التمنع في قصة محمد الزنتاني .. نص (القرار) نموذجاً

حين تدخل يدك داخل جراب ممتلئ،  فليس بالضرورة أن تلتقط أرنباً سميناً، ذلك لأن محتويات الجراب تعبث هي الأخرى معك، تقترب من أصابعك قليلاً وحين تظن أنك قبضت عليها تفلت هاربة… أحياناً توهمك بأنك أمسكت بضالتك، وحين تسحبها إلى الخارج تجدها شيئا آخر غير الذي تطارده… قد ترهقك اللعبة، وربما تفقد صبرك قبل أن تكتشف أن (التَّمنُّع) بالنسبة للأشياء هو سلوكٌ طبيعي يصارع غريزة (التملك)، تلك الغريزة الجامحة التي تعزز الرغبة في  البقاء بأشكاله المتعددة والذي قد يأخذ شكل الرغبة في امتلاك (الحقيقة) أو امتلاك (المعرفة)، أو امتلاك (النص!!).

القاص محمد الزنتاني
القاص محمد الزنتاني

امتلاك (النص) أو الإحاطة به، أو الوصول إلى مضامينه وتفكيك شفرته ورموزه هو أشبه بحركة اليد في ظلمة الجراب، فكيف إذا كان ذلك الجراب هو من نسج الأديب القاص: (محمد الزنتاني)، هنالك لن يكون النص في حالة تمنّع فحسب، بل في حالة أشبه بـ  (القدرية) ويمكن أن ينطبق عليها اسم (أرزاق) وهو العنوان الذي اختاره لقصته الأخيرة المنشورة على حائطه الفيسبوكي.
يقول في نص أرزاق:
“- أُنظر، أرأيت ذلك الرجل الذي يعتمر قبعة أوربية، و يطوّق عنقه بشال داكن اللون!؟
حملق السائق أمامه في حيرة، فأضافت:
– أعني ذاك الذي يحمل حقيبة جلدية بنيّة في يده اليسرى، و يضع يده الأخرى في جيب معطفه الأيمن!
وعندما نظر في نفس الاتجاه الذي أشارت إليه أضافت قائلة:
– أنت طبعا لا تعرف من يكون، وتعرف أيضاً أن ذلك لا يعنيك، لكنك بالتأكيد تعرف الآن أنه لم يتمكن من رؤيتي هه!”.
ينقطع النص بغتة وتصدمك الحيرة من فحوى رسالته، فيتجسد أمامك (محمد الزنتاني) وهو يعتمر قبعته الأوربية الغامقة ويطوق عنقه بشال داكن اللون ويحمل في يده حقيبة بنّية اللون، واضعاً يده في جيب معطفه، يتراءى لك وهو يحرك عدسات نظارته ويبتسم بصمت، ولا شيء غير الصمت، حيث لايمكنك أن تملك نصّه وتنتزع معانيه إلا إذا كنت حاوياً تراوغ التمنع، أو محظوظاً تسّاقط  عليك الأرزاق في لحظة من لحظات القدر. وأحيانا لا المراوغة ولا الحظ بإمكانهما مقارعة ذلك التمنع العجيب كما هو الحال في قصتة المنشورة تحت عنوان: (القرار)، إلا إذا تحايلنا على النص وسلمنا بأنه قصتان في قصة واحدة لها طابع مزدوج، تتضمن حكاية ظاهرية، وأخرى يجري بناؤها في تكتم وخفاء، ثم ندع المجال للقصة الظاهرية لتسرد تفاصيلها، ونتعقب بحذر شديد القصة الخفية (قصة الظل) على غرار (حكومة الظل)،  لنتقصّى فكرتها ومؤداها.
في القصة الظاهرية يستهل الزنتاني نص (القرار) بمقاطع وصفية وسردية متعاقبة تصف الجراب وتسرد حركة البطل اليومية رفقة جرابه ضمن سياق يحمل مقاصد مباشرة وغير مباشرة، تهدف المباشرة منها إلى الإمتاع والتأثير والتشويق والإقناع،  فيما تقدم تلك (غير المباشرة) المعاني الضمنية اللازمة لقصة (الظل) التي سنأتي على ذكرها لاحقاً.
“عاد لتوه من جولة، استنزفت من وقته نصف يوم. عاد بجراب مملوء حتى الحافة. جراب منبعج، ذو نتوءات حادة في أطرافه، لكنه سلسٌ ومنقادٌ وذو انحناءات متشابهة عند العنق”.
ثم يقول في مقطع سردي آخر يتكون من مجموعة من الأحداث السردية المتعاقبة:
“شغل نفسه تماماً ذلك الصباح. بحث في كل مكان. تجول في الشوارع الواسعة العريضة. زار الأسواق الحديثة. الأسواق الممتازة. ذات الأضواء الباهرة. جاب الأزقة المنزوية. تفقد المحلات التجارية الصغيرة، ومحلات بيع المواد المستعملة. قلّب أغراضاً كثيرة. اشترى بعضها. تكاثرت المقتنيات. ثقلت، فحزم طرف الجراب العلوي وحمله ووضعه على كتفه بعناية”.
لاحظ (البحث، النزول، التجوال، الزيارة، التفقد، الشراء،….) وهي مجموعة من الأحداث تنبني على عقدة التجوال في السوق، وجميعها تعتمد على الجمل البسيطة ذات المدلول الواحد بحيث تبدو أكثر تركيزاً واقتضاباً واختزالا وإدهاشاً للقارئ، وتتضمن إيقاعية متناغمة للتدليل على الحركة والتوتر الدرامي وإثراء الإيقاع السردي.
ولكي يضمن السارد حيوية النص وتفعيل الحبكة وتعزيز التوتر والتعقيد اعتمد على الجمل القصيرة:
“سحب أنفاساً أخرى. وقف. وبدأ في تفقد زوايا البيت. أمضى وقتاً في البحث الدقيق الحذر والتفتيش المضني الصبور: في الأدراج. على الأرفف. والطاولات والكراسي. تحت الأسرة، وقطع السجاد المبعثر هنا وهناك. وراء الستائر. بين طيات الأغطية. في ثنايا الملابس. داخل الجيوب. في الأصص، بين أغصان الزهور البلاستيكية. وراء اللوحات المعلقة على الجدران. في المطبخ. في الحمام. في دار التخزين”.
وفي مكان آخر يعتمد على تتابع الجمل الفعلية ذات البعد الحركي فتأتي الأفعال كما لو أنها تهجم على مخيلة القارئ عبر التسريع لوتيرة الجملة وتراكبها وتتابعها وقصرها وإيجازها:
“ترك الشباك الخشبي مفتوحا إلى الخارج. وأقفل الشباك الزجاجي من الداخل. عاد إلى الصالة. تأمل الزوايا والفراغات. ذهب إلى الحمام. غسل وجهه. ذهب إلى المطبخ. أعد فنجانا من القهوة. أحضره إلى الصالة. وضعه على الطاولة. ارتمى على أقرب كرسي. أشعل سيجارة. ارتشف القهوة. تنهد براحة مستدرجاً الشعور باللامبالاة. فكر بعمق، وقرر بثقة”.
كما يتضمن النص الخاصية الحوارية التي تعبر عن الصراع والاختلاف الفكري أو الأيدلوجي بين الشخوص:  وتتطور الجملة الحوارية إلى شكل سيناريو يجسد لقطات حركية:
“- من أنت؟
–  أنا من تبحث عنه.. ها أنذا أمامك.. أفعل بي ما تريد.. أليس لديك ما تريد فعله بي؟
– ………
– سأساعدك.. أجل.. سأساعدك.
نظر إليه بذهول، وقال في ارتباك واضح:

– ولكن هل جننت؟
– أنا لم أجن.. أنا فقط أردت أن أريح نفسي وأريحك.. أفعلها.. أفعلها الآن، فلا يوجد أحد معنا.
– ماذا أفعل؟!
– اقتلني.. أليس هذا ما تريده؟!”
وفي نفس السياق السيناريستي المعبأ بالحركة يختتم النص بجملة محذوفة  (مضمرة) وموحية وخارقة في آن واحد حيث يصل السارد إلى نقطة إعلان الصمت أو الامتناع عن البوح مع الإيحاء بأن أمراً خارقاً قد وقع، فانقطع صوت الضحية بحيث لم يتمكن من إكمال صيحته:
“- لا تضطرني إلى فعل ما لا أود فعله.
– بل لابد لك من أن تفعل ذلك.
– سأطلق عليك.
– هذا ما أريده.
– سأفعلها حقا.
– افعلها.
– سأطلق.
– أطلق.
– سأطلق.
– أطلق، وإلا سوف أطلق أنا.
– أطلق.
– أطلق.
– أطـ..”
ولكن من أطلق النار على من؟ وما سبب القتل؟ ما دوافعه؟ هنا علينا استدعاء قصة الظل، أو القصة الخفية التي تتزاوج مع القصة الظاهرية والتي آن الأوان لها أن تتنحى جانباً حتى نتمكن من المراوغة للقبض على تيمة النص وامتلاكها.
في دوامة الحياة الواقعية التي تزامنت مع كتابة النص والذي نشر في التسعينيات من القرن الماضي، قام السارد بتضمين نمط تلك الحياة بين فراغات نسيج الحكاية الظاهرية، مخفياً حكاية غامضة  تستشرف المستقبل وتتنبأ بما سيؤول إليه في ضوء حركة وسلوك بطل القصة.
فالتفاصيل المحكية تندمج في إطار حكاية أخرى مخفية مستفزة وشديدة التمنع، يحتاج فك طلاسمها إلى تجريدات فكرية ترتبط بشكل خاص بتجربة القارئ الشخصية ومقدرته على التجريد.
وهنا يمكن الاستعانة بنظرية جبل الجليد  لأرنست همنغواي التي تقول أن الحقائق الثابتة هي التي تطفو فوق الماء في حين أن القواعد التي تبنى عليها تلك الحقائق تستقر تحت الماء، وهو ما يتفق مع قصة الزنتاني حيث لا يمكنك أن ترى إلا تلك المشهدية الثابتة أما أبعاد تلك المشهدية تحتاج إلى غوص عميق للوصول إليها، فإذا ما رجعنا إلى مفهوم (الجراب) المليء بالنتوءات، فما هو إلا ذلك المخزون الوجداني والثقافي لبطل القصة، وهو مركز الخبرات النفسية والعقلية لبطل القصة، الذي يبدو شخصاً منقاداً للتقاليد المجتمعية (له انحناءات متشابهة)، وحين يتجول بالأسواق والشوارع فهو يجمع كل تلك الضغوطات والصدمات جرّاء أقوال وأفعال يتلقاها بشكل يومي، وحين يعود إلى البيت (يخرجها من جرابه) وهو جراب معنوي، ويستعرضها في خياله، وحين يمتلئ تماماً بتلك الضغوطات وتتراكم أدرانها، تتسرب لتؤثر على المحيطين به، كما يفرز المجتمع أشخاصاً آخرين يحملون نفس الضغوطات ويبحثون عن وسيلة للتنفيس عنها.
بطل القصة الموبوء بالهواجس والمشاعر السوداوية يصدر مشاعره السلبية للآخرين ليكتشف أن الآخرين يحملون نفس بضاعته أيضاً، وأن كل المجتمع مثقل بتلك التراكمات النفسية المعقدة، وحين تتصاعد الحالة العدائية إلى مستواها الأعلى يطلق أحدهما النار على الآخر، (النار) قد تكون كمية العنف المتراكمة في أعماقه، وهنا يتنبأ الكاتب وفي حالة استشراف منطقية، بالانفجار العدواني الذي يسود المشهد الليبي الآن كنتيجة لشحنات وصدمات ثقافية واجتماعية سابقة.
 

عن عائشة إبراهيم

عائشة إبراهيم. من مواليد مدينة بني وليد. متحصلة على بكالوريوس في الرياضيات، وهي بصدد إعداد رسالة الماجستير في الإحصاء الاقتصادي. عملت مدير تحرير الموقع الرسمي لوزارة الثقافة، وللموقع الرسمي للمفوضية العليا للانتخابات. شاركت ضمن اللجنة الإعلامية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب سنة 2013، ثم ضمن اللجنة الإعلامية لمعرض طرابلس الدولي للكتاب. نشرت كتابها «تاريخ الفنون في ليبيا» على أجزاء بجريدة فسانيا. إصدارات: - قصيل (رواية) 2016.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى