مفهوم الموت في النص الشعري الليبي المعاصر

خلال دراستي الجامعية في علم النفس عرفت أن الحوافز هي الأسباب الفكرية لمعظم الأفعال، والحافز بحسب موسوعة علم النفس الشاملة   “قوة أو طاقة كامنة في داخل الكائن الحي تدفعه إلى القيام بسلوك معين تحقيقًا لهدف معين هو إشباع ذلك الدافع”  بيد أن مفهوم الحافز في حقل الأبداع في الفنون والآداب لايختلف ولايبتعد عن مضمونه في علم النفس، فالحوافز هي تلك المثيراث، والمسببات والدوافع،التي تستفز المبدع وتدفعه دفعاً للتعبير عن مكنوناته ومايشعر به ليحيله للمتلقي أبداعاً في صور متعددة  .

والشاعر مبدع بلا ريب،ويملك ذاكرة يمكنها أن تحتفظ بتفاصيل دقيقة جداً، ومواقف حساسة مختلفة تؤثر في حالته الوجدانية والإبداعية، فيستند على موهبته الشعرية، ولا يترك هذه التفاصيل دون أن يستثمرها ليحيلها إلى لحظة شعرية، ويترجمها فوراً إلى نص شعري،الذي كلما أجتهد في نقل أحاسيسه وأنفعالاته بعفوية ودون مواربة  ولا شطط ولاتزييف، كلما أرتقى بنصه فيتذوقه المتلقي ويشعر بقوة عاطفه الشاعر وصدقها، ويحقق الشاعر هدفه السامي من كتابة النص.

وتتعدد هذه الحوافز وتتنوع ويهمنا هنا دراسة تتقصى (الموت) وحضوره في بعض النصوص الشعرية الليبية كحالة وكحافزا نفسياً للأبداع، ومدى تأثر بعض شعراء ليبيا المعاصرين ( بالموت ) وإنعكاسه على بعص نصوصهم الشعرية.ولايفوتني هنا أن أؤكد أن هذة الدراسة ليست أكاديمية،ولامتخصصة،ولاتزيد عن كونها دراسة صحفية فقط،بما تسمح به  المساحة المخصصة لها.

ويهمني جداً إحاطة القاري الكريم هنا بأنني لم أحط بالشعر الليبي كله فهذا أكبر من همتي،وأكبر من أن تحيط به قدراتي وأمكانياتي،، لكنها دراسة موجزة،ومحاولة جادة مني لتقديم صورة ولو مبسطة عن موقف الموت ومفهومه لبعض الشعراء الليبين المعاصرين بأعتباره محفزاً على الإبداع نصوصهم الشعرية.

***

رامز رمضان النويصري

الشاعر رامز رمضان النويصري تحفل كثيراً من نصوصه الشعرية بهواجس متعددة تستحضر الموت بأشكاله المتنوعة ففي قصيدته (خيبة) التي كتبها في  15-11-2013 م وأهداها إلى ضحايا المظاهرة السلمية في طرابلس، يخاطب رامز الموت الذي حصد أرواح بعض المتظاهرين بلا رحمة متجارزاً لحالة الخوف التي ترافق عادة حالة ما قبل (الموت)  فيقول :

جئتك أبيضاً،

تتقدمني زهرةُ ود.

كنتَ واقفاً

وكنتُ واثقاً أن النظرة التي تسددها عيناك لن تغدر بغصِن الزيتون.

كنتَ مستعداً

وكنتُ ساقطاً في لون وردتي الحمراء

في النص السابق، رغم تقة الشاعر في أن الموت كحالة، قريبة التوقع والحدوث فلم يغفل أن يؤكد ويقول (  كنتَ واقفاً، كنتَ مستعداً)، إلا أنه وبعين شعرية خالصة  يصور للمتلقي محنة الموت المفاجئ والمباغت فيقول : (  وكنتُ واثقاً أن النظرة التي تسددها عيناك لن تغدر بغصِن الزيتون)،ويبدو أنها فعلت فمات في المظاهرة عدداً من المتظاهرين، أربكته وسببت له الحزن ولكنها أيضا جعلته يمعن في استعراض قوته النفسية في مواجهة الموت  بالحب قائلاً (وكنتُ ساقطاً في لون وردتي الحمراء) ولم ينس رامز النويصري  أن يفضح ألاعيب الموت من أول سطر في قصيدته ليذكره بخيبة أمله فيه لانه كما قال (  جئتك أبيضاً، تتقدمني زهرةُ ود ) ففجعتني بموت أصحابي..!!!!

وفي نص شعري أخر عنوانه (ترقب) يخاطب الشاعر رامز النويصري (الموت) بكثير من الحكمة والتفلسف ويتوجه بالحديث بشكل مباشر للصاروخ الذي سيرتكب فعل الموت فيقول :

أنتظرُك، فلا تتأخر

كُن سريعاً، ودقيقاً

لا تراوغ.

 ثم يمعن في عدم الإكثراث وعدم المبالاة بما سيحدث قبل الموت أو بعده، بل يصر على مواجهة الصاروخ أداة الموت بطريقة ساخرة

أنتظرك،

تركتُ الشبّاك مشرعاً

فانفذ مباشرةً

ولا تحط السقف

فيغيبُ المشهد تحت الركام،

أيها الصاروخ.

كما يؤكد الشاعر رامز النويصري في قصيدته طبول الحرب أن الموت عندما تدق الطبول يصبح عادة يومية لاتهم المحيطين به  وفي ضرب من ضروب التمادي بعدم الاكثرات به، يتحدث الشاعر عن الموت زمن الحرب فيقول :

في انتظار الرصاص؛

سأطلب منهم أن يبقوا النوافذ على اتساعها

مشرعة وبلا ستائر، ليمرق دون خجل.

في انتظار القذائف؛

سأطلبُ  من السقف أن يكون رحيماً

ليترك لنا فرصة أخيرة، للحلم.

إذن الموت عند رامز فرصة للحلم بل هو فرصة للتحدي والمواجهة مناقضاً  بذلك لمفهوم الموت العادي باعتباره نهاية الحياة ودخول عالم الابدية بل هو فرصة للحلم(  ليترك لنا فرصة أخيرة، للحلم.) دون أن يغفل عن تذكيرنا بوصيته في أخر قصيدته طبول الحرب فيقول:

سأعلمهم كيف يبتسمون للرصاص

وكيف يزيحون صوت القتال بغنائهم.

***

سعاد سالم الحجاجي

الشاعرة الليبية سعاد سالم الحجاجي حضر (الموت) بشكل مؤثر جداً في قصيدتها (دنك أخير)، وهي قصيدة قصيرة مكونة من أثنين وعشرين سطرا تقريبا، لكنها ممتلئة بالعواطف الجياشة والمشاعر الحزينة،وكان (الموت) الذي غيب ( الولد البني الجميل) هو الاساس الذي أسست عليه سعاد نص القصيدة كلها ومحتواه.

الولد البني الجميل

تحت التراب الآن

مع ابرة بوصلتي..

وهمزة الوصل بالفرح

الولد البني الطويل

يختبىء صوته في فراغي

يلم ظلي المهشم

قبل ذلك

وبشكل ما.. علق ابتسامته

كصورة عائلية واكتفى

هذا..

الولد البني ذو العينين المصغيتين

لا ينسى شيئا

حشجرتنا تحت الوسائد

أصابعنا المعلقة بالدعاء

قلوبنا المتخثرة بالوقت

وثرثرتنا المنغمة

مع ذلك..

بلا تفسيرالولد البني المهذب

أرخى أهدابه.. فجأة.. ونام!

 تنقل سعاد في نصها (دنك أخير) بإحساس مذهل كمدها وحزنها على فراق أخيها، فتبدأ قصيدتها لتخبر القاري بشكل مباشر عنه بقولها (تحت التراب الآن وتواصل في صور مؤثره، وومضات قصيرة مليئة بالأسى وصف حالتها بعد موته (يختبىء صوته في فراغي.. يلم ظلي المهشم) وقبل موته (حشجرتنا تحت الوسائد.. وثرثرتنا المنغمة.. قلوبنا المتخثرة بالوقت. أصابعنا المعلقة بالدعاء.)

ونجحت في أن تقدم حالة (الموت) الذي حفزها لتبدع بأقل ما يمكن من الكلمات المعبرة،والجمل الشعرية البليغة، حتى تختم قصيدتها بشكل مفاجي فتقول ( أرخى أهدابه.. فجأة.. ونام!).

 ***

عمر محمد الكدَيْ

الشاعر عمر الكدي تضمنت بعض نصوصه كمدأ شديداً،ولوعة ظاهرة وهو يتناول الموت كمحور أساسي في :قصيدة (أرفق بحالك)  و قصيدة (على بعد خطوتين من قبر أمي) وفيهما يحضر الموت بقسوة بالغة وجلال مهيب، وتعكس هول الفاجعة التي حلت بالشاعر لفقدانه صديقه الحميم أبولقاسم المزداوي الذي صدمته سيارة مسرعة في قرية المغاربة بمدينة غريان الليبية مسقط راس الشاعر عمر الكدي. ففي قصيدة أرفق بحالك يخاطب الشاعر نفسه ويلومها على شدة التحسر وعدم الرضا بالموت كقدر لامفر منه، وفي القصيدة يقدم الشاعر للمتلقي بشكل واضح ومبسط جداً فلسفته ورؤيته للموت فيقول:

من يمضي يمضي لا يعود إلى الوراء

هي طريق ونحن جميعا يسعى فوقها

الموت يأتي كل مرة بصورة

أحيانا بطيئا زاحفا

وأخرى عنيفا مباغتا

نحمله في الأبدان منذ أن نولد

تجاعيد مؤجلة ووهناً نائماً

لكنه دائما هناك في الصرخة الثكلى

وفي ألم الفجيعة

للحياة اسم واحد وللموت أسماء عديدة

حتف وردى ووفاة ومنية

في النص السابق نجد أن نظرة الشاعر عمر الكدي تؤمن بشدة بحتمية الموت،ويؤكد بصورة قطعية أن الموت لامفر منه (هي طريق ونحن جميعا يسعى فوقها) وأن الموت (نحمله في الأبدان منذ أن نولد) كما يبين لنا صوره وأشكاله المتعددة وهذا ينكشف في قوله (الموت يأتي كل مرة بصورة.. أحيانا بطيئا زاحفا..وأخرى عنيفا مباغتا)

قصيدة الشاعر عمر الكدي (على بعد خطوتين من قبر أمي) التي أهداها إلى روح أبو القاسم المزداوي،قصيدة مفعمة بالألم والحسرة،وتحكي بمرارة، وبتقاصيل مؤلمة كثيرة جداً،قساوة الموت،وتنقل بوجدانية ألام الشاعر ومدى فجيعتة فى نفسه عند سماعه بموت أخيه بلقاسم،صوراً شعرية مذهلة نجح الكدي وهو تحت تاثير مسحة الحزن التي أعترته،أن يعطي للمتلقي خلالها  ومضات أنسانية تحمل في مضمونها حميمة صادقة بين عمر وأبولقاسم كأخوين وليس مجرد أصدقاء فيقول :

أتاني نعيك فمادت بي الدنيا لا السماء طلتها ولا الأرض تحتي وجدت

أرثيك أم أرثي بلادا بحالها

لم يبق فيها لنا إلا القبور

على بعد خطوتين من قبر أمي

يخطفك موت مباغت عجول

يا للأقدار حين تسخر منا

فتصفعنا بأحكامها الباردة

يا للدنيا الماكرة الخائنة

حين تطوي على عجل آخر الصفحات

نموت في المنافي البعيدة الباردة

ونموت بلا معنى على الإسفلت

ستبقى صفحتك على الفيس بوك خالية

سأفتقد ضحكتك المجلجلة

سخريتك المرة

وسريرتك النقية الصافية

وسأحملك معي حتى الرمق الأخير

سأضمد جراحك النازفة

وسأغسل وجهك بالدموع

وأغلق كل يوم عينيك الشاخصتين

تحت سماء قريتي النائية

على بعد خطوتين من قبر أمي

من القصيدة السابقة يلمس القاري،بشكل جلي وواضح، التجربة الشعرية الخاصة جداً، للشاعر عمر الكدي وهو يتحدث عن الموت ومظاهره، ويتحدي الشاعر القاري ويورطه بعنوان مستفز، والذي ربما يصيبه كمتلقي بالذهول وهو في حضرة الموت (على بعد خطوتين من قبر أمي)،ومن سطرها الاول يفصح الشاعر للقاري عن أزمته مخاطبا صديقه الذي أختطفه الموت هكذا وبشكل مباشر وبلا مقدمات( أتاني نعيك فمادت بي الدنيا لا السماء طلتها ولا الأرض تحتي وجدتهذا السطر المؤثر الحزين قصيدة بحالها، بعد أن يحكي فاجعة الموت يطلق الكدي العنان ليفصح عن مشاعره،وهو يصور حاله بعد الفقدان (سأفتقد ضحكتك المجلجلة) (سأحملك معي حتى الرمق الأخير) ( سأضمد جراحك النازفة) (سأغسل وجهك بالدموع ).

الشاعر عمر الكدي حضر الموت في عدد من نصوصه الاخري بأشكال ومظاهر مختلفة لاتتسع المساحة لتناول نصوصه التي كان الموت فيها كحالة وكمحفزاً له على الابداع الشعري.

***

خلود خميس الفلاح

الشاعرة خلود الفلاح تقول في أحد النصوص القصيرة جداً التي تناولت فيها الموت

شاهدة قبر

ترمقني

 بلا اكتراث

تكتفي خلود بنقل صورة مؤثرة للموت، الذي يكتفي بتغييب من نحب، ولايهتم لما يحدت للمفارق  من لوعة الفراق والحزن وغيرها ومايميز نضرة الشاعرة للموت هو إستجلابها للحجر أو العلامة من الرخام المصقول عادة و التي توضع  على حافة القبر

وتشير بمعلومات عن الميت  أو لاتشير و(شاهدة القبر)، تبقى حتى بعد زوال القبر بفعل عوامل الطبيعة فيتساوى القبر مع الارض ويمتحي أثرة وتبقى (شاهدة القبر)  دالة على حالة الموت،  فالموت عند خلود أزلي وباقي ولايهتم بمشاعرنا وأحاسيسنا تجاه فقد من خطفهم هو تماما كما تشير الشاعرة يرمقنا (بلا اكتراث) ويمضي باحثاً عن أخرين يحصد أرواحهم.!!

يحصر الموت في نص أخر للشاعرة خلود الفلاح الثاني تنقل فيه مايتركه وقع الموت في ذهن فتيات صغيرات خطف أبائهن وترك لهن أمهات يواجهنه بصناعة الفرح..!!!

الفتيات الصغيرات

يملأن الفراغ

بحكايات قديمة

عن آباء ذهبوا إلى الحرب

وأمهات يصنعن الفرح

الفتاة الصغيرة

مع الدمية الوحيدة

تتأمل بكاء الضيوف

عن آباء ذهبوا للحرب.

تشير الشاعرة في نصها السابق بحزن وتؤمي إلى فكرة كيف سيطر الموت على أفكار ولعب فتيات صغيرات، فحول فراغهن إلى أستذكار أحاديث قديمة عن الحرب ومأسيها باعتبارها أداة للقتل (يملأن الفراغ..  بحكايات قديمة..عن آباء ذهبوا إلى الحرب)،

في ما أكتفت فتاة صغيرة بتذكر شبح الموت مع دميتها الصغيرة وهي ترمق المعزين وتشهد بكاءهم (الفتاة الصغيرة..مع الدمية الوحيدة..تتأمل بكاء الضيوف)

***

محمد القذافي مسعود

يعرض الشاعر محمد القذافي لقضية الموت بشكل مختلف في قصيدته ومضات

ذات آهـة

أبعد من نجـم

في أقصاي

اشتهيت طعم التـراب

***

كل نفس فيك يصعد

كل طرقة باب محكم الإقفال

كل موت حي.

***

حسنا قالت :

أجلست شيخوختي

 في المقعد الخلفي

واستدرت نحو الباب.

***

قهوتك موجي

مجدافك كحلي

يدك سؤال… ؟

****

ارفع خيمة صمتك

واجعلني اشهد لذة

 الموت في الموت.

***

 في صمتك أغنية

 تعبر ليل انتشائها

 إلى صباح…

 ***

 بالأمس كان موتك

 جميلا…

  أعراسك  جنائز

 تطرب جياع الخطيئة

وتجرح الملائكة.

 ***

اليوم تدعو المراثي

لزبد الكلام

وتأتي بالأوهام  جمرة

في فجر الذاكرة.

***

على أعتابك يقف أهل الحكمة

يحملون قناديل الأسرار

يوقدونها من بحرك.

يقدم القذافي الموت في نصه السابق بصيغة فلسفية، مستغلاً خياله الواسع  فيلخص وجهة نظره في الموت في سطر قصيدته الاولى، فرغم أن الموت عند الشاعر يخلف ألماً وحزنا وانه يحدث ربما بشكل صدفة ( ذات آهـة) إلا أن الموت أمراً بعيد الحدوث عنده (أبعد من نجـم في أقصاي) وهو لايخافه بل يرحب به، ويشتهيه أيضا (اشتهيت طعم التـراب).ويواصل الشاعرمحمد القذافي متحدثا بود للموت وكأنه صديق لدود بل ويذكر محاسنه وصيته الطيب في نفس الشاعر فيقول مثلاً ( في صمتك أغنية..تعبر ليل انتشائها إلى صباح) (تطرب جياع الخطيئة وتجرح الملائكة) ( واجعلني اشهد لذة الموت في الموت). والموت عند محمد القذافي منبع أصيل للحكمة،وسر كبير لايعيه ألا الحكماء الذين لايكتفوا من النهل من منابعة التي لاتنضب ونستكشف ذلك حين يقول (وتجر على أعتابك يقف أهل الحكمة..يحملون قناديل الأسرار..يوقدونها من بحرك)

***

محي الدين محجوب

الشاعر محي الدين محجوب  عبر عددا من نصوصه نقل الموت  من مدلوله المادي المجرد، إلى مدلولات أكثر عمقاً ودلالة ففي صوفية مؤثرة نجد المحجوب يحسد الموت في صورة إنسان

قدرُ الهندوسي

أن يذرّ

في عينيّ الموت

رماده

وفي مرة أخرى يفلسف الشاعر محي الدين المحجوب فيجعله مجرد ظل بعد موته الحقيقي وأنه في الواقع لاموت بل هو أمتداد لحياة وبهذا فقد جعل الشاعر من الموت خلود  متجسداً في ظله فيقول في نص طويل

أوصيتُ ظلّي

إذا شُيّعتُ إلى المقبرة

أن ينشر فوق جنازتي

ظلالهُ.

عندما أموتُ

لن تبقى امرأتي

أرملةٌ وحيدةٌ

سيبدّدُ

ماء وحشتها

ظلّي.

إلى مقبرة الضّوء

أُشيّعُ

جثمان ظلّي.

في النص السابق رغم إيغاله في الرمزية والغموض جاء محملا بشحنة دلالية تنقل الموت من كونه فعل غامض، مبهم، لا تطاله الأيدي والأعين،إلى موجود  له ظل على الأرض!!

***

عبدالباسط أبوبكر محمد

في قصيدته المعنونه (قبرٌ هُناك) يركن الشعر عبد الباسط أبوبكر إلى توظيف القبر كدالة وشاهد على الموت، يرسم من خلاله صورته ونظرته عن الموت فيقول:

قبرٌ هناك

على رابيةٍ عالية

قريباً من قبر جدي

هناك

قرب بئر ( زقدر )*

هناك

قرب هدير موجك

أيها المتوسط

وقرب نخلكَ يا جدي

قبرٌ

لا يسعني

لكنه سيعيدني

إلى ترابكَ

أيها الوطن

مطمئناً

بـ :

رصاصةٍ طائشة

أو سيارة مفخخة

أو فكرة تقطع الرأس!!

ولان الموت هو النهاية الطبيعية للحياة،فقد أختار عبد الباسط التحدث للموت في المستقبل، وكأنه مستبشراً بقدومة لانه لامحالة قادم،للك فالموت عند الشاعر ليس شراً كله ولكنه في نظره لايخلو من مزايا فيقول (لكنه سيعيدني.. إلى ترابكَ..أيها الوطن

مطمئناً) ورغم أن الفكرة الرئيسية للقصيدة تتمحور حول الموت،إلا أن الشاعر يقرر عدم الاكثار من استخذام الألفاظ الدالة عليه فبأستثناء القبر  التي يكررها أكثر من مرة خلا النص من الإشارة للموت رغم ان محتواه لايخرج عن توصيفه وهذا يحسب للشاعر ويضاف الى تميزه في توظيف الرمزية دونا أن يشعر المتلقى أن ثمة غموض في متن القصيدة.وقد شكلت قصيدة قبرٌ هُناك مدخلاً واضحاً بين من خلالها الشاعر عبد الباسط محمد دلالة حبه لوطنه بأنسانية وفاعلية، فجاء الوطن الحي في قلب الشاعر دائما هو هدف الشعر وسر عدم إكتراثه بالموت لانه سيكون بين جنبات الوطن عند موته (لكنه سيعيدني.. إلى ترابكَ..أيها الوطن مطمئناً)

كما أن تصوير الموت بهذة الكيفية من جانب الشاعر مرده على مايبدو إلى الهواجس والخوف من المجهول التي ترتبط بها حياته داخل الوسط الذي يعيش فيه فتتوزع رغباته بين العيش بسلام وبين الموت بأي طريقة وان يضم جسده تراب وطنه في قبر، لان طريقة الموت التي يتوقعها الشاعر ويتحسسها دائما (رصاصةٍ طائشة…أو سيارة مفخخة…أو فكرة تقطع الرأس!!) تجعل  استعجاله الموت ليضمه قبر قريب من قبر جده (قبرٌ هناك..على رابيةٍ عالية.. قريباً من قبر جدي) أكثر جدوى من العيش في حياة مثل التي يعيشها الشاعر.

***

فرج محمد العربي

الشاعر فرج العربي يتخد من القبر دلالة أيضا ليتحدث عن الموت وفي مجموعته  الشعرية (كذبة مثل أرواحنا ) يقول في المقاطع الأخيرة من قصيدته القبر :

 

لقد أيقنتُ تماما بأنني

اسردُ عافيتي ,

والقبرُ يضيق ,

عليكم أن تؤجلوا موتكم قليلا

حتى نعد الحوانيت والأكفان

ونجد مكانا ملائما لاستقبالكم

 

حاولت أن اقنع البعض بالعدول

لكنهم يبحثون بضجة عن موقع

يدفنون فيه رؤوسَهم

 

كل الأماكن تقريبا شاغرة..

حاولت أن امدد عمر القبر

حاولت.. لكنني تركت الكلام الجارح ينام بحذر

 

فكروا قليلا

في المباهج المعلبة

الحياة تستحق أن تعاش

لا تتزاحموا بهذا القدر

ليس بوسعي استقبال الجميع

القبر الذي أعده يتسع لي فقط..

 

 يلاحظ من يستقصي النص السابق للشاعر  فرج العربي أنه قد أقام علاقة من نوع خاص مع الموت  بحيث صار في الامكان أن يؤجل ساعة حضوره، (حاولت أن اقنع البعض بالعدول.. عليكم أن تؤجلوا موتكم قليلا… ليس بوسعي استقبال الجميع!!) وهذا مكنه من أن يمتلك خصوصيته في النظر للموت وفق نظرته الذاتية دون الاخلال بخصائص البناء الفني الابداعي لقصيدة القبر برمتها هذا القبر الذي حوله العربي الى مجرد مكان يستقبل رواده وفق ضوابط محددة أشترطها الشاعر بنفسه.

أخيراً لابد من الإشارة إلى أن الموت رغم فجاعته، شكل بشكل أو بأخر مصدراً هاماً للإبداع الشعري،وحافزاً قوياً للإلهام لديهم،وأن لم يتسع المجال والمساحة المخصصة لإستعراض إبداع كثير من شعراء وشاعرات ليبيا،ولكنني ارتأيت أن أحفز غيري،ممن لديهم القدرة والأمكانيات أن يتناولوا هذا الموضوع بشكل أكثر تفصيلاً، خاصة وأن الموت مادة متاحة وخصبة  تتجلى بشكل بارز وواضح في العديد من النصوص الشعرية التي  قدمها شعراء يواجهون الموت كل لحظة بسبب مايحدث في ليبيا الان

ما هو تقييمك لهذه المشاركة؟

عن سالم أبوظهير

سالم ميلود أبوظهير، ولد في غريان 20-10-1966.
كاتب وأستاذ جامعي متحصل على ليسانس في الدراسات النفسية، وليسانس في اللغة الفرنسية ، وماجستير في الإدارة التعليمية من جامعة طرابلس ، وعلى درجة الدكتوراه من قسم الدراسات الاستراتيجية بجامعة هدرزقيلد البريطانية
في منتصف التسعينات بدأ الكتابة في صحيفة الشمس، إلى جانب نشر نتاجه الصحفي والادبي في مجلة البيت ومجلة لا ، ومؤخرا مجلة ميادين الأسبوعية. كما نشر نتاجه في بعض المجلات العربية والمواقع الالكترونية والمدونات التي تهتم بالأدب والثقافة ….

إلى الأعلى