غناوة العلم

غناوة العلم
غناوة العلم

ذلك الفنُ الرهيب الذي تفرد به الليبيون.. دون غيرهم.
هي ليست كشِعر (الهايكو) الياباني(1).. لكنها تلتقي معه بشكلٍ ما.
هي ليست قصيدة.. لأن القصيدة لا تكون بيتاً واحداً.
هي ليست شِعراً.. لأن أهلها عزلوها عن الشعر.
هي ليست نثراً.. لأن المساحة لا تكفي للنثر.

هي ليست أغنية.. ولكنها غِنَّاوة!.
هي زفرةٌ تحكي كلَّ الأوجاع.. هي شهقةٌ تفسر كل الآلام.. هي لغةٌ من لغات الأنين، ومعنى من معانِ البكاء.. وطريقة مُبتكرة لتقنين الصراخ.
أهم ما يُميز غناوة العلم هو القدرة الرهيبة على الاختزال، فلكي تكتب غناوة علم واحدة، لابد أن تكون قادراً على ضغط ملعبٍ بجميع لاعبيه.. في كرة.
غناوة العلم تحكي قصةً كاملة مكتملة.. الحدث، الشخوص، المكان، الزمان، البداية، والوسط، القفلة.
“اتقولْ واحيه لفراق.. لها زمان عيني مرقرقة” (2)
في هذه الغناوة يكون القلب حاضراً وبقوة؛ وإن لم يُذكر.. أليس هو من أوحى للعين وحدَّثها عن الفراق؟ فلا يُمكن للعين أن تتنبأ بالفراق دون إيحاء.. وهذا الإيحاءُ إن لم يكن من القلب.. فمِن مَن؟!.
لكن دعك من هذه..
هل سمعت في شعر العرب قاطبة من بكى الفراق قبل زمن الفراق؟!
عندما يكون المشبه هو المشبه به، وعندما يكون الظن هو الحقيقة، وعندما يكون الخيال هو الواقع.. ذلك ما يخبرنا به الغناي في قوله “اتقول” وهي أداة تشبيه.. والمعنى: وكأنها علمت بالفراق.. لكن التشبيه هنا لا معنى له سوى التخفيف.. إذ أن المعنى الحقيقي الذي أراده الغناي هو أنها علمت بالفراق بالفعل.. لكن ما يؤلمه أكثر.. هو أنه لم يفهم لغة عينه في حينها.. والتي كانت تُصرُّ وتُلح على إخباره وتحذيره من الفراق.. ويظهر هذا الإصرار والإلحاح جلياً في قوله: “لها زمان عيني مرقرقة “!.
العين لم تنتظر إلى أن يحدث الفراق، لكنها بكت بمجرد أن علمت بأنها على موعد مع الفراق، تلك هي اللحظة التي يُخبرك فيها الأطباء بأن مريضك لا شفاء له، وأنه سيموت في غضون أيام. 
ثم.. ألا ترى أن الغناوة قيلت بعد الفراق.. وليس قبله.
وهذا يعني أنها تحكي قصة فراق حدث بالفعل.. وليس مجرد توقع للفراق.
القلب يشعر بالفراق.. فيخبر العين.. لكن العين لا تعرف كتمان السر.. فتدمع.. وترقرق.. والغنَّاي هو آخر من يعلم، رغم أن الخبر قد تم تداوله في أوساطه، وتناقلته أعضاؤه.. وهنا مكمن الألم.. وموطن الوجع، وكأن الغناي يتحسر بسبب هذا الصمم الذي حال بينه وبين سماع وحي القلب، وهذا الكم من الغباء الذي حال بينه وبين فهم رسالة العين!.
هذه الغناوة هي مجرد مثال.. لأخبركم كيف يُمكن لتنهيدة أن تحكي قصة، وكيف يمكن للوجع أن يُضغط ويُسبك، وكيف يُمكن لجملة من المعاني أن تتكثف لتخرج في دفقة واحدة، وفي أنَّةٍ واحدة، أو آهةٍ واحدة، وفي كبسولة واحدة.. على هيئة رصاصة.. ولهذا يقوم كل من يحمل في يده بندقية بإطلاق الرصاص.
وكما أن الغناي يختزل وجعه فيعطيكه دفعة واحدة.. فإنه أيضاً يبدأ في الغناء من آخر الغناوة، ثم يزحف شيئاً فشيئاً، يُركِّبها كقطع الأحجية، ليلظم آخرها بأولها فتكتمل الدائرة، أي أنه يروي القصة، أو يطرح القضية بطريقة الاسترجاع الفني (flashback).

تتفق جميع (غناوي العلم) على وزن واحد ثابت، لم يجرؤ أحدٌ على تغييره أو تعديه، وهذا يدل على شيئين اثنين:
الأول: أن (العلم) قد مرَّ بمراحل تطور قبل أن يصل إلى هذا الشكل والوزن.
الثاني: أنه قد بلغ ذروة الاكتمال، ومنتهى الجمال، وأن أية محاولة لتطويره ستؤدي إلى تكسيره وانهياره.
وقد حاولتُ جاهداً أن أُخرج تفعيلات هذا الوزن على غرار بحور الخليل.. لكنني لم أفلح.
كلمة (العَلَمْ) تُنطق بطريقة الاختلاس، أي أن الـ (stress) يكون على اللام والميم. أما عن معناها فهناك من يردها إلى كلمة (عَلَم) في الفصحى، والتي تعني الجبل، والعلامة، وسيد القوم.. ولكن لا أحد يعلم على وجه اليقين مصدر الاسم وسبب التسمية!.
أما لماذا يقوم الغنَّاي بتغطية وجهه أثناء الغناء، فذلك لأن أداء غناء العلم هو نوعٌ من أنواع التأمل (Meditation) (3)!.

____________________________________________
(1) هايكو أو هائيكو؛ شعر ياباني، يعبر فيه، من خلال ألفاظ قليلة عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة.
(2) لم أعثر على اسم صاحب الغناوة، فمن يعرفه يكتبه في تعليق وسأقوم بإدراجه.
(3) من شروط التأمل أن يقوم المتأمل بإغماض عينيه أثناء ممارسته. 

عن عبدالرحمن جماعة

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى