قال أحبك ومضى!

فسانيا

محمد مسعود

من أعمال التشكيلية الليبية نجلاء الفيتوري.
من أعمال التشكيلية الليبية نجلاء الفيتوري.

صعد على مهل درجات خمس، قبل أن يجد نفسه على ركح المسرح الفسيح، المحاط بجمهور شديد الاكتظاظ، هائمون، تتمايل أيديهم ذات اليمين وذات الشمال تناغماً مع معزوفة حزينة تصدح بالشجن وهم يرددون ذات القطعة التي صار يُعرف بها. ستون ونيف من المقاطع الموسيقية كانت جل حصاده، وكان يتغنى بها على الركح بذلك المسرح الفسيح، وما أفلحت لتقله لمصاف المغنين ولا العازفين البارعين، وحدها تلك التي كان أسماها (مقطوعة أحبك) يحفظها الجمهور عن ظهر غيب، حتى إنهم بكثير من الفواصل كانوا بارعين أكثر منه وهم يهيمون بتكرارها، سيما حينما تخرس الآلات الموسيقية من شدة الصخب والهيام، فقط كان عازف الناي يسافر بعيداً مع ذلك التناغم الرهيب فيجد من حيث لا يدري يداه وقد سبقته لتلك الثقوب لتنفث أبدع انسجام مرهف، دونما الاعتداد بإيماءات قائد الفرقة مطلقاً. بين الوصلات كانت أنْات الناي تُسمع بوضوح، فما إن أقام واقفاً فاتحاً يديه، كالذي يستعد لاحتضان آتٍ من بعيد عبر الأفق، نكس رأسه، ثم مسح ببطن كفه اليسرى محياه الشاحب وهَمْهَم همساً مع جمهور الهائجين بالمسرح الجليل الفسيح، بلباسهم الأبيض الفضفاض الناصع، والذي يعمل وهجاً مهيباً بالأرجاء، تماسك أكثر وصار يحفز بعض بوحٍ سرعان ما تدحرج من على شفتيه، وتبعثر مسفوحاً بلغة باكية وهو يجاري ذلك الصخب، فيمتشق الألق، ويصير يتغنى قائلاً:
نعم كثيراً أحبك رغم الوجع،
ورغم الخيبات سأبقى أحبك.
يا أمنا من على سفح الأمنيات نغادرك
الآن ولمّا يكتمل البدر ذلك أن الرحيل بعض من دين.
سأمضي،وأنا أحملك حباً بين حناياي.
حيث لا رجوع.
قال كل ذلك دون أن يسمعه جمهوره حتى !،
ثم جثى على ركبتيه وبكى كثيراً، حينها توقف الناي عن نغماته الجنائزية، وحُشر بجراب العازف يميناً، ضل شاخصا بالأفق كثيراً، كمن يلحق بركب محبيه، ثم صمت صخب الجمهور فجأة، فيما كان الركح يشهد فجيعة انسلاخ مغنيه عنه،وترجله ليشارك الجمهور ترقبهم لقادم آخر يصعد الركح قبل أن ينضم إليهم كسابقه، ذلك الذي قال أحبكِ ومضى.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى