“جورج” وأنا

من أعمال التشكيلية سعاد اللبة
من أعمال التشكيلية سعاد اللبة

لم تكن علاقتي بجورج سيئة، لكنها لم تكن حسنة.. طوال سنتين من الإقامة في مقر سكناه كان يلعب معي دور المناكف المستفز، وفي المقابل تطور رد فعلي معه من السذاجة إلى الترقب ثم إلى التجاوز عنه بالكامل… على عكس زوجته “آن” لم تتفاعل الكيمياء البشرية معه منذ أول لقاء.

تأخرت “آن” خطوتين عند مدخل الباب وقدمته إليّ: هذا زوجي.
أخبرني حين مددت له يدي مصافحة أن اسمه جورج وأنه لايتحدث إلا الفرنسية.. هكذا بكل بساطة وضع من أول لقاء حاجز اللغة بيننا..
وبعد أن فرغنا من تناول العشاء تلك الليلة، أمسك جورج بعلبة سجائره الجلواز السماوية، سحب منها سيجارة قصيرة القوام دخنها باستمتاع ثم سحقها في صحن أكله بينما كان ينفث دخانه نحو السقف. لم أستسغ حركته هذه.
طويل القامة، ضعيف البنية، شعره بني غزير ينبت حتى مقدمة جبهته، وعيناه خضراوتان، ضيقتان وقريبتان من عظمة أنفه، وفمه واسع، تكشف ابتسامته عن أسنان غير منتظمة.
تصحو “آن” باكرا قبل جورج، تخرج سريعا لشراء قطعتي “باجيت” وأحيانا كرواسون أو خبيز الشوكولا، تعد الإفطار المكون من قوالب الباجيت الساخنة مع الزبدة والمربى سريعا وتصنع الشوكولا الساخنة. كنت أرى بيضتين تغليان على نار عالية تتقافزان فيها وتتصادمان…
– ”هاتان لجورج.. يحب البيض المسلوق والقهوة”.
ما إن تفوح رائحة القهوة، حتي يمر جورج بمحاذاة المطبخ، يتنحنح ثم يلقي بالتحية على عجل “بنجور”.
– بنجور شيري.
ترد “آن” بصوت واثق.

كانت حجرة جورج و”آن” تغلق الممر الطويل، في حين تقع بقية الغرف على جانب واحد حجرة الإبن جان، ثم الفتاتين ثم حجرتي. يفتح الممر على غرفة واسعة تضم طاولة الأكل ثم صالون، تطل على الشارع الرئيسي العريض.
لا يخرج جورج من حجرته إلا بكامل قيافته، بذلة وربطة عنق وحذاء، وكأنه على موعد، وعند عودتي مساء من العمل، أجد جورج جالسا على الكنبة المقابلة للباب يحجب وجهه بجريدة “لوفيغارو”، فيما أنا أحمل معي جريدة “ليبراسيون”.
تأتي “آن” بالعشاء، وتناديني…
منذ اليوم الأول حدد لي جورج مكان جلوسي على الطاولة، وأفمهني وهو يوجه الحديث إلى ابنته أن الجلوس للعشاء يكون بزي مناسب…
– بابا تقول لي هذا الكلام في كل مرة يسكن لدينا شخص جديد. أحرج جورج، فتدخلت “آن” وهي تهش بيدها لتلطيف الجو…
– آه لا تلقي بالا.
قاطعها جورج بإبتسامة.
– لا “آن” نحن كما تعلمين عائلة أرسقراطية ولنا طقوسنا على العشاء.
التفت نحوي وأردف:
– أتعلمين أن هذه الطاولة التي تتناولين عليها العشاء تعود للويس الخامس عشر.
فتحت عينيّ مندهشة. ثم أشار لقطعة أثاث أخرى وقال.. وهذه أيضا. التفت إلى ابنه قائلا.. “أليس كذلك يا جان”؟ قضم جان لقمة وهز برأسه علامة الموافقة.
لكن جورج لم يكتف بذلك… ففي كل مرة تحضر “آن” نوعا من الفاكهة، يبتسم بخبث ويسألني ” هل تعرفون الموز في بلادكم”.. كنت ما أزال في مرحلة أصدق فيها جورج، ولا أعي المغزى المتواري خلف كلماته…
– طبعا.
كان هذا السؤال يتكرر في كل عشاء، وحول أي فاكهة تقدم حتى وإن تكررت.

يولي “جورج” للعشاء مكانة خاصة، يجلس على رأس الطاولة، يضع يديه على جانبي الصحن، يلامس أحيانا الأدوات، يبدو متعاليا وكأنه يهم بالإعلان عن أمر مهم… يتناول أكله بتروٍ، ثم يتناول الجبن، وفي كل مرة يحكي لي عن الصنف ومحل إعداده.
يعيد قصص أجداده، ويكرر لي أهمية لقبه الذي يبدأ بحرف دال صغيرة، وفي كل مرة يستنجد بجان الذي يكتفي بهز رأسه.
غالبا ما تلوذ “آن” بالصمت بعد يوم طويل مرهق، مهمومة وكأنها تستبق غدها وما ينتظرها فيه.
قلّ حضوري للعشاء شيئا فشيئا، ولم أعد أرى جورج إلا لفترات متباعدة.
قطع صمت العشاء ذات يوم…
– لماذا تقرئين ليبراسيون؟
– ولماذا تقرأ لوفيغارو؟
بدأت إجاباتي على جورج أكثر عمقا وجرأة. لكنه وكعادته يبتسم كلما صعبت عليه الإجابة.
وفي مرة أخرى…
– تكتبون بالمقلوب أليس كذلك؟
– بالنسبة إلينا أنتم من يكتب بالمقلوب.. أنت تقول لي نحن جنوبكم، ونحن نعتبر شمال دول أخرى.. انتم إلى الجنوب من الدنمارك مثلا.. اليس كذلك؟
– نعم.. نعم صحيح.
كانت “آن” تنهض باكرا، تعد أولادها وتصطحبهم للمدرسة، ثم تعود لأخذ عربتها الصغيرة ذات العجلتين لشراء الحاجيات، تنظف البيت وتعد الغذاء ثم تذهب لإحضار أولادها للغذاء ثم تعيدهم مجددا إلى المدرسة وتعود بهم عند نهاية الدوام الدراسي، كما أنها تتولى بعض شؤوني.
أما جورج، فكان بكامل حلته، جليس البيت، يتحرك براديو صغير، ويقرأ “لوفيغارو” في المساء، يتصدر طاولة العشاء، ثم ينهي يومه بسحق السيجارة في صحن أكله.
باحت لي “آن” ذات يوم…
– جورج عاطل عن العمل، لكنه يخطط لترميم بيت جده في برتني.
– هل ستنتقلون إلى هناك؟
– هذه الشقة ليست ملكنا، إنها ملك لشقيقة جورج، وعلينا الرحيل ذات يوم.

فهمت أن جورج يعجز عن دفع الإيجار أحيانا.. رغم أنه يتقاضي أجرة إقامتي أول كل شهر.
تفاجأت حين أفصحت لي “آن” ذات صباح أن والدتها ستزورهم وتتناول العشاء معهم. لم أر أي زائر في بيتهم، ولا حديث عن أسرة “آن”.
“حاولي أن تكوني معنا.. أمي من مؤسسي حركة السلام الأخضر.. جورج وأنا نختلف معها فكريا”.. كان هذا وحده كفيلا بأن أحضر للعشاء ولتكون فرصة للقاء بها.
حين أطلت كارولين علينا، كنا جميعا في حجرة الجلوس بانتظارها، إلا جورج الذي وقف يواجه النافذة صامتا.
صافحت “آن” والدتها عن بعد، كانت مضطربة بوجه يميل للحمرة، أما كارولين الستينية فكانت بكامل عافيتها، أنيقة ورشيقة، بدت أصغر من ابنتها لولا أنها أسلمت شعرها لرماديته.
– هذه فتاة جديدة؟
تدخلت “آن” كعادتها لرفع أدنى حرج…
– لم تعد كذلك، لها معنا حوالي السنة.
– آه اذا أنا لم أزركم منذ سنة.
كنت أرقب ظهر جورج الذي بدا لي كجدار منسي لم يتكئ عليه أحد برزت من شقوقه الحشائش وتسلقت عليه النباتات، رأيت خيوط بذلته منسلة وألوانها في بعض المواضع باهته. التفت فجأة نحونا واتجه ببطء نحو كارولين. توقفت كارولين وانتظرت حتى اقترب جورج بمسافة تسمح بالمصافحة.. هكذا وصلت مصافحته باردة وكانت في الحقيقة أقرب إلى الملامسة.
– مرحبا بك كارولين.
ابتسمت له ولم ترد.
تدخلت “آن” سريعا…
– أمي هذا مقعدك إلى يسار جورج.
مايزال جورج يتصدر المائدة، منغمسا في تفكير عميق. أحضرت “آن” الطعام…
– أعددت لك طبق البطاطس الذي تحبين.. هي أيضا تحبه. أشارت لي.
هنا رأيت جورج يتململ وكأنه يعد العدة كعادته لنفث كلماته.. موجها حديثه لجان.. تمضخ وجه “آن” بالحمرة وهي تتململ وشعرت باضطرابها وقلقها…
– جان يا بني… لا أعرف لماذا يتضايق الأسود حين يوصف بالأسود.. أنا لا انزعج حين يطلق علي وصف الأبيض. الأسود هو لونه أليس كذلك؟
لم يكن لحديثه أي معنى.. كان كمن يطلق النار وسط عرس، أو كمن يغني في مأتم.
نظر جان بخبث إلى جدته واكتفى بهز كتفيه.. حاولت كارولين تجاهله، لكنني كنت متيقنة أنه سيستمر حتى يحقق مبتغاه.. لذا تدخلت…
– يعتمد كيف تقال له.. كله يعتمد على الظرف وطريقة الكلام أو سياقه.
رأيت عيني كارولين تشعان.. وهكذا أخذت أتقاذف الحديث معها باحتراف.. خرج جورج وتبعته “آن” من الحديث حتى أصبحا لامرئيين.. كانت كارولين قد عادت للتو من رحلة إلى أفريقيا مع “جرين بيس”.

تنحينا جانبا بعد العشاء، كانت عيناها تلمعان فضولا، لم تتوقف عن سؤالي وهي تردد في كل مرة “أه هذا ممتع”، كان جورج يستمع وهو يهز ساقه بعصبية.
“زوجي شارك في معركة العلمين.. في بلدك، كان جنرالا في جيش فرنسا الحر لكنه تحول إلى داعية سلام”.
لاحظت علو صوت جورج وحركته العصبية محاولا جذب انتباه إبنه نحوه وحجب حديث كارولين عنه، أما “آن” فكانت كعادتها مستمرة في دعم حديث جورج الأجوف، تاركة كارولين بالكامل لي.
أستمعت إليها بشغف، ولم يؤثر جورج في استرسالها أوإنصاتي لها.
بعد أن خلد جورج و”آن” إلى النوم، استرخت كارولين على الكنبة بعد أن تخلصت من حذائها الخفيف وواصلت حديثها.. كانت تنظر للسقف، وأحيانا إليّ كلما اشتدت قتامة ذكرياتها.
“كان أول قرار شجاع له خلال الحرب العالمية الثانية حين انضم على خلاف زملائه إلى المقاومة، وأصدر فيشي بحقه حكما بالإعدام. كان ضابطا في المظليات.. أنجبنا أربعة أطفال ثلاث بنات وصبيا.. لكن أصعب قراراته كانت حين عارض الحرب في الجزائر وناهض التعذيب فيها. آزرته في قراره.. أطلقوا عليه نعوتا عديدة.. وصفوه بالخيانه.. لكننا صمدنا حتى وصل ديجول لقراره بالخروج من الجزائر“.
كنت صامتة طوال الوقت، أكاد أن أكتم أنفاسي خشية أن تقلقها أو تقطع حديثها…
“بعدها شاركنا معا في تأسيس جماعة جرين بيس.. ركبنا المحيطات واقتربنا من البوارج الحربية الضخمة في محاولة لتأليب الرأي العام ضد التجارب النووية…”
ابتسمت “أتعاون حاليا مع منظمة العفو الدولية وأتبنى بعض سجناء الرأي…”
– أريد العمل مع “جرين بيس”.. صرخت بحماس.
ضحكت كارولين…
– سأرتب لك لقاء مع صديق يعمل في المجال الإنساني، سيجد لك مكانا مناسبا.
منذ ذلك اليوم، قررت أن يكون هذا العشاء الأخير مع جورج و”آن”.
وحين علمت من جان ذات يوم أن جورج و”آن” صوتا في الانتخابات لليمين المتطرف قررت أن أرحل عنهما.
في يوم مغادرتي، رأيت جورج يقف أمام النافذة موليا ظهره للجميع.. بدا لي ظهره جدارا قديما مشوها.. أما “آن” فبدت لي عجوزا مهمومة ومرتبكة.. شعرت أنهما يفكران في الضائقة المالية التي ستنجم عن رحيلي.

تذكرت كارولين أيضا وهي تهمس لي “لا أطيقه.. كيف تعيشين معه…” تذكرت انقباض ملامحها وصوتها المرتعش وهي تحبس دموعها وتشيح بوجهها عني “يا إلهي كيف “لآن” أن تكون زوجته؟ لكنها تظل ابنتي التي أضعت…”.
شعر جورج بحركتي، التفت وتقدم خطوات نحوي، صافحني وكانت المرة الثانية خلال إقامتي. أصدر صوتا وكأنه يسرح كلمات عالقة في حنجرته، كنت أرغب في وداع باهت بدون أية انفعالات.. أطرق برأسه نحوي وقال “أبليت بلاء حسنا في حياتك، سأعترف لك بأمر.. أنت أفضل مني”…
اقتصرت “آن” التي وقفت عند الباب على الابتسام، أما أنا فتلعثمت واكتفيت بالقول ”وداعا”.

_________________________
2 يونيه 2019

عن عزة المقهور

عزة كامل المقهور. من مواليد طرابلس 1964، ولدت في بيت قانوني وأدبي فوالدها المرحوم كامل حسن المقهور محام معروف ومن روائد القصة القصيرة الليبية، ووالدتها السيدة سهيرالغرياني من أوائل الخريجات الجامعيات الليبية ومن مؤسسي مجال الخدمة الإجتماعية في ليبيا. تخرجت عزة المقهور من كلية الحقوق جامعة بنغازي في عام 1985، ثم تحصلت على درجة الماجستير في القانون الدولي والمنظمات الدولية من جامعة السربون بباريس عام 1988. تدربت بمكتب دولي للمحاماة، ثم أسست مع والدها مكتب المقهور وشركاه عند إعادة مهنة المحاماة عام 1990. كاتبة قصة قصيرة، وصدرت لها مجموعتان قصصيتان الأولى بعنوان "فشلوم/ قصص فبراير"، والثانية بعنوان "30 قصة من مدينتي"، ولديها مجموعتان تحت الطبع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى