شريفة القيادي… سنديانةُ الكتابةِ النسائيةِ

الكاتبة شريفة القيادي.

أولاً: استهلال

ارتبط اسمُ الكاتبة والأديبة الراحلة “شريفة القيادي” في ذاكرتي بحضوري مناقشةَ أطروحةِ درجةِ ماجستير لأول مرة في حياتي خلال شهر نوفمبر سنة 1981، وقد كنتُ وقتها قد التحقتُ لتوي طالباً مستجداً بكلية العلوم بجامعة طرابلس. وحين قرأتُ إعلاناً عن موعد مناقشة أطروحة ماجستير بعنوان (الحركة الصحفية – الأدبية النسائية في ليبيا بين الأربعينيات والسبعينيات) بلوحة إعلانات كلية التربية شدني موضوع الرسالة وعزمتُ على حضورها، وقد فعلتُ، بل وأحضرتُ معي أحد أصدقائي الذي أصبح حالياً دكتوراً متخصصاً في مجال العلوم الطبية يتولى رئاسة وإدارة أحد أهم المراكز الطبية في بلادنا الحبيبة.

ومؤخراً حين تصفحتُ تلك الأطروحة الجامعية التي نشرتها الكاتبة الراحلة في كتاب بعنوان (رحلة القلم النسائي الليبي)[1] عادت بي الذكريات إلى أجواء تلك المناقشة العلمية وبعض الملاحظات القيمة التي سجلها الأساتذة المناقشون والتي من بينها اعتراض أحدهم على إطلاق تسمية (خطى متعثرة) على أحد فصول الأطروحة وعدم الرضى على كثرة صفحاته المتعثرة التي تزيد على الستين صفحة، وكذلك حول استمارة الأسئلة الطويلة المتضمنة حوالي ثلاثين سؤالاً، والتي وجهتها الباحثة لزميلاتها الكاتبات والصحفيات الليبيات لاستبانتهن حول العمل الصحفي والنشاط الأدبي والتي اعتمدت عليها في إعداد الأطروحة القيمة التي وصفتها الإعلامية والأكاديمية فاطمة غندور بأنها ((… سِفْرٌ في عَبَقِ الكِتاباتِ البكر ذاتِ الهم والسؤالِ النهضوي والمعرفي والتي عاركت قولاً، “وربما صرخت مُجلجلة”، وبادرت فعلاً، بكوننا جزءٌ من هذا العالم… قريبِهِ وبعيدِه، ولنا الحقُ في أن نكونَ كما نحلمُ ونريدُ..))[2]، كما يؤكدُ الأستاذ الأديب والقاص والروائي الراحل خليفة حسين مصطفى -رحمه الله- بأن ((.. “رحلة القلم النسائي” دراسة غير مسبوقة في مجالها، وبذلك فهي تستحق منا كل التقدير والاجلال بجهودها)).[3]

ورغم أن موضوع أطروحتها الجامعية كان رائداً وغير مسبوق وقت ذاك في مجال الكتابة النسائية في ليبيا سواء الصحفية أو الأدبية، إلا أن الراحلة “شريفة القيادي” عانت الكثير من أجل طباعة ذاك العمل البحثي التوثيقي وإصداره في كتاب بعد أن رفضت “الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان” طباعته، وتلك الدار ربما كانت آنذاك هي الجهة الوحيدة المختصة في مجال الطباعة والنشر والتوزيع في ليبيا. وحول هذا الرفض تقول الكاتبة الراحلة “شريفة القيادي” في شهادتها المقدمة إلى (ندوة الكتابة النسائية في ليبيا) بعنوان (الكتابة بين خصوصية الذات وقضايا المجتمع) والمنشورة بمجلة “الفصول الاربعة” ((…. ذات مرة التقيتُ بالدكتور محمد أحمد وريث، وكلانا يراقب طلاباً يؤدون امتحاناً، في المبنى القديم لكلية التربية في سيدي المصري، تطرق الحديثُ إلى رفضِ الدار الجماهيرية لمخطوط رحلة القلم النسائي الليبي، وفاجأني إحساسي بأن الذي علّق على المخطوط، وبالتالي أرسلت الدارُ تعتذرُ عن نشره اعتماداً على رأيه، هو نفسُهُ د. وريث، وعندما وجهتُ [إليه] السؤال ارتبك واحمر وجهُه، ولم يجد مناصاً من التأكيد على صدق كلامي، إلا أنه سألني: هل أخبروكِ؟  قلتُ: لا، ولكنَّ طريقتك في الحديث عن الكاتبات، وهزؤك من شعر فلانة، وقصص فلانة، وكون الأخرى ليست ليبية، هذه الأمور جعلتني أُحسُّ بالمسألة، وأدركُ أن دوراً كبيراً لعبتَه جعلهم يبعثون برسالة الرفض المهذبة، وهو ما تجاهلتُه طبعاً بعد سنوات، عندما قدمتُ المخطوط لدار “إلقا ELGA” عبر دار الحكمة ونشر [في عام 1997م])).[4]

وبكل التحدي النسائي الليبي الصارم، لتلك المعاناة الكبيرة أصدرت الأديبة الراحلة مؤلفها “رحلة القلم النسائي الليبي” محتوياً على أربعة فصول هي: البدايات، خطى متعثرة، من الخاطرة الصحفية إلى الأقصوصة الفنية، نحو أدب نسائي ليبي، إلى جانب المقدمة والخاتمة وثبت المراجع واستمارة الأسئلة. وقد أوضحت الراحلة “شريفة القيادي” سبب اختيارها لهذا الموضوع في دراستها الجامعية فقالت في المقدمة ((.. كانت رغبتي تسجيلُ الملامح العامة للحركة الصحفية – الأدبية النسائية في ليبيا هي التي دفعت بي إلى اختيار هذا الموضوع. فربما كان الإسهامُ النسائي الليبي الأدبي متواضعاً إلاّ أنه جديرٌ بالاحترام والتسجيل، ويزيدُ من رغبتي عدمُ تعرضِ أحدٍ من الباحثين لهذا الموضوع فيما سبق…))[5]

ثانياً: سيرة كفاح وعطاء

ولدت الأديبةُ الراحلةُ “شريفة محمد القيادي” ببيت العائلة الكائن في شارع جنان النوار بحي بلخير في قلب مدينة طرابلس بتاريخ 31 يناير 1947 وتلقت كلَّ مراحلِ تعليمها الأولى في مدارسِها، ثم التحقت بكلية المعلمين سنة 1967 التي سُميّت فيما بعد كليةُ التربية بجامعة طرابلس فتخرجت من قسم اللغة العربية بها عام 1973، ثم نالت درجةَ الماجستير في الأدب العربي الحديث سنة 1981 من نفس الجامعة عن رسالتها (الحركة الصحفية-الأدبية النسائية في ليبيا بين الأربعينيات والسبعينيات) التي أشرف عليها الأديب العربي الدكتور عماد الدين حاتم وصدرت فيما بعد بعنوان (رحلة القلم النسائي الليبي). ثم عملت الراحلة بنفس الجامعة أستاذة لمادة الأدب العربي ضمن أعضاء هيئة التدريس في اللغة العربية والدراسات الاسلامية بداية من العام 1984 وحتى تقاعدها.

أما علاقتُها بالكتابةِ والنشر فقد بدأت الأديبة الراحلة “شريفة القيادي” الكتابة في الصحافة الليبية مبكراً  في الثامنة عشرة من عمرها تقريباً حين بدأت عام 1965 نشر بعض الخواطر في جريدة “الرائد” اليومية، ثم تولت سنة 1969 عمليةَ الاشرافِ على إحدى الصفحات بالجريدة ذاتها. وكتبت العديد من المقالات والزوايا الصحفية التي من أبرزها زاوية (أقول لكم) في مجلة الإذاعة عام 1968، وزاوية (خاطرة) في صحيفة الشمس خلال الفترة ما بين عامي 2005-2008. ونشرت كتاباتها الأدبية في العديد من الصحف والمجلات الوطنية مثل: الرأي، البلاغ، الفجر الجديد، المرأة الجديدة، البيت، الاسبوع الثقافي، الناشر العربي، الفصول الأربعة، الشط.. وغيرها. وفازت قصتُها (لعبةُ بعض الرجال) بالجائزة الأولى في الملتقى الأدبي بطرابلس الذي نظم عام 1974، وترأست (جمعية أحمد الشارف الثقافية) المنبثقة عن قسم اللغة العربية سنة 1973 وشاركت في العديد من الندوات التي اهتمت بالفتاة والمرأة الليبية.

وفي المجال الإذاعي كان للأديبة الراحلة “شريفة القيادي” أيضاً دور أسهمت به في إبراز صوت المرأة الليبية وإثبات قدراتها الإبداعية، حيث أعدت وقدمت برنامج (ركن الطلبة) بالاذاعة الليبية المسموعة عام 1963 وبرنامج إذاعي آخر بعنوان (هكذا صوّرت المرأةُ نفسَها في القصة العربية) خلال عقد الثمانينيات.

وعلى صعيد الإنتاج الأدبي تعد الأديبة الراحلة “شريفة القيادي” من أغزر الكاتبات الليبيات. وقد تنوع إنتاجها الإبداعي بين أجناس القصة القصيرة والرواية والخاطرة والمقالة والدراسة النقدية والتوثيقية. وبلغت مؤلفاتها حوالي ثلاثة عشرة إصداراً كالتالي:

1- هدير الشفاه الرقيقة “قصص قصيرة”، سنة 1983
2- كأي إمرأة أخرى “قصص قصيرة”، سنة 1984
3- من أوراقي الخاصة “خواطر”، سنة 1986
4- نفوس قلقة “دراسة”، سنة 1993
5- هذه أنا “رواية”، سنة 1994
6- 100 قصة قصيرة “قصص قصيرة”، سنة 1997
7- رحلة القلم النسائي الليبي “دراسة بحثية توثيقية”، سنة 1997
8- البصمات “رواية”، سنة 1999
9- بعض الهمس “مقالات”، سنة 1999
10- إسهام الكاتبة العربية في عصر النهضة “دراسة”، سنة 1999
11- حولهن “معجم للنساء العربيات”، سنة 2001
12- هكذا صوّرت المرأة نفسها “دراسة”، سنة 2008

ونلاحظ أن هذه الغزارة الإبداعية ذات الأجناس الأدبية المتنوعة قد غلب عليها الإنتاج القصصي الذي أسهمت به في تسليط الضوء على الكثير من المواضيع الإجتماعية التي كانت المرأة الليبية تواجه فيها تحدياً كبيراً من مجتمع ذكوري تسيطر عليه عوامل تخلف فكرية عديدة. كما وظفت إبداعها القصصي في البوح والتعبير عن قسوة حياتها الشخصية التي تعاملت فيها مبكراً مع مسؤوليات الزواج والامومة ومكابدة قلاقل وهموم الغربة خارج البلاد، وهذا كله عرّض الكاتبة الراحلة للعديد من المواجهات والانفعالات النفسية والتحديات الفكرية القاسية التي أثرت عليها بشكل ملموس وصرّحت بها في عدد من الكتابات التي أنتجتها واللقاءات الصحفية والإذاعية التي أجريت معها حيث تقول ((.. الصدماتُ النفسيةُ المتوالية التي أصابتني جعلتني أبدل من وجهة نظري تجاه الرجل وتجاه المرأة..)).[6]

ونظراً لكل تلك الصعوبات المتعددة فإن الأديبة الراحلة تستحق الوصف بأنها مبدعة حقيقية، لأنها طوال أكثر من أربعين عاماً من الإبداع المتواصل، تحدت بكل شجاعة الظروف الأجتماعية القاسية بكل ثبات وصلابة. وهي كما أشارت الشاعرة حواء القمودي في إحدى مقالاتها بأنها: ((ليست مجرد امرأة.. إنها شريفة القيادي… رصدت تاريخ المرأة الليبية… تاريخ الوجع والقهر والتخلف.. وحفرت في جدران المجتمع بصمتها الخاصة..))[7]، وأيضاً الصحفية سالمة المدني حين كتبت تقول: ((أيوجد حقاً أدب للنساء الليبيات.. السؤال كبير ومستفز ومتحدي ومشاكس.. استنفرت للإجابة عليه الأستاذة شريفة القيادي بكل ما أوتيت من أدوات البحث والتنقيب، فلم تترك قصة ولا جريدة ولا قصاصة ولا أقصوصة ولا مكتبة إلا وغاصت بها، بحثاً عن تجذير لأدب نسوي ليبي ظل مهمشاً ومهملاً… لم يقرأ… لم يجمع…لم يهتم به أحد، حتى وصل الأمر حد الاتهام بعدم وجوده أصلاً..))[8] وكذلك تؤكد هذا مسيرةُ عطائها ومواجهتها الطويلة للصعوبات والعراقيل داخل فضاء المجتمع الليبي نتيجة أفكارها المستنيرة والمتحررة والداعية إلى فتح المجال على مصراعيه أمام المرأة الليبية للنهل من العلوم والثقافات والانخراط في كل مجالات العمل أسوة بالرجل لبناء المجتمع معاً. وقد لاقت هذه الأفكار التي كانت تطرحها الأديبة الراحلة في إطار شعار المطالبة بهامش أكبر لحرية المرأة، العديد من الانتقادات والمعارضات القوية خلال عقود الستينيات والسبعينيات حين كانت العقلية الذكورية لها السيطرة المطلقة على فكر وسياسات المجتمع الليبي فكانت ترفض أو تعرقل تنفيذ برامج تعليم المرأة والمساواة والمشاركة في العمل وكل الأفكار الوافدة والمستجدة، والتي كانت تنادي بها وتناصرها الراحلة “شريفة القيادي” من خلال إبداعاتها الأدبية أو مساهماتها الإعلامية والإذاعية. وتحدد الأديبة الراحلة “شريفة القيادي” مصدر هذا الرفض فتقول ((.. أنني على المستوى الشخصي لم ألق رفضاً من القريبين بل العكس هو الصحيح، إذ كانوا يقرؤون ما أنشره ولا أجدُ تكشيرة من أحد..))[9] وهو تلميح وإشارة إلى أن الرفض كان يأتي من خارج جدران البيت والأسرة، وأن الصراع كان مع فضاء الوسط الاجتماعي والثقافي وأفكاره المختلفة.

ثالثاً: قراءة في نماذج من إبداعها القصصي

((أنا لم أضف أي شيء للقصة القصيرة، أنا كتبتها بإحساس مندفع، والغرضُ كان خدمةَ المرأة في المجتمع، ولذلك فإن أغلب الشخصيات نسائية، والقلة القليلة للرجال، وقد تكون أمور شديدة الأثر دفعتني في ذلك الاتجاه، ولكن هذا لا يمنع من أن أصر على أنني ملتحمة تماماً مع المرأة ولذلك تجيء قصصي بسيطة مفهومة، أو هذا تقديري لها))[10]. بهذه التواضع الصريح توضح الأديبة الراحلة “شريفة القيادي” الهدف من مزاولتها فن القصة القصيرة مؤكدة أن غايتها مناصرة المرأة والالتحام معها، فتكتبها بلغة بسيطة لكي يتسنى للجميع فهم رسالة القضية التي تسعى الأديبة المبدعة إلى إيصالها ونشر أفكارها.

قصة (القذارة)[11]

يبدو أن الكاتبة الراحلة “شريفة القيادي” تحمل لهذه القصة شعوراً مميزاً أو موقفاً خاصاً جعلها تختارها لتكون النموذج الذي يَعرِضُ أسلوبها القصصي، ويُنشر لها في الجزء الأول من (معجم القصاصين الليبيين) الذي أعده الباحث الأستاذ عبدالله مليطان وأصدرته دار “مداد” التي يملكها سنة 2001 ميلادية مرفوقة بسيرتها الذاتية وبياناتها الشخصية.

وكلمة “القذارة” التي عنونت بها القاصة نصها، هي اسم مفردة وصفية ورمزية استعملتها للتعبير عن تلوث الفكر وتخلفه وابتعاده عن قيم الحياة السامية، وتحديداً الفكر الذكوري المتوحش في هذه القصة، إضافة إلى بيئة المكان الجغرافي الذي تدور فيه أحداثها حيث تصفه في مستهل القصة ((الجو مشبّع بالغبار.. والرائحة عفنة.. تتسرب عفونتها إلى خياشيمي.. المكان نفسه يثير الرعب… ويشعرني فوق ذلك بالحاجة للتقيؤ)).[12]

ورغم سلبية المكان وعفونته فإن تعبيرها عن شعورها الايجابي جاء مناقضاً تماماً له وكنوع من التحدي الذاتي حين أوردت ((.. إنني لا أحس ضيقاً في داخلي.. أو بأدنى خوف من المجهول الذي ينتظرني..))[13] وتواصل ((.. خلف هذا الباب المهتريء.. الآيل للسقوط.. يوجد شخص عليّ أن أقابله… أن أحدثه… أن أحاول معه الوصول إلى نتيجة ترجوها وتنتظرها نفسٌ حبيبةٌ إليّ… تنتظرها قريبةٌ عزيزةٌ وقعت منذ مدة في براثن هذا الذي أراه يجلس أمامي باسترخاء.. متلذذاً بسيجارته.. غير مبالٍ بوقوفي المخجل..)).[14]

وهكذا بكل التشويق المتصاعد واللهفة تمسك القاصة قارئها من قلبه وعقله، بعواطفه وفكره، وتسير به رويداً رويداً على بساط لغتها السلسة ودروب تركيبات جملها البسيطة، متجهة به نحو الهدف، عبر جرعات من الخيال الدافق، والموسيقا الخفية التي يعزفها فضاء النص القصصي في داخله بكل هدوء.

ولكن ها هي الأديبة القاصة تستدرك الأن لتقدم نفسها للقاريء بشكل مختصر، فتكشف له عن بعض الخصوصية والمعلومات بشكل غير مباشر ولا تقليدي، عبر ذاك الشخص الذي تلتقيه في “القذارة” وتحاوره بعقل طفلة عمرها عشرة سنوات ((.. وأخيراً نظر إلي بكل استهزاء.. ومالَ جانبُ فمِهِ كأنما ليعبّر عن استيائه لمظهري الساذج.. مظهرِ فتاةٍ صغيرة ترتدي ثوباً بسيطاً داكناً.. وشعري تلمه ضفيرتان ناعتمان.. بينما شعر قُصتي يتهدل على جبيني في إهمال غير مقصود..)).[15]

بعد هذه المقدمة الوصفية باستخدام صوت البطلة الراوية لرسم الفضاء العام للقصة، والتعريف بمكانها وشخوصها، تضيف القاصة تقنية أخرى لقصتها وهي الحوار الذي أدارته بينها كراوية وبين الشخص الذي تقف أمامه في “القذارة”، وتمهد لهذا الحوار بالقول: ((.. لم أحاول أن أطيلَ الوقتَ.. أو ألفَ وأدورَ حول سبب مجيئي.. وكان أن طلبتُ منه في رقةٍ ولطفٍ أمانةَ رفيقتي.. آسفة أقصد رفيقته فلانة))[16]. وجاء الرد مستهلاً حوار المفاوضات بينها وبين الشخص الذي تقابله:

((- حسناً يا صغيرتي وماذا تريدين أيضاً؟
قلتُ بدونِ أنْ أرتعشَ أو أتحركَ قيدَ أنملة:
– وتطلب كذلك ألا تكون محل مضايقة..
سألني بخبث:
– ممن..؟
أجبت بدهشة وعجب:
– منك طبعاً..!.. وهل هناك غيرك..؟))[17]

وإضافة إلى العون والمساعدة في حل المشاكل بين الطرفين والتضحية الشخصية من أجل ذلك، وهي جميعها صفات أخلاقية نبيلة أسبغتها القاصة على بطلتها في سردها السابق، تكشف لنا القاصة هنا عن خصلة أخرى تتمتع بها بطلتها الطفلة الراوية، وهي خصلة الجرأة والشجاعة في المواجهة وعدم التنازل عن حق وضمان سلامة رفيقتها.. أو رفيقته كما أشارت إليها. ويتأكد ذلك في بقية الحوار حين يتحول النقاش إلى فعل صوتي لإرهابها وتخويفها، كما تواصل سرده:

((صاح صيحةً أرعبتني… ثم قال ضاحكاً:
– ها ها.. يا لكِ من طفلة؟.. وتأمرينني…؟
قلتُ بإصرار وتأكيد:
– وَلِمَ لاَ.. أنا أفضلُ منك على أي حال… لأنني على الأقل لا أخادع الغير..!)).[18]

ثباتُ موقفِ البطلة، وتحديها القوي، وحجتُها الدامغة تربك الخصم وتقلب موازينه، وتوقظ فيه مكامن الخير وقيم المحبة السامية، فتنتفض أعماقه وتتخلّق بين أضلعه روح أخرى تمثل الإنسان القويم الذي ينشد السلام للجميع، ويهتف بالمحبة، ويعمل على صونها وتعزيزها لدى الآخرين.

وهذا التحول تجسد في ختام القصة حين كتبت على لسان الشخص المتوحش الذي عرّف نفسه وأقر بأنه “الشيطان الأرضي” الذي تبدّل أمام موقف وكلمات الطفلة بطلة القصة، إلى إنسان وديع يأمل في أبوة نقية تكون هدية من تلك الطفلة التي تواصل محاورته وهو يرد عليها قائلاً: ((.. استمعي إلي يا صغيرتي جيداً… سأدعك تذهبين بسلام.. بل وسأحرسك وأحميك ولن أجعلك تتكبدين أدنى مشقة أو تعب في سبيل الوصول لبيتك هانئة راضية… ولكن فقط أرجو منك أنا الشيطان الأرضي… يا ملاكي الحبيب خدمة تهدينها لي… أنت تعتبرينها صغيرةً ضئيلةً.. وقد توافقين عليها… ولكن أنا سأعتبرها أعظم منحة حصلتُ عليها.. وممن.. ؟ منك أنت يا ابنتي..!… ألديك مانع في أن أناديك يا ابنتي..؟…)).[19]

في هذا النص القصصي نجد أن القاصة الأديبة الراحلة “شريفة القيادي” قد وظفت العديد من عناصر القصة بإتقان لتوطين رسالتها وهدفها في فكر القاريء. فاللغةُ البسيطة التي طرزت بها خيالها الخلاب، والحوارُ الممتع المنساب بكل أريحية بين الطفلة والشخص، وأدواتُ الأسئلة التي تدير محركات الفكر نحو مدايات بعيدة مفتوحة ظهرت جليةً واضحةً. كما أن هدفَ القصة ورسالتَها برز صوتاً إيجابياً ينحاز إلى صف المرأة القادرة على الفعل، وإن لازالت طفلة أو شابة، ورسم صورة مبشرة لمستقبل تنتصر وتتجسد فيه قيم الخير والمحبة.

ويمكن القول بأن هذا الهدف وغيره من الأهداف الأخرى المثيلة هي الدروس التي نتعلمها من قصص الأديبة الراحلة “شريفة القيادي” ومن كاتبات أخريات من جيلها، حيث نجد نصوصهن القصصية غزيرة ً بالأسئلة القلقة، والانشغال الدائم بتدني المستوى الفكري للمجتمع الليبي، والمقتصر على التشبت بالعادات والتقاليد، وقطع الصلة بين الفتاة والتعليم، والزواج المبكر وضرورة إنجابها السريع لحفظ تناسل الذرية ومكانها في بيت الزوجية، وعدم الاعتراف بعلاقاتها العاطفية الشخصية واختياراتها الخاصة بل يصل الأمر إلى تجريمها وتوقيع عقوبات شديدة عليها.

ولكن هذا لا يمنع بالتأكيد من وجود كثير من الاضاءات والأفكار المستنيرة في المجتمع كالتي اختتمت بها الأديبة الراحلة “شريفة القيادي” قصتها (محاصرة)[20] حين أنهتها بحوار بين الأب وابنته بعد وفاة والدتها، ومحاولة الجدة والعمة تزويجها، وكذلك البحث عن زوجة لوالدها، وهو يوجهها وينصحها قائلاً: ((… انصرفي أولا لدروسك، وبعدها لإعداد نفسك للزواج من “جميل”، ثم يمكننا الخوض في موضوع زواجي. أما جدتك وعمتك فدعيهما لأحلامهما الخاصة، لا تجادلي ولا تناقشي، ولا تثيري الأعاصير، ودعيهما كلتيهما تبنيان القصور على الرمال وليسامحهما الله على محاولتهما خطبتك من غير خطيبك، فليسامحهما الله!!)).[21]

وكذلك في ختام قصة (أنا مقتنعة جداً)[22] التي برز فيها صوت المونولوج الداخلي للبطلة وهو يراهن على الوقت لتحقيق أهدافه، وضرورة تحكيم العقل المتزن والفكر الهاديء الرصين بدل الخوض والانجرار إلى معارك ومشاحنات أسرية واجتماعية، غير مضمونة النتائج، حين خاطبت بطلة القصة أعماقها في حوار صامت قائلة: ((.. فإنني على ثقة من أن المستقبل الآتي سوف يجيء بالكثير من الخير، وبالكثير من الفهم، وبالكثير من الممارسات الصادقة والصحيحة على دروب وصولي إلى الهدف المنشود)).[23]

أما في قصتها الحوارية (ساتالايت)[24] التي يدور فيها النقاش الأسري داخل البيت بين الزوجة البطلة وزوجها، حول التخوف من شراء جهاز استقبال البث التلفزيوني من الأقمار الصناعية وتركيبه في بيتهم الذي يعج بالأولاد والبنات في سنوات عمرية متفاوتة، فقد ساد هذا الحوار الكثير من القلق والنفور والعصبية التي سرعان ما تلاشت بعد الاتفاق الذي تحقق، حين بددت الزوجة الخوف وقالت: ((.. – كلنا نخاف، أنا أخاف، وأنت تخاف، والناس يخافون، الأولاد يخافون، والبنات تخفن، الكل لا يطمئن للجديد، ولكنها سنة الحياة. قلق آباؤنا عند أول بث للتلفزيون، ثم اعتادوا الأمر، ثم قلقوا عندما بدأ (الفيديو) يغزو كل بيت، ثم صاروا يقلقون هذه الأيام على تعدد ما نراه وما نتفرج عليه، لكن القلق يجب ألا يقفل في وجوهنا الفرصة.. )).[25]

من خلال هذه النماذج القصصية المختارة نجد أن الأديبة الراحلة “شريفة القيادي” تستدعي شخوصها ومناخاتها وموضوعاتها من الوحل الاجتماعي الذي تعيشه المرأة الليبية وما يعتريه من انشغالات، وما يحتويه من صور متعددة للحياة وإن انصبغت غالباً بالقتامة والسلبية، وهو ما يؤكد أن هدف الأديبة الراحلة ورسالتها من قصصها الإبداعية هو المساهمة في تنوير العقلية السائدة بين الأسرة الليبية بكامل أفرادها والتي تشمل المرأة والرجل والأولاد، وتحريرها من القيودات الفكرية والضغوطات المادية باتباع أساليب شتى، لعل الحوار الفعّال المثمر، المتأسس على المنطق والحجة الدامغة، والأسلوبَ الهاديء هو حجرُ الأساس المتين الذي تستند عليه، وهذا ما تؤكده بقولها: ((فضاءاتي القصصية تبدأ بالركن الخاص بالمرأة، وتتسع حتى تشمل البيت أو مكان العمل والشارع، وبالتالي المجتمع الذي نعيش فيه، وهذه القيودات التي تعيق حركتنا وتجعلنا كماً مهملاً، أو تحاول أن تجعلنا أداة متعة ليس أكثر..))[26]. أما حول تقنيات السرد وكتابتها للقصة القصيرة وكيفية اختيار شخصياتها فهي تقول ((القصص القصيرة لم أحدد شخوصها، لأنها تنبت في الذهن لحظة الكتابة أو اعتماداً على حادثة صادفتني أو سمعتها..)).[27]

وبسبب هذه العفوية والبساطة ستظل قصص “شريفة القيادي” مشعة بقناديلها الساطعة تواكب مسيرة حياتنا الاجتماعية، وستبقى وثيقة شهادة قيمة ومعبرة على تاريخ مرحلة ماضوية عسيرة في بلادنا، نرصدها ونتتبعها من خلالها، ونسجل فيها الكثير من الممارسات غير العادلة تجاه المرأة الليبية، وفي نفس الوقت نثبت بها قدرةَ هذه المرأةِ المكافحةِ ذاتِها على مواجهة التحديات، وتحقيقِ إبداعاتٍ أدبيةٍ تترسخُ سنديانةً وارفةً في مشهدنا الثقافي وغيره من المجالات الأخرى.

رابعاً: خاتمة

منذ أن عبّدت الراحلتان “زعيمة الباروني” و”خديجة الجهمي” مسيرة الكتابة النسائية الأدبية والصحفية في ليبيا لازالت الكثير من الأسرجة والأقمار الأنثوية الوضاءة تنير هذا المسار الوعر، والدرب المتشعب لتنشر إبداعاتها المميزة فتسجل إسهامات المرأة الليبية البارعة في هذا المجال. ومن بين الأسماء التي ستظل تصدح في عوالم الأدب والصحافة والفكر لأجيال طويلة قادمة هو اسم الأديبة الراحلة “شريفة القيادي” التي صاغت مجدها بالكثير من العمل الدؤوب والمعاناة المضنية والصبر الطويل والتحديات الصعبة من أجل أن تبزغ شموس تبعث الوهج في الفكر، والدفء في النفوس وتزرع الأمل في ربوع بلادنا الحبيبة.

_____________________________________
(*) ورقة قدمت في اليوم الدراسي حول أعمال الأديبة الراحلة “شريفة القيادي” بمختبر السرد والدراسات النقدية، كلية اللغات، قسم اللغة العربية، جامعة طرابلس قاطع “ب” يوم الثلاثاء الموافق 27/10/2015.

(1) رحلة القلم النسائي الليبي، شريفة القيادي، دار القاء، مالطا، 1997.

(2) شريفة القيادي… سيرة المبدعة الليبية، فاطمة غندور (رابط).

(3) مجلة الفصول الاربعة (أدب المرأة في ليبيا ونموذجه المتكرر)، خليفة حسين مصطفى، العدد (95)، السنة الثالثة والعشرون، أبريل 2001، طرابلس، ليبيا، ص 84-87.

(4) مجلة الفصول الاربعة (الكتابة بين خصوصية الذات وقضايا المجتمع)، شريفة القيادي، العدد (98)، السنة الرابعة والعشرون، يناير 2002، طرابلس، ليبيا، ص 44-48.

(5) سيرة القلم النسائي الليبي، مرجع سبق ذكره..

(6) حوارات معهم، عبدالله مليطان، دار الأحمدي للنشر، القاهرة، 2004، 95-108.

(7) الشط (صحيفة شعبية طرابلس تصدر عن الهيئة العامة للصحافة)، العدد 1000، بتاريخ 5 (التمور) 2010 مسيحي، ص 50.

(8) الشط (صحيفة شعبية طرابلس تصدر عن الهيئة العامة للصحافة)، العدد 1000، بتاريخ 5 (التمور) 2010 مسيحي، ص 51.

(9) حوارات معهم، مرجع سبق ذكره.

(10) المصدر نفسه.

(11) قصة (القذارة) للأديبة شريفة القيادي، معجم القصاصين الليبيين، عبدالله سالم مليطان، دار مداد، ج 1، سنة 2001، طرابلس، ليبيا، ص 234-2377.

(12) قصة (القذارة)، المصدر السابق نفسه.

(13) قصة (القذارة)، المصدر السابق نفسه.

(14) قصة (القذارة)، المصدر السابق نفسه.

(15) قصة (القذارة)، المصدر السابق نفسه.

(16) قصة (القذارة)، المصدر السابق نفسه.

(17) قصة (القذارة)، المصدر السابق نفسه.

(18) قصة (القذارة)، المصدر السابق نفسه.

(19) قصة (القذارة)، المصدر السابق نفسه.

(20) مجلة الفصول الاربعة (محاصرة)، شريفة القيادي، العدد (94)، السنة الثالثة والعشرون، يناير 2001، ليبيا، ص 120-121.

(21) المصدر السابق نفسه.

(22) مجلة الفصول الاربعة (أنا مقتنعة جداً)، شريفة القيادي، العدد (35)، السنة التاسعة، شهر 12/1986، ليبيا، ص 146-150.

(23) المصدر السابق نفسه.

(24) ستالايت، قصة قصيرة منشورة على صفحة الأديبة والباحثة والكاتبة الأستاذة شريفة القيادي على الفيس بوك (الرابط).

(25) المصدر السابق نفسه.

(26) حوارات معهم، مصدر سابق.

(27) المصدر السابق نفسه.

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن يونس شعبان الفنادي

الاسـم:يونس شعبان الفنادي
تاريخ ومكان الميلاد:1/1/1961 سوق الجمعة، طرابلس – ليبيا

– ماجستير علوم، تخصص أرصاد جوية، كلية العلوم، جامعة ريدينج، بريطانيا، 2004
– بكالوريوس علوم، تخصص أرصاد جوية، كلية العلوم، جامعة الفاتح، ليبيا، 1984

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى