محاولة القبض على سيرتي الأدبية؟! (1)

1
أظني كتبت طرفا من هذه السيرة في بعض الحوارات التي أجريت معي، وربما سمعها الكثير من صديقاتي وأصدقائي في الإبداع وأنا أروي نتفا منها.
الصديق المبدع “يوسف الشريف” كلما سمع حكاية منّي قال: اكتبي يا حوا هذ السيرة.
وإذا حاولت أن أكتبها من أين أبدأ، ما معنى سيرتي الأدبية.؟ وكيف تتكون هذه الشخصية الإبداعية، كيف انبثقت هذه التي يمكن أن أسميّها ” كاتبة “؟. في أحيان أرى كأن حكايتي وحكايتها متشابهتان.؟
من هي.!؟ هي طرابلس التي باحت بأشجانها ” وغَزْلَّهَا تَخْبِّلْ ”
وأنا التي صار اسمها الأدبي المتعارف: حواء القمودي.
التي أصدرت ديوانها الأول بعد خمس وثلاثين عاما من نشر جزء صغير من قصيدة طويلة، (هوامش البراءة) كان العنوان الذي اختير لهذا الجزء مصحوبا بلوحة للفنان “محمد رضا” (دلال المغربي 83/3/25م طرابلس) :

هوامش البراءة
طفلان صغيران
يلتف الزمان حولهما…
ترتسم البراءة
في عينيهما…
ويتجسد النقاء
في ضحكتهما…
يتراكضان قرب
كرمة عنب…
يتسلقان
الجذع
يسقط…
.. تضحك
رفيقته الصغيرة.

يركضان معا.. حول جذع
شجرة النخيل الأصيلة
يقذفها بحجر
فتدمع عيناها
ويقف مذهولا
أمام دموعها
الغزار
فلا يجد سبيلا
إلا أن يمسح
الدمعات الرقيقة
وأن يقبل رفيقته
الصغيرة.

صغيران كنا أنا.. وأنت
نركض معا.. ترفعني إلى
أعلى
تضحك من نحافتي
وأبكي بحرقة
تلاطفني
ونشق الطريق الطويل
معا
تحدثني عن عصا الأستاذ
الغليظة
وعن (الفلقة) التي
أطعمك إياها والدك
أضحك بصخب
وأتمايل… مع ضحكتي
وأتفاخر
بأن أبي
يحبني أكثر
من حب والدك
لك
وبأنه لا يضربني
لأني وحيدته.
….

نص هوامش البراءة
نص هوامش البراءة

أمّا حكاية هذا النص الذي نشر في الصفحة 21 من صحيفة الجماهيرية 22من ابريل 1983م، حكايته جزء من حكاية “حواء القمودي” تلك الطالبة بمعهد 10 مارس للمعلمات بسوق الجمعة، كانت بالسنة الرابعة والنهائية في قسم علوم ورياضيات، بدأت الكتابة من فترة مبكرة ولكن في عام1982 وتحديدا في صيف ذاك العام وهي في بيت خالتها “سالمة” في (باب الحرية) قبالة (سوق الحوت)، كنت طالبة في السنة الثالثة معهد وراسبة في مادتي الانجليزي والكيمياء، وأستعد للدور الثاني، وستتكفل بنات خالتي أو تحديدا “جميلة وليلي” بمهمة تدريس هاتين المادتين لي. في ذاك الصيف تواصلت عبر الهاتف بصحيفة الجماهيرية، وكان صوت “فاطمة محمود” أول صوت سمعته، كيف عرفت ذلك لأني سألتها، وحين قلت لها عندي موضوع صغير ونبي نملّيِه عليكم، رفعت صوتها قائلة: يا أولاد. وانسرب صوتها بعيدا عني تحادثهم، ثم يأتي صوت لولد من أولئك الأولاد.

وهكذا أمليت أول مقالة أو تحديداً ردّ على مقالة مكتوبة بالصحيفة لكاتب اسمه “جمعة الولوال” وكان يهزأ من البنت الليبية التي تريد الذهب والحرير ولن تذهب للنضال في جنوب لبنان، وكانت مقالتي ردا عليه والتي نشرت بعنوان (آتية معك) وباسم “أريحا صامد” أي واللهّ!؟
حين سألني من كتب المقالة عن الاسم الذي سيكون مع الرد فقلت “أريحا صامد”. هذا الاسم الذي سيكون توقيعي لعدة مقالات حتى يتم اختيار اسم “دلال المغربي”، الذي سيصاحب نصوصي حتى 1995م مع نص (أراقب العالم بدهشة) والذي نشر في مجلة (الـنـاقـد)، في الملف الخاص بالأدب الليبي.
ولكن متى عرفت (صحيفة الجماهيرية)؟! سؤال مهم لأن غياب الأكشاك جعل العلاقة بين القارئ والصحيفة والمجلة تنفصم، لم تعد في متناول اليد يجدها في كشك معروف يتجه إليه؟
هل أعرف الأكشاك، طبعا (كشك في سوق الجمعة) ذات مرة ومع بنات عمي وقفنا واشتريت (مجلة الأمل)، كنت في الصف السادس وكانت العطلة وعلى أقدامنا من (السانية) إلى السوق المركز حيث يوجد كشك الصحف والمجلات وهكذا اشتريت الأمل بخمسة قروش في عام 1975.

إذن لا صحف ولا مجلات إلاّ إذا كان هناك في البيت أحد يحب القراءة، وكانت (مجلة العربي) مجلة شهرية لا تغيب عن بيتنا كل شهر، أما (صحيفة الجماهيرية) فجاءت عن طريق “خوى الكبير” وكانت الصحف تجيئهم في العمل، وهكذا دخلت بيتنا في بداية عام 1982م، ولأن القراءة شغفي وأحب ملمس الورق فقد صارت تلك الصحيفة صديقتي وأنتظرها كل أسبوع خاصة أن الأدب من شعر وقصة يأخذ حيزا مهما، ومن خلالها تعرفت على “خليل حاوي”، والأدب الثوري: بابلوا نيرودا، ناظم حكمت، فؤاد حداد وووووو، عرفت خبر انتحار “حاوي” وبكيت وو…
إذن في صيف 1982م كنت أجهز نفسي للدور الثاني، لكن ذلك لم يمنعني من كتابة ردّ على مقالة استفزتني وكان ثمة هاتف (وآآآه لوتعرفون حكاية العشق بين بنت من برج الجوزاء والهاتف)، واتصلت ووو نُشرت تلك المقالة الصغيرة، ودخلت الدور الثاني ونجحت للسنة الرابعة.

المقالة الثانية كانت عند بدء المؤتمرات الشعبية في عام 1983، وكان موضوع الزواج والطلاق أحد المواضيع المطروحة للمناقشة، وحضرت بعض النقاشات التي تدور من خلال متابعتها بالتلفزيون، وكتبت مقالة طويلة وأيضا وعبر الهاتف في بيت خالتي “سالمة”، (لم يدخل الهاتف بيتنا إلا في بداية الألفية الثانية)، إذا كما حدث في المرة السابقة تمت إملاء المقالة، وكان عنوانها كما اخترته (أنا وأنت وهمومنا يا رفيق)، ولكن حُذفت كلمة (رفيق) لمحمولاتها السياسية، وظل العنوان (أنا وأنت وهمومنا) وأيضا باسم “أريحا صامد”.

ومقالة أخرى عن (روايات عبير)، هذه الروايات التي سلبت قلب بنات المعهد وفي حصة الكيمياء أو الفيزياء وأنا منهمكة في كتابة المعادلات والانتباه لشفتيّ المعلم أو المعلمة كي لا تفوتني نأمة، وجدتهن منكبات على شيء ما مستغرقات وغائبات عنّا؟! لأكتشف أن ثمة كتاب بحجم صغير يختبئ بين الأفخاذ، وأن العيون هناك تنصب لتقرأ بنهم، لأن ذلك الكتاب سيتم تمريره لكل الطالبات فمن تجيء به للمعهد طالبة محددة والرعب أن يتم ضبط ذاك الكتاب، ولهذا كان التخفي وحتى عدم اعلام بعض الطالبات خوف الوشاية، ولا أدري سبب غضبي من تلك الروايات، (كنت (دراه كبد)، معقدة ومثالية)، تمّ تسليمي النسخة وتحلقت البنات حولي وقرأت بعضا من الرواية وغضبت واعتبرتها كارثة على الأخلاق، وهكذا كتبت مقالة عنها نشرت لا أدري متى؟

صحيفة الجماهيرية
صحيفة الجماهيرية

كانت حرب جنوب لبنان، ومقالات “عبد الرحمن الجعيدي” من هناك تنشر تباعا في الصحيفة، وهكذا على منوالها أو ربما ردّا أو لا أدري كتبت مقالة، مقالة جريئة تتساءل فيها البنت التي دخلت العشرين: تتساءل (إنه الشهر الرابع بعد العشرين.. فما تاريخنا مع الحب يا قلب أجب).
وتقول: لماذا لا أخرج مع صديقي يداً بيد.. دون أن يقول أحد ما “لا”.
هذا ما أتذكره منها ولكن كان العنوان غير عادي وأيضا تغير الاسم، (بيان ضد أبي وأمي)، هذا هو العنوان أمّا الاسم فكان “بنت سوق الجمعة”، كان هذا في أواخر عام 1982م تقريبا.
متى كان اختيار اسم “دلال المغربي”؟
كان في مكالمة هاتفية، ولكن هذه المرة في بيت خالي “مصباح”، حيث اتصلت وردّت “فوزية شلابي” والتي أبدت ملاحظة عن الاسم، وطلبت أن أختار اسماً محدداً، وهكذا جاءت “دلال المغربي”.
لا تسألوني عن حكايتي مع (فلسطين)، تشّرب قلبي كل وجع هذه القضية باكرا، وأغنية (أنا صامد صامد.. وإن هدموا بيتي يا بيتي في ظل حطامك أنا صامد). وأغنية لفيروز وشابة فلسطينية تطرد من حقل البرتقال الذي يقع منها وتدعسه قدم غليظة، ثم “دلال المغربي” و كيف كتب “نزار قباني” عن تلك العملية الجريئة، وقصيدة في (مجلة العربي)، مهداة إلى “دلال سعيد المغربي”. اسم القصيدة (الموت الجميل)، كان طبيعياً أن أختار اسم “دلال المغربي”، لتكون المصادفة أن أول مقالة يذيل باسمها عن فلسطين، بعد مجازر (صبرا وشاتيلا) بعد رؤيتي لخريطة لفلسطين في بيت أسرة فلسطينية وكان اسم مدينة (سخنين) وقصيدة، وتتدفق مقالة بهذا الوجع الذي جعل من قطع اللحم في (المكرونة) كأنها اللحم الفلسطيني العاري، وكان عنوان المقالة الذي وضع لها (بين المكرونة الحارة وبين الشرفاء)، وكان الاسم “دلال المغربي الليبية” وكان هناك قصيدة للشاعر “مريد البرغوثي” في نفس العدد. قصيدة كلما قرأتها أرتجف كما أرتجف الآن.

وذات عشية بعد أن ضجرت من دروس الرياضيات أو التفاضل والتكامل والهندسة والجبر والاحصاء والفيزياء ووو، جلست لأكتب في كراسة عن حكاية البنت الصغيرة وصديقها الذي كبر الآن وصار (ضابطا يلبس الكاكي ويضرب أخته بحذائه العسكري)، عنها وهي تجلس خلف صديقها الصغير حين يكون عائدا بدراجته مارّا على مدرستها، وحين كبرت صارت تضع حقيبتها وتكمل الطريق مع صديقاتها فتجد الحقيبة مرمية في الـ(سقيفة).. ووو هل كانت عشر صفحات كاملات من الوجهين، لأنها حين وضعت الأوراق في المظروف وأغلقته كان حجمه كبيرا، حتى أن صديقتها المعلمة “زهرة…” أبدت الملاحظة وهي تزن المظروف على يدها، وصديقتها هذه من أوكلت إليها مهمة وضع مظروفها في بريد (سوق الجمعة) لأنها لا تستطيع الذهاب، وهكذا مرت أيام أيام وأيام وهي تبحث عن كتابتها، ربما مرّ شهر حين وجدت هذا الجزء الصغير من كل تلك الكتابة.
ليس لدي أي نسخة من تلك الصفحات فقط هذا المقتطف الصغير والذي عنوانه (هوامش البراءة)،، وضاعت كل تلك الحكاية، ولكن ظل هذا النص الصغير شهادة وإشارة لتلك الشاعرة التي بدأت تطل برأسها من وراء حجاب هو الاسم المستعار.
سأكتفي الآن الساعة الثانية عشرة وحداش دقيقة.. يوم الاثنين 27 مايو، 22 رمضان 1440 هجري.

________________________________________________
ملاحظة / تحصلت على صورة من النص بكرم الدكتور “عبد الله مليطان” والذي تحوى مكتبته كنوزا من الثقافة الليبية ، ألف شكر له.

عن حواء القمودي

الاسم: حواء القمودي الحافي. اسم مستعار: دلال المغربي (نشرت به نصوصها الشعرية). تاريخ الميلاد: 11/6/1962 مكان الميلاد: طرابلس-سوق الجمعة / ليبيا مجالات الكتابة: الشعر - النقد - الكتابة الصحفية. تعريف قصير: في (سانية الحافي) في حجرة جدتي على (فراش رمل) ربما الولادة قد جعلتني أحب الأرض كثيراً.. وأنتمي لكل من فيها .. وكانت الكتابة هي التعبير عن الحب عن الانتماء... وكفى. دبلوم علوم ورياضيات 1983، ليسانس لغة عربية/ جامعة الفاتح 1990، تستكمل دراستها العليا في (المرأة في الشعر الليبي)، عملت ضمن أسرة مجلة (البيت) مشرفة على الملف الاجتماعي بالمجلة، رأست تحرير مجلة الأمل للأطفال، تعمل حالياً بالتدريس. صدر لها: قصائد تضيء الطريق من طرابلس إلى القاهرة، أنطولوجيا قصيدة النثر الليبية، القاهرة، 2018. مخطوطات: - أركض في حقول الريح/شعر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى