من البشر في فترات تاريخيّة مديدة.

عتيقه التي تكون نتاج حبّ مغدور تكون وفية لوالدتها تعويضه التي كانت تخدم أسرة (محمد بن شتوان)، وكان أن ارتبطت بسيد من أسيادها بعلاقة حبّ، بدأت غريبة وانتهت مأساوية، فالسيد الأبيض المتزوّج لم يكن ليدرك وقوعه في حبّ عبدة سوداء، ولاسيّما أنّه يملكها، ومن واجبها أن تسرّي عنه وتمنحه ما يريد بدون أيّ اعتراض أو امتعاض، لكنّ قلبه انتصر على قيود واقعه، وتعلٌّق بها، كان يشعر أنّه عبدها في الحبّ وأنّها سيّدته، وتكون المأساة حين اكتشاف أمر العلاقة التي وصلت إلى درجة من الخطورة، بحيث باتت تهدّد علاقات الأسرة التجاريّة مع الأسر التي صاهرتها، وتكون الأمَة هي الحلقة الأضعف، بحيث يكاد يكون هناك يقين لدى أسرة العاشق أنّ التخلّص منها سيكون حلّاً ناجعاً وجذريّاً للمشكلة، وأنّ الزمن كفيل بإنساء ابنهم عبدته التي سحرته.

لا تسير الأمور في المسار الذي رسمه السادة، ذلك أنّ الأمَة التي حاولوا التخلّص منها وبيعها، اختارت لنفسها طريقاً مختلفاً، سعت إلى رسم مسار حياتها بعيداً عن العبوديّة، اختارت أن تكون حرّة وأعلنت ثورتها وتمرّدها، قصدت المكان الذي تشعر فيه بمساواتها مع غيرها من أبناء جلدتها من العبيد، فكانت «زرايب العبيد» ملاذها الآمن الذي ستربّي فيه أطفالها وتنقذهم من وحشيّة العالم الخارجيّ.

مفتاح دقيق؛ الطفل الذي تخلّت عنه أمّه أثناء ولادته يكبر في كنف تعويضه، وهو وعتيقه يكبران في ظلّ زرايب العبيد، لكنّ تغيّر الظروف وانقلاب الأحوال في البلد يضع حدّاً للمأساة التاريخيّة، والمفارقة تكون أنّ إنهاء تاريخ الرقّ والاسترقاق بشكل عمليّ جاء على يد المستعمر الإيطاليّ الذي فرض على الناس إحصاء ما لديهم كي يستعبدهم جميعاً، يستعبد بلدهم بما ومن فيه، وهكذا انتقلت البلد من حالة رقّ إلى حالة أخرى مدمّرة.

تختار بن شتوان أسلوب تناسل الحكايات من بعضها بعضاً، بحيث يجد القارئ نفسه في متاهة حكايات تدور حول مكان متخيّل، كان له ذات يوم وجود مؤثّر، وبات أثراً بعد عين، إلّا أنّه ظلّ موجوداً ومؤثّراً وفتّاكاً في ذاكرة أبنائه وسلالتهم التي لا تستطيع نسيان الظلم الملحق بهم على أيدي من اعتبروهم حيوانات للخدمة لا غير.

تشير إلى تغيّر طريقة العبوديّة من زمن إلى آخر، من العثمانيين إلى الإيطاليين إلى ما بعد الاستقلال، ومحنة العبيد المتجدّدة في كلّ حقبة، وفجيعة استكمال درب العبوديّة بطرق لا مرئيّة، فالعبيد باتوا يخدمون بطريقة أخرى، بأسلوب النسبة في الأرباح أو ما شابه، أي أنّهم ظلّوا في دائرة القمع والتشييء نفسها لكن مع تغيير ظروف التخديم والتسرية والإفقار والتجهيل.

تكثر الروائيّة من الشخصيّات التي تظهر وتختفي فجأة، كأنّها تتماهى مع واقع العبيد الذي تصوّره، وهي أنّ العبد قد يظهر مؤدّياً خدمة أو دوراً ويرحل لتأدية آخر بعيداً عن الأنظار، يكمل رحلة العبوديّة في العتمة. كما أنّها تلجأ إلى توظيف مفردات وأغانٍ لها معانيها وصداها في تاريخ العبيد وزرائبهم التي كانت مدن ظلمة وظلام وضياع.

تختم بن شتوان روايتها بإعادة الاعتبار لسلالة العبيد، إعادة الاعتبار للحبّ والانتصار له، وتكون عتيقه الناطقة باسم هذه الشريحة البائسة، يعاد إليها نسبها، تعاد إليها عباءة أبيها، يطرّز اسمها عليها إلى جانب أسماء أولاده الآخرين بالخيوط الذهبيّة نفسها، وتكون إعادة التنسيب مدخلاً لإعادة التقدير والضمّ إلى الأسرة النابذة الطاردة، وجسراً لعقد مصالحة بين الواقع والماضي، بين وحشيّة الأمس ومرارة اليوم وضبابيّة الغد.

تؤكّد بن شتوان في عملها أنّه يستحيل استرقاق روح الإنسان الحرّ مهما تعقّدت الظروف وتراكمت المآسي، وأنّه مهما تعرّض الجسد للانتهاك والتدنيس يمكن للروح أن تحافظ على سموّها وتنجو من محنها، ويكون الأمل بالخلاص دافعاً للتحرّر من سطوة إرث القتل والتجريم، ونافذة مشرعة على تصالح مع الذات والآخر، مع التاريخ والجغرافيا معاً، في محاولة للبناء على أسس متينة لا على هشاشات؛ حكايات، بائسة تعيسة.

……………………

• صدرت الرواية عن دار الساقي في بيروت 2016، وقد اختيرت ضمن اللائحة القصيرة للبوكر في دورة 2016/ 2017.

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى