كازا

لطالما منيتُ نفسي بالعودة وزيارة المغرب مرة أخرى.

المغرب التي زرتها مرات في شبابي أيام كنتُ طالباً, كان حنين يشدني لها أو يشدني لشبابي فيها, وكنتُ من حين لآخر اقف أمام المرآة وأمسح على رأسي الأبيض وأعده بزيارتها مرة اخرى, وكان هذا الرأس يعرف أنني اكذب عليه ساعة أركب قاصداً عواصم اخرى.

مؤخراً زرتها, سنحت لي الفرصة وكنتُ واحداً ممن أوفدتهم الدولة إلى معرض الكتاب في “الدار البيضاء”, فوقفتُ أمام المرآة بكل ثقة, ومسحتُ عليه وسحبتُ تدكرة السفر ليراها بعينيه, وشعرتُ بضحكة كبيرة تقهقه في أركانه, وفي اليوم التالي كانت الشمس تغطس أمامنا في أقصى المحيط ونحن نباشر هبوطنا على ارض مطار “محمد الخامس”, وكان الليل يدفع ما تبقى من النهار عن الدار البيضاء والتاكسي يفتش لي عن فندق أنزل فيه.

عشرة أيام ولا شغل لي سوى المعرض, ثم زيارة تلك المحال التي ترددتُ عليها في السابق, خصصتُ لها اليوم ما قبل الأخير, واستأجرت سيارة جالت بي في أنحاء المدينة بحثاً عن تلك المحال, وبالفعل وجدتها, أو وجدت أكثرها…. وجدتُ أبوابها وروائحها ومناظرها وجدرانها, وبعض من شغاليها, لكنني لم أجد العين التي رأتها يوماً, العين التي جالت يوماً في جناباتها, العين التي فتشت يوماً فيها والعين التي وجدت يوماً فيها.

ولم أوفاجأ!

كنتُ أعرف أنني قد تجاوزتُ السن القانونية للدار, وأن كل شيء فيَ تجاوز السن القانونية, لكن اللافت أن هذه الدار البيضاء لم تتجاوز شيء, لم تتجاوز الأربعين, بل تراجع بها العمر وازدادت بياضاً, أخبرتُ سائق السيارة عن ذلك, وعن كل المدن وكيف يزداد بياضها وروعتها مع الوقت, إلا مدن القذافي مات وتركها خرابة.

تأسف هو .!

وحمدتُ أنا الله .!

” كازا ** بلعودة إن شالله يا كازا ** انجوك أجازة ** اتنسينا فيّام العازة”, هكذا كان شاعر جنوبي من ليبيا يتغنى بكازا في ثمانينيات القرن الماضي, أو في ثمانينيات العازة كما وصفها في شعره.

كل شيء في كازا لم يتجاوز الأربعين من العمر, كنتُ أقف عند تلك الجدران والأبواب التي أعرفها وأعود, أتردد ولوجها. لم أحسب يوماً أن للعمر أبواباً مختلفة تنساق عكسياً مع سنواته, وما تخرج منه اليوم قد لا يجوز دخوله غداً.

لا أحب الأبواب…

أنا بطبيعتي لا أحب الأبواب, ولا أرى فيها سوى أداة للإغلاق, وهذه المرة بغضتها أكثر, وتأكدتُ أنها لا تصلح إلا لسد المداخل, كنت أقف عندها وأعود, وكانوا يدعونني للدخول وكنتُ أتراجع, عرفتُ أن للعشرين من العمر أبواباً وللخمسين أبواباً أخرى, فأعطيتها ظهري, وشعرتُ بالسنوات , وبالعمر, وبمضي العمر. لم يرسلنا القذافي مرة لحضور معرض, كنا نسافر فقط لنبتعد عنه وعن أجوائه.

زرتُ شقتي زمان, وسألتُ عن فندقي, والشارع, والحانة, وعثرتُ على المرأة التي أمست عجوزاً, نعم عجوزاً ووقعت جل أسنانها من شرب الخمر, قادتي إلى بار “الرالي” الذي كانت تعمل فيه, قيل لنا يومها أنه لـ “عبد الهادي بالخياط”, واليوم تغير المالك وتغير معه كل شيء, كان قريباً من مكتب الخطوط الليبية سابقاً, وكان شباب من طرابلس وبنغازي والزاوية ومدن أخرى يدخلونه ويخرجون منه, وكنا نحن أهل القرى آخر مَن يدخل الرالي.

ركبتْ العجوز إلى جانبي في السيارة, وقادتني إلى أماكن أخرى لازالت صورتها في الذاكرة, أخبرتها في الطريق عن الربيع العربي, لم تهتم, حاولتُ أن أشرح لها, قاطعتني وقالت أنه تأخر عنها كثيراً, جاء بعد فوات الأوان, بعد فوات الأمل والمستقبل وكل شيء, ولم يبقى فيها شيء يصلح للربيع, كانت العبرة تخنق كلماتها وهي تجاهد لتقول, ولا يعنيها لا محمد السادس ولا محمد المئة, وفي النهاية عُدت بها إلى المكان الذي أخذتها منه, بعد أن دسستُ في جيبها ورقتين, وبادلتها الإبتسامة, وذهبتُ وكتبتُ هذه الأسطر على عجل.

عن إبراهيم بن عثمونة

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى